Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 1 November, 2007

.. في مديح النظام الملكي (*)

فرج بوالعَـشّة

شخصيا لست من متابعي المسلسلات الدرامية. لكن في شهر رمضان تفرض هوجة المسلسلات نفسها على من يحب أو يكره. وهذا لا يعني أن ليس بينها ما يستحق المشاهدة. فلا يخلو «مينو» العروض المتزاحمة من المصنفات الدرامية الجيدة فنيا... ثم يبقى للعقل والخيال في خيارت الناس شؤون!

شخصيا اخترت، في هذا العام متابعة أربعة مسلسلات. هي، حسب التوقيت: «باب الحارة» في قناة القطرية. و«المصراوية» في قناة دبي. و«الملك فاروق» في قناة الإم بي سي. و«رسائل الحب والحرب» في القناة القطرية. ولم أكن منضبطا في متابعة المسلسلات حلقة بحلقة. فطبيعة المسلسلات العربية التي يغلب عليها التطويل الممطط، على نحو مضجر في كثير من الأحيان، تجعلك تكتفي بمشاهدة بعض الحلقات، في البداية ومثلها في الوسط ومثلها في النهاية، دون أن تفقد شيئا من مسار الحبكة الدرامية. لكني كنت حريصا ألا تفوتني أي حلقة من مسلسل: «الملك فاروق»، لأن أحداثه الدرامية مرتبطة بشكل وثيق جدا بأحداث سياسية موثقة تاريخيا. وكنت شغوفا بمتابعة مدى إلتزام المؤلفة بالحقيقة والانصاف في معالجتها للأحداث السياسية، وطريقة تقديم الشخصيات الدرامية، ذات الطبيعة الوثائقية، دون تحيز لطرف على حساب طرف آخر، لأغراض أو أهواء شخصية، أو ترضية للجهة المُنتجة، سيما أن المسلسل تنتجه شركة سعودية(ملكية) وتعرضه، حصريا قناة سعودية فضائية (ملكية)!

وقبل التوقف مليا عند مسلسل «الملك فاروق» سأمر بملاحظات سريعة على المسلسلات الثلاثة الأخرى التي ذكرتها. مسلسل «باب الحارة»، رغم شهرته الشعبية على مستوى العالم العربي، إلا أنه، في رأي، بعد خصم القدرات الرائعة للممثلين والممثلات، والإخراج، تحركه حدوتة، متفرعة إلى حواديت: ساذجة، نمطية، بطيئة. وقد يقول قائل إن ذلك من طبيعة مجتمع الحارة العربية، قبل أكثر من سبعين سنة. لكن ذلك لا يعفي المسلسل من السقوط في نستالوجيا غنائية تطوّب صورة الأب البطريركي، وتجمّل قهر المرأة، وتقدم منظومة علاقات التخلف الاجتماعي على أنها زمن جميل مفقود!

مسلسل «المصراوية» عودة قوية لصاحب «ليالي الحلمية»، اسامة أنور عكاشة. وواضح من الجزء الأول من المسلسل أنه ينوي متابعة تاريخ مصر، دراميا، بدءاً من الاستعمار البريطاني. المسلسل مبني على سيناريو مُتقن من لدن سيناريست محترف، ذي نفس روائي حميم. ولكنه محكوم بحركية الدراما التلفزيونية السلحفائية. ومعالجة، إخراجيا، باسلوب الإخراج التلفزيوني المصري النمطي. مسلسل «رسائل الحب والحرب» بانوراما درامية بدأت بداية جريئة محمولة على معالجة روائية لأحداث سياسية تتصل بالواقع السوري موصل بالواقع اللبناني/الفلسطيني، مفتوح على الواقع العربي، لكنها ما لبثت أن سقطت في الاستسهال الدرامي من جهة، وفي تمجيد الرمز العسكري وتبرير أخطائه بدواعٍ وطنوية!

ونأتي إلى مسلسل «الملك فاروق». أهم ما يميزه أنه لا يعاني من علة التطويل الممطط، المشتركة بين كل المسلسلات العربية تقريبا. ومرد ذلك أن الأحداث والشخصيات السياسية، التي يمتح المسلسل منها، ثرية بشكل فائض!

