Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 2 February, 2007

في ذكرى رحيل «أيقونة الدراسات الإسلامية»!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

تحل، يوم 27 يناير، الذكرى السنوية الرابعة لوفاة المستشرقة الألمانية الشهيرة أنّا ماري شيمل، عن عمر ناهز الثمانين، عشقت أنّا ماري الثقافة الإسلامية في فضائها الإبداعي الخلاق، الصوفي الشعري، على الخصوص، وقد وُصفت في الصحافة الالمانية الرزينة بـ «أيقونة الدراسات الإسلامية»، بدأت ماري شيمل، منذ كانت في الخامسة عشرة من عمرها «عام 1938»، تتعلم اللغة العربية ودراسة الإسلام، فتحصلت على شهادة الدكتوراه الأولى في سن التاسعة عشرة، وفي الرابعة والعشرين من عمرها نالت إجازة التدريس الجامعي «الأستاذية».

في عام 1954 أصبحت أول أستاذة جامعية غير مسلمة تدرس أصول الدين الإسلامي في جامعة أنقرة التركية. وبعدها انتقلت للتدريس في جامعة بون الألمانية وكذلك في هارفارد الأمريكية كأستاذة كرسي، طوال ربع قرن، لدراسات «الإسلام في الهند».

خلال وجودها في تركيا تعلقت بالعالم الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، شيخ طريقة «الدراويش الراقصين»، وشاعر الحب الكوني، المكثف في الرؤية الصوفية الشاسعة لعبارة: «إن الله جميل ويحب الجمال»، وهي الرؤية التي ينفذ منها عشق أنّا ماري الرحب لروح الإسلام الصوفي: «حتى انها تتخيل نفسها أحيانا وكأنها عاشت معه (جلال الدين الرومي) في القرن الثالث عشر، في هيئة قطة، أو هريرة صغيرة، تجلس بجواره. وتستمع إلى أحاديثه. وتستمتع بأقواله وأشعاره»، كما أخبرت بذلك تلميذها المستشرق الألماني البارز، الشاعر يوحنا بيرجل.

تمكنت أنّا ماري، خلال رحلتها المعرفية المديدة، والغويصة، من إجادة ست لغات غير، لغتها، والترجمة عنها. وهي العربية والتركية والانجليزية والفارسية والأردية والسندية. وألفت أكثر من مائة كتاب في حقول الثقافة الإسلامية، وعلى الخصوص، الأدب الصوفي الإسلامي في غير اللغة العربية.مما يشكل مكتبة لا حدود لغنائها. لكنها، للآسف، ليست جميعها في متناول القارئ العربي. ويذكر المستشرق الألماني يوحنا بيرجل ان معلمته «تشكو مرّ الشكوى من عدم اكتراث العرب بما يحدث في الدول الإسلامية غير العربية..» ومن بين مجمل أثارها يبرز ما يُعد أثرها الأساسي. وهو كتاب «البعد الصوفي في الإسلام» الذي عرّف بها كمختصة مشهود لها في التصوف الإسلامي. وكذلك عُرفت كمستشرقة نزيهة، بريئة من أغراض الاستشراق السياسي المغرض، وبتراثه الصليبي ـ الكولونيالي البغيض. فهي كما قالت: «لا أستطيع أن أبحث في موضوع لا أحبه»!

انجذبت أنّا ماري إلى الثقافة الإسلامية، بشغف وعشق صوفيين، ولكن على أسس معرفية، ذات منهجية علمية موضوعية، إلى حد كبير!

وذلك ما جعل منها وسيط نزيه بين ثقافتها الغربية والثقافة الإسلامية، في سبيل بناء قنطرة للتفاهم الحضاري الخّلاق بين الثقافتين. مدركة (حجم) تراث سوء الفهم الغربي الضخم، المكوَّن ـ المكوِّن، عن عمد أو جهل، حيال الإسلام والمسلمين، منذ الحملات الصليبية الأولى، إلى الحملات الاستعمارية الحديثة!

فكانت «أيقونة الدراسات الإسلامية» تحرص، في كتاباتها ومحاضراتها، على إبراز الأبعاد الأصيلة للإسلام وثقافته، كي تساعد المتلقي الغربي على فهم الإسلام بطريقة معرفية سوية خالية من مركبات تركة العداء و البغضاء!

لكنها هي نفسها كانت عرضة العداء من قبل الأعلام الغربي، وفي بلادها ألمانيا تحديدا. فعندما رُشحت عام 1995 لنيل جائزة السلام الألمانية التي يمنحها اتحاد الناشرين الألمان كل عام، أثار ترشيحها للجائزة جدالا قويا واسعا في الإعلام الألماني، تركز حول عدم استحقاقها للجائزة بسبب موقفها من سلمان رشدي وكتابه: «آيات شيطانية»، الذي رأت فيه إهانة متعمدة لمشاعر المسلمين ومعتقداتهم المقدسة. وقد أشارت، في مقابلة تلفزيونية، بأنها تتفهم الأسباب الكامنة وراء الفتوى القاضية بقتل سلمان رشدي، دون أن يعني ذلك موافقتها على الفتوى. فثارت التعليقات والاحتجاجات الإعلامية في وجهها. واعتبرتها قريبة، فكرياً، من الأصولية الإسلامية. وإنها غير جديرة بجائزة السلام. لكن الرئيس الألماني، وقتها، أصر على استحقاقها لـ «جائزة السلام»، وحرص أن يقدمها إلى «أيقونة الدراسات الإسلامية»!

لقد رحلت أنّا ماري شيمل. وبقى أن نقول، مع يوحنا بيرجل، بأنها كتبت كل ما كتبت: من اجل فكرة عظيمة. فكرة تحقيق المزيد من التفاهم والسلام بين شعوب العالم، وثقافاته، وأديانه. وذلك إخلاصا لشعار رويكيرت الذي تحب الاستشهاد به، والذي يقول: «الشعر العالمي هو أفضل وسائل تحقيق السلام العالمي»، يوم كانت في حياتها حريصة على المزواجة بين الشرق والغرب في روح واحدة طلبت في وصيتها أن يُقرأ على جثمانها، الذي سجى في كنيسة بون، سورة الفاتحة. وذلك ما فعله صديقها الشيخ أحمد زكي يماني، وزير النفط السعودي الأسبق، ومؤسس ورئيس الفرقان للتراث الإسلامي في لندن.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 1 فبراير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home