Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Tuesday, 1 August, 2006

العـلاقات الأمريكية الليبية : الآثام والمغـفرة!!

بقلم : فرج بوالعَـشّة

رأت الولايات المتحدة في انقلابي الأول من سبتمبر 1969 ضباطا صغارا، قومويين، لكنهم معادين بقوة للشيوعية، حسب ما ظهروا في البداية.وبالتالي رحبت أمريكا بالانقلاب، على أساس إمكانية ترويض هؤلاء الانقلابيون، والاستفادة منهم في مواجهة الشيوعية.فرغم معرفة أمريكا بأن القذافي ومجموعة الانقلابيين المقربين منه، مراهقون ثوريون طائشون، ومتطرفون :"في موقفهم القومي العربي الوحدوي الناصري.. " كما جاء في تقرير سري للسفارة الأمريكية في طرابلس ديسمبر 1969، فإن: " وكالة الاستخبارات الأمريكية ولمدة خمس سنوات ‏متتالية بعد ذلك كانت تبذل الجهد الجهيد في تعقب وتسريب أخبار أي مؤامرة يُخطط لها من قبل أي طرف ضد أولئك الضباط ‏الثوريين الشباب... بل وأحيانا كانت تتدخل الوكالة مباشرة لإحباط تلك المؤامرات... " حسب ما جاء في مقال الصحافي الفرنسي، فرانسوا سودان، نشرتها مجلة جون أفريك الفرنسية بتاريخ 21 /5 /2006‏. وتكشف الوثائق الأمريكية السرية، التي جرى الإفراج عنها، كيف أنّ المقدّم أدم أحواز: طلب خلال الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 1969، عبر مسؤول المخابرات الأمريكية في مكتب السفارة الأمريكية في بنغازي المدعو جورج أم. لين Georges M. Lane، دعم الولايات المتحدة الأمريكية لحركته المزمَعة، غير أنّ الردّ الأمريكي على طلب الحواز والذي أبلغ إليه أيضاً عن طريق المستر لين يوم 4/12/1969 قد جاء بالرفض. ومن غير المستبعَد في ضوء حرص الولايات المتحدة الأمريكية على بقاء القذافي واستمراره في الحكم أن تكون قد أبلغت القذافي بما كان الحواز يخطّط له وهو ما ثبت أنّها قامت به فعلاً في حالاتٍ أخرى مماثلة.. "حسب دراسة للدكتور محمد المقريف تعرض ما جاء: " في التقرير السرّي الذي يحمل الرقم الإشاري A-249 المؤرّخ في 13/11/1969 (أي قبل ثلاثة أسابيع من محاولة الحواز وموسى أحمد) والمعدّ والمرسَل من قبل المستر جيمس بليك (الشخص الثاني بالسفارة الأمريكية في ليبيا) بعنوان "حول استقرار النظام الانقلابي الحالي في ليبيا" (سبع صفحات): ".. على الرغم من أنّنا لا نعرف سوى القليل حول تركيبة "مجلس قيادة الثورة" والتوجّهات السياسية والرؤى الاقتصادية لأعضائه، أو طبيعة العلاقة بين هؤلاء الأعضاء، إلاّ أنّه لدينا ما يدلّ على انقسام الأعضاء إلى مجموعتين على أساس العمر والخبرة والشخصية والتوجّه الأيديولوجي. ويبدو أنّ رئيس المجلس القذافي هو القائد المعترف به وغير المنازع من قبل مجموعة ستّةٍ أو سبعة من الملازمين والنقباء من أعضاء المجلس الذين يتَّسمون بالاندفاع والحركية والتطرّف في موقفهم القومي العربي الوحدوي الناصري. وتضم هذه المجموعة عبد السلام جلود ومصطفى الخروبي وعبد المنعم الهوني. وتوجد، من جهةٍ أخرى، تقارير تدلّ على أنّ المقدّم آدم الحواز، وزير الدفاع، هو على رأس مجموعةٍ من الضباط الوطنيين تخشى على ليبيا الجمهورية من جيرانها الكبار الأقوياء، والفقراء الطامعين في ثرواتها................(و) إذا صحَّت التقارير المتعلّقة بالاختلافات الأيديولوجية والعملية بين هاتين المجموعتين، فمن المحتَّم أن تشهد الأشهر القادمة صداماً حادّاً بينهما حول بعض القضايا الجوهرية. أيُّ هاتين المجموعتين سوف تخرج منتصرة من هذا الصدام أمر يستحيل التكهّن به في الوقت الراهن، غير أنّ إلقاء نظرةٍ خاطفة على التاريخ الحديث للانقلابات العسكرية تشير إلى أنّ الراديكاليين عادةً هم الذين ينتصرون على المعتدلين في هذه الانقلابات. وليس من المحتمل أن تكون ليبيا استثناءً من هذه الحالة. ومن ثمّ فمن غير المستبعد أن تجد الولايات المتحدة نفسها قريباً في مواجهة نظامٍ في ليبيا أكثر تطرّفاً وأكثر راديكالية ومعادٍ لها يقوم على أنقاض "مجلس قيادة الثورة الحالي ...". (1)