إجمالا يمكن القول إن المؤلفة لميس جابر نجحت، حسب رأي، في تأليف عمل درامي/وثائقي DOCUDRAMA مثير للجدل. علاوة على إمكانيات الانتاج الكبيرة، وموهبة المخرج المتميز حاتم علي، والأداء الرائع للممثلين، خصوصا تيم حسن في دور الملك فاروق.

لكن المؤلفة، ومعها المخرج، أظهرا تحيزا متعمدا للملك والملكية من جهة. وللنحاس باشا وحزبه من جهة أخرى. وقد عبرت المؤلفة، في أحاديث إعلامية متعددة، عن نواياها الشخصية وتوجهاتها السياسية المتحيزة بشكل واضح. وتقصّدها المدروس لتقديم العهد الملكي في صورة تغلب عليها النواحي الإيجابية. وإظهار الحياة السياسية، في العهد الملكي، على أنه نموذج مجيد لليبرالية الديمقراطية، وحرية الصحافة، والتحرر الاجتماعي، دون التوقف الموضوعي عند فساد القصر والوفد، وطبقة البشاوات والذوات والأعيان، الذين كانوا، في واقع الأمر، مجرد أدوات طيعة في المعادلة السياسية لمشروع الكولونيالية الإنجليزية المسيطرة بالتمام والكمال على مصير مصر: بلادا وعبادا!

نافحت مؤلفة المسلسل بقوة عن (فاروقها!!). الذي، حسبها،: بسيطا وغلبانا الى درجة الخوف. وأن شخصيته اتسمت بالخجل والتسامح والاعتدال ولم يكن ديكتاتورا أو مخمورا طوال الوقت. لقد اختلقت المؤلفة ما يمكن لها من التبريرات، وإن بطريقة ذكية، للتستر على بعض الحقائق التاريخية، التي تفضح الملك فاروق سياسيا وأخلاقيا، في محاولة لتنزيهه واسرته ونظام حكمه. وتبرير أخطائه السياسة الفظيعة والتغطية على تصرفاته الشخصية المُعيبة!

إن الحقيقة التاريخية المدعومة بوثائق مؤكدة تؤكد بلا مجال يدعو للشك فساد الملك فاروق، على المستوى الشخصي «الأخلاقي» والسياسي، منذ استلامه العرش. ولن يغطي على تاريخه المشين، التبريرات السطحية كقول المؤلفة إن فاروق: «خفّض من مخصصاته الملكية من 150جنيهاً الى 100جنيه من اجل الشعب. كما انه كان خجلا عندما طلب من وزير المالية عبر وسيط حكومي إرسال 50 ألف جنيه من اجل شراء اثاث منزل شقيقته العروس..».. متسائلة: «كيف يمكن لهذا الشخص الخجول ان يكون فاسدا». دع عنك أن قولها هذا تزوير للحقيقة لإظهار فاروق وعهده الملكي الفاسد بكل المقاييس على أنه أفضل من العهد الجمهوري. ففاروق كان مصابا بمرض السرقة والتملّك. وعمليا كان يملك عشر أراضي مصر الزراعية. وابوه هرّب أكثر من خمسة عشر مليون جنيه إلى بنوك أوروبا، وهي ثروة بالمليارات بحساب اليوم. ومعروف أن فاروق كان يضارب في تجارة القطن، ومعه افراد حاشيته الملكية، وقيادات بارزة في حزب الوفد. بل وكبار صحفيي البلاط.. دون أن نذكر تزويره لمصروفات الخاصة الملكية التي تُدفع من حزانة الدولة!

ومن مشاهد تزييف الحقيقة، بشكل مفضوح (حيث المنتج سعودي والمحطة العارضة سعودية) تعمد المؤلفة، وموافقة المخرج، على عدم إظهار فاروق على حقيقته كسكير. وإظهاره وهو يتناول عصير البرتقال، طوال حلقات المسلسل، بدلا من تناوله الخمور. وكذلك تعمد عدم إظهاره يرتاد الكباريهات، إلا في مشهد واحد بدا فيه مهذبا ومتزنا، يدخن سيكاره، وأمامه كوب عصير، لم يتناوله. وهو الذي قضى من الوقت في الكبهاريات، ولعب الورق بصحبة حاشيته الصغيرة من الطليان وبعض المقربين منه، أكثر مما قضاه في مكتبه. وتصر المؤلفة على التأكيد في المسلسل، على لسان الملك، عديد المرات أنه لم يطارد أي أمراة أخرى وأنه ظل وفيا (جنسيا) لزوجته. وهذا كذب بواح. ففاروق كان داعرا. له علاقات جنسية مع عدد من النساء. بينهن عاهرات رخيصات. ويرتاد، بشكل مدمن كلوبات وكباريهات شارع الهرم، مثل «الأوبرج» و«سميراميس». ومعروفة علاقته الفاسقة بكاميليا اليهودية، التي لم يأت المسلسل على ذكرها!

كما أن المسلسل لم يأت على ذكر تنظيم «الحرس الحديدي» الذي اقترحه على فاروق، وأشرف على تشكيله، طبيبه الخاص وصديقه المقرّب جدا، يوسف رشاد. ومعروف، توثيقيا، أن تنظيم «الحرس الحديدي» مسؤول، بشكل مباشر، عن عمليات اغتيال سياسي. الملك فاروق، في الحقيقة التاريخية العارية، كان يحتقر الدستور. ولم يكن وطنيا بأي معني وما خلافه مع المندوب السامي البريطاني السير مايلز، إلا مماحكات صبيانية لأسباب شخصية، تتصل بعقد فاروق النفسية. وكذلك هي خلافاته مع النحاس، مردها عقده النفسية، المتجاذبة بين مركبات النقص التي تجعله يتوسل الشعور بالعظمة للتغطية عليها. والحاجة إلى تغذية الشعور بالعظمة هي التي حركت، إلى جانب منافسته للنحاس، إدعائه بزعامة العرب في مشروع الجامعة العربية، بتخطيط من عبد الرحمن عزام. وهو الذي، بينما كان الجيش المصري يقاتل بني صهيون، بأسلحة متخلفة وفاسدة، أصدر أوامر لسلاح المهندسين بتجهيز شاليه في غزة، كي يستجم فيه عند زيارته للقوات المصرية. وعقد النقص، المتلبسة، دفاعيا، الشعور بالعظمة، هي التي كانت تدفعها كي يقدم نفسه، بتخطيط من علي ماهر، ليكون خليفة للمسلمين. وهو الذي لم يكن يصلي، ولم يذهب إلى الجامع إلا في مرات معدودة للتظاهر بالتقوى والورع أمام المصريين!

ومن صور تهافت المسلسل في انحيازه المفضوح لوجهة نظر المؤلفة الشخصية على حساب الحقائق التاريخية، تنزيهها لطبقة الباشاوات وأولاد الذوات. وتطويبها لمصطفى النحاس، بتعمد إظهاره بلا أخطاء. رغم أخطائه الكثيرة وقد حرصت المؤلفة على تقديمه في المسلسل كسياسي وطني لا يُشق له غبار. حتى أنها تعمدت اغفال جانب إنساني لصيق بشخصيته. ويظهر معه في معظم تصرفاته لاسيما في سنواته الأخيرة، حيث اشتدت عليه الحالة. إذ كان، نتيجة اصابته بوسواس الطهارة، يقضي ساعات طويلة في الاغتسال والعناية ببدنه. ولا يخرج من غرفة نومه إلا عند منتصف النهار، ليقوم ببعض الأعمال ثم يعود إلى غرفة نومه الساعة الثانية ظهرا ولا يخرج منها إلا في السابعة مساء، ليتناول عشاءه، ثم يعود للنوم عند الساعة التاسعة. وكان مصحوبا على دوام، بموظف خاص يحمل زجاجة مطهِّر كحولي، يغسل به يديه كلما صافح أحد ما. وعلى سبيل المثال، في إحدى المناسبات الوطنية(1950) وجد نفسه مضطرا لمصافحة عدد كبير من الناس. فكان في كل مرة يلتفت حامل المطهّر/مناديا: فين الكولونيا فين الكولونيا!

والحال أن النحاس باشا أصبح رجل الإنجليز الوفي، عندما نصّبوه رئيسا للوزراء، محمولا على الدبابات البريطانية في إنقلاب 4 فبراير 1942، وقد تعمد المسلسل التغطية التامة على الدور الكبير جدا لـ «زينب الوكيل»، زوجة النحاس، في تسيير شؤون حزب الوفد من خلال تحكمها في زوجها، العجوز المدلهم بها. فهي كانت شابة جميلة في الثالثة والعشرين عندما تزوجت النحاس {العانس} وهو في السادسة والخمسين. وقد شاركت مع أخيها «أحمد الوكيل» وأفراد من عائلتها وأقربائها، في جمع ثروة طائلة، مستغلة سيطرته على زوجها{رئيس الحكومة} ونفوذها على قيادات الوفد، من الباشاوات الاقطاعيين(مثل فؤاد سراج الدين) الفاسدين ماليا وسياسيا. وعندما احترقت القاهرة كان الباشا الاقطاعي فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية، موجودا في بيته يوقع عقد عمارة اشتراها، وليس كما أظهره المسلسل، وهو موجود في مكتبه طوال الوقت، يقوم بدور «وطني» «بطولي» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كما أن الباشا أمين عثمان، أحد أبرز قيادات الحزب، الذي كان ضابط اتصال باسم الوفد مع الانجليز، وقد قدمه المسلسل مطهرا من عمالته للمحتل. كان، في واقع الأمر، عميلا للانجليز. وهو صاحب كتاب معروف في مديح الاستعمار الانجليزي لمصر. وقد تمت تصفيته بواسطة مجموعة اغتيال تابعة للحرس الحديدي، يقودها اليوزباشي أنور السادات، الذي كان ضابطا بارزا في التنظيم الحديدي. ولم يكن اغتياله لأسباب وطنية، وإنما تلبية لرغبة الملك في قطع الطريق على علاقة الوفد بالسفارة البريطانية.

إن ما لم تجرؤ المؤلفة على كشفه، وهو مكشوف كحقيقة لا لبس فيها، هو أن الملك فاروق سليل أسرة من المماليك الترك الذين استعبدوا الشعب المصري قرونا تنطح قرونا. ظالمين فاسدين غير معنيين بمصر ولا بالمصريين. فمن بين خمسة ملايين فدان(اجمالي الأراضي الزراعية في مصر قبل ثورة يوليو) ملكت الخاصة الملكية، وأوقافها ، مليون فدان. ومليون فدان للأسرة المالكة وأوقافها. ومليون فدان تملّكه أجانب. ومليون فدان موزعة إلى اقطاعيات شاسعة تملكها الأسر الاقطاعية الكبيرة. أما المليون فدان الخامس فكان يعيش عليه ومنه حوالي خمسة عشر مليون فلاح فقراء بؤساء يعملون بمثابة أجراء!

والخلاصة أن المسلسل، رغم ما زخر به من حقائق، سقط في النهاية في لعبة تجميل القبيح لصالح الانتاج الحصري لقناة فضائية تمولها شركة انتاج يهمها التسويق لفكرة النظام الملكي، التي يُروج لها، في هذا الزمن العربي الركيك، مثقفو الريال، أو ما يُسمى بالليبراليين العرب الجدد، الذين كالوا المديح لمسلسل «الملك فاروق»، من باب مديحهم للديمقراطية الليبرالية الكولونيالية، في ماضيها الغابر، بغرض توطيب صورتها في الحاضر الساري، على شكل ديمقراطية أولتراليبرالية في ذروة النيوإمبريالية، العائدة إلى الشرق التعيس، عبر أفغانستان، وصولا إلى العراق. رغم أن الملكية فشلت في العودة إلى الحكم في أفغانستان والعراق، حيث فشل «راعي الملكية العراقية»، الشريف علي وأنصاره، في الحصول ولو على مقعد واحد في البرلمان.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 1 نوفمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home