أما في سياق الأحداث السياسية المكشوفة فقد بدأ تدهور العلاقات الأمريكية الليبية، بشكل واضح منذ العام 1972. ففي 2 ديسمبر من ذلك العام سحبت الولايات المتحدة سفيرها، ورفضت رفع مستوى العلاقة الدبلوماسية إلى مستوى السفراء. وفي العام 1974 أوقفت الولايات المتحدة تسليم ليبيا 8 طائرات نقل، من نوع سي 130، مدفوعة الثمن. وفي العام 1977 اتهمت واشنطن طرابلس بمحاولة اغتيال السفير الأمريكي بالقاهرة. وفي 1978أوقفت بيع المعدات العسكرية إلى ليبيا. ووضعت قيود قانونية صارمة على حركة التجارة معها. في 2 ديسمبر 1979 اقتحم متظاهرون ليبيون مبنى السفارة الأمريكية ودمروا محتوياته. فقامت الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 1979، بأدراج ليبيا في قائمة الدول الراعية للإرهاب، استنادا إلى قانون المساعدات الخارجية وقانون ضبط صادرات الأسلحة وقانون إدارة التصدير، وطردت دبلوماسيين ليبيين من واشنطن. ومع تولى الرئيس ريغان الحكم(1980ـ1988) تصاعدت وتيرة المواجهة بين البلدين. أغلقت واشنطن سفارتها في طرابلس، نهائيا، العام1980. وفي مارس 1981 أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ألكسندر هيغ، بأن: "لديه أدلة دامغة على وجود معسكرات تدريب إرهابيين في ليبيا". وبعدها بنحو شهر أمر ريغان، أي في 6 مايو 1981، بإغلاق البعثة الليبية الدبلوماسية، وطرد موظفيها، بتهمة قيامهم بأعمال غير قانونية وغير دبلوماسية، منها دعم الإرهاب، ومضايقة بعض المعارضين الليبيين المقيمين في الولايات المتحدة. في اكتوبر 1981 فرضت أمريكا حظرا تجاريا على بيع الطائرات المدنية، وقطع غيارها، لليبيا. وفي 6 ديسمبر 1981 أعلن الرئيس ريغان عن وجود أدلة دامغة تثبت تورط النظام الليبي في عملية إرسال "فرق اغتيال" لقتل مسؤولين كبار بالحكومة الأمريكية. وعليه أصدر أمرا لكل الأمريكيين العاملين في ليبيا، وهم حوالي شخص1500، بمغادرتها فورا. فاضطرت الشركات الأمريكية، العاملة هناك، إلى استبدال الموظفين الأمريكيين بأوروبيين وآسيويين. ثم ما لبثت أن علقت بعض الشركات أعمالها في ليبيا. في 2 مارس 1982أصدرت الإدارة الأمريكية قرارا بحظر استيراد النفط الليبي. وأصبغ الإعلام الأمريكي على العقيد الليبي لقب: "أخطر رجل في العالم". وقد كان الأخير سعيدا بهذا اللقب، حسبما أكدت لي مصادر مقربة منه. دون أن يمنعه ذلك من الشعور بالخوف على نظامه، بعدما ذهبت الإدارة الريغانية في عدائها له إلى حد التخطيط السري للإطاحة به، لا سيما بعدما أعلن ريغان رسميا موافقته على برنامج سري للتخلص من نظام القذافي. ولكي يظهر العقيد القذافي في صورة "قائد النصر والتحدي" كما أصبح يلقبه إعلامه، بتوجيه منه، أعلن، من على ظهر زورق حربي، اعتبار مياه خليج سرت مياها إقليمية حتى الخط 32 وسماه "خط الموت". فقامت البحرية الأمريكية، بعدها بأيام، بإغراق الزورق الليبي نفسه في خليج سرت، وقتل أربعين بحارا كانوا على متنه.
في 27 ديسمبر 1985 شنت مجموعة مسلحة تابعة لجماعة "أبو نضال" هجومين على مطاري روما وفينا، قُتل فيهما أكثر من 20 مدنيا، منهم 5 أمريكيين، وجُرح نحو 110 شخصا. فحملت أمريكا المسؤولية لليبيا، بحسبانها حاضنة وداعمة لمجموعة "أبو نضال". وبعدها بحوالي عشرة أيام، أي في 7 يناير 1986، أصدرت الولايات المتحدة قراراً بتجميد أرصدة ليبيا المالية في البنوك الأميركية (أكثر من مليار دولار). وتبع ذلك، بعد أسبوعين، إجراء البنتاغون مناورات عسكرية داخل المياه الإقليمية الليبية، قابلتها البحرية الليبية بمناوشات عن بعيد، ردت عليها القوات الأمريكية بقصف وتدمير بطاريات صواريخ من طراز سام أرض – جو، داخل الأراضي الليبية، وإغراق مجموعة زوارق حربية ليبية كانت قريبة من سفن الأسطول السادس. في 5 أبريل 1986 حدث انفجار ملهي لابيل في مدينة برلين، الذي أدى إلى مقتل وجرح العشرات، بينهم قتيلين وجرحى أمريكيين. اتهمت أمريكا ليبيا بتدبير الانفجار.(2)
وردا على تفجير ملهى لابيل شنت نحو مائة طائرة أمريكية، في 15 أبريل 1986، غارة على مدينتي طرابلس وبنغازي. استهدف القصف الأمريكي قواعد عسكرية، ومقرات للمخابرات الليبية، ومقر العقيد القذافي في معكسر باب العزيزية، بطرابلس. لكن جل ضحايا الغارة كانوا عشرات القتلى والجرحى من المدنيين الأبرياء، الذين داهمهم الموت الأمريكي وهم نيام. وقد روج الإعلام الليبي أن من بين الضحايا المدنيين ابنة القذافي بالتبني. والواقع أن ريغان لم يكن يستهدف قتل العقيد القذافي، وإنما تأديبه. كما لم تكن للقذافي ابنة بالتبني حتى تموت. والطفلة التي ظُهِّرت صورها كانت للاستخدام الدعائي. والأكثر من ذلك أن العقيد القذافي كان على علم بالغارة، حسب ما أبلغني مصدر موثوق، قابل القذافي، في مكتبه بمعسكر : باب العزيزية" بكرابلس. وقد عرف منه أنه يتوقع غارة أمريكية الليلة، وكان يتابع النشرات الجوية، في المحطات التلفزيونية، لمعرفة مناسبة الطقس للغارة الجوية المتوقعة. وتؤكد مصادر مقربة أن عائلته كانت بعيدة عن مدينة طرابلس. وأن جهات غربية أبلغت العقيد القذافي بأمر الغارة عند إقلاع الطائرات الأمريكية من القواعد البريطانية. ومن المعروف أن الرائد عبد السلام جلود، الرجل الثاني وقتها، ظهر بعد الغارة ليعلن في مؤتمر صحفي: "أن العقيد بخير ويقود الدفاع من مكان مجهول تحت الأرض. " رغم أن الغارة الأمريكية لم تدوم سوى دقائق معدودة. ولاحقا وبخ القذافي جلود على كشفه لوجوده تحت الأرض، لأنه، بذلك، أظهره في صورة الهارب الخائف، في نظر الليبيين، وهو المُعظَّم بلقب "قائد النصر والتحدي... عظيم الشأن... الصقر الأوحد". في5 مايو 1986، أثناء اجتماع للدول الصناعية السبع، طالب ريغان الزعماء "السبع الكبار" بشجب دور النظام الليبي في دعم الإرهاب، واتخاذ إجراءات عقابية ضد ليبيا، من نوع حظر تصدير الأسلحة إليها، وتقليص التمثيل الدلوماسي معها. وفي الوقت نفسه حددت الإدارة الأمريكية نهاية شهر يونيو 1986 لكي تترك بقية الشركات الأمريكية النفطية ليبيا بعد أن تصفي أعمالها نهائيا. في 21 ديسمبر 1988 سقطت طائرة البانام الأمريكية، بعد تفجيرها في الجو، فوق بلدة لوكربي الاسكتلتدنية. فقتل 259 شخصا، كانوا على متنها، وغالبيتهم من الأمريكيين. علاوة على مقتل 11 آخرين على الأرض. وعلى الفور تداولت وسائل الإعلام الغربية معلومات متباينة توزع الاتهامات ما بين ليبيا وإيران والجبهة الشعبيةـالقيادة العامة. وبعد حوالي ثلاثة سنوات من التحقيقات الشائكة أصدرت أمريكا وبريطانيا وفرنسا بيانا مشتركا، في 14 نوفمبر 1991، يُحمِّل المخابرات الليبية مسؤولية تفجير الطائرة الأمريكية، ويطالب الحكومة الليبية بتسليم المشتبه فيهم للقضاء البريطاني أو الأمريكي. رفضت ليبيا تسليم المشتبه فيهم. فلجأت الدول الثلاث إلى الأمم المتحدة. وأستصدرت، في 13 مارس 1992، قرارا دوليا، من مجلس الأمن، رقمه 748، يفرض حظرا جويا على ليبيا، ويمنع بيعها أي نوعا من الأسلحة، حتى تقوم بالامتثال لما يطلبه القرار الدولي منها. أي إلتزامها التام بوقف الأعمال الإرهابية وكافة أشكال دعم المجموعات الإرهابية، والبرهنة بخطوات عملية على نبذ الإرهاب.. رفضت ليبيا الامتثال للقرار. فأصدر مجلس الأمن، في الأول من نوفمبر 1993، القرار رقم 883، الذي قضى بحظر بيع المعدات والآلات البترولية إلى ليبيا، وتجميد كل أرصدتها المالية بالخارج، ويطالبها بتسليم المتهمين للقضاء الإنجليزي. ومن جهته أصدر الكونغرس الأمريكي، في العام 1996، تشريعا يُجيز لعائلات ضحايا الأمريكيين في حادث لوكربي مقاضاة ليبيا أمام المحاكم الأمريكية. في 19 أكتوبر 1997عرضت ليبيا تقديم تعويضات مالية لأقارب الضحايا، الذين رفضوا العرض الليبي وقتها. وأصروا على ضرورة محاكمة المشتبه فيهم. وقد قبلت أمريكا وبريطانيا، في أغسطس 1998، بإقتراح تسليم المتهمين الليبيين، وهما عبد الباسط المقرحي والأمين فحيمة، إلى هولندا، على أن يحاكما أمام قضاة اسكتلنديين فوق الأراضي الهولندية. وهنا تدخلت الوساطة السعودية، في شخص الأمير بندر بن سلطان، والجنوب أفريقية، في شخص الرئيس نلسون مانديل، وما يمثله من تأثير عالمي كبير. وقد أسفرت الوساطة عن قيام النظام الليبي، في 5 أبريل 1999 بتسليم الليبيين عبد الباسط المقرحي والأمين فحيمة، المتهمين بتفجير طائرة ‏البانام. كان العقيد القذافي يأمل بان تُقابل الخطوة الليبية بانفتاح أمريكي وبريطاني على نظامه. لكن الدولتين كانتا تنتظران المزيد من العقيد، الذي حاول أن يبدي اهتماما اقتصادا زايدا بإيطاليا على حساب بقية أوروبا من باب التهديد، لا سيما وأن الشركات الإيطالية قامت بخرق قوانين الحظر الأوروبية.إلا أن الأمريكيين كانوا يدركون أن الهدف النهائي هو إرضاءهم وأن غنيمتهم النفطية محفوظة، بحسبانها مهر العروس الغالية، يوم عودة العلاقات الأمريكية الدبلوماسية.
وبعد محاكمة طويلة، دامت عشرة أشهر، صدر حكم المحكمة، في 4 مارس 2001، قاضيا بتبرئة الأمين فحيمة، وإدانة المتهم عبد الباسط المقرحي، والحكم عليه بالسجن المؤبد. كان رد القذافي على حكم المحكمة على طريقة القذافي، الذي عقد مؤتمرا صحفيا وأعلن أن لديه أدلة تثبت براءة عبد الباسط المقرحي. وأنه سيعلن عنها في الأيام القادمة، مخيرا القضاة الاسكتلنديين الثلاثة بين ثلاثة خيارات لا رابع لها، حسب قوله، وهي الاستقالة أو البوح بالحقيقة أو الانتحار. لكنه لم يعلن عن شيئ!!
وعندما سئل هل سيوافق على دفع تعويضات لأسر ضحايا لوكربي. رد بثقة بأن الذي يجب أن يعوض هو الشعب الليبي الذي كان ضحية هجوم أمريكي عام 1986. لكنه ما لبث أن اعترف بمسؤولية نظامه المدنية عن الحادثة، وقبل بدفع تعويضات مالية خرافية لأسر الضحايا، بلغت مليارين وسبعمائة مليون دولار. ومنذاك انطلقت الاتصالات الأمريكية والأوروبية بنظام القذافي. وفتش هنا عن التنافس على النفط. توافد بلير وشيراك وأزنار على خيمة العقيد.
ومع وصول جورج بوش الثاني إلى سدة حكم البيت الأبيض، في يناير 2001، مع فريقه اليمني المتشدد، سرعّ القذافي من وتيرة طلب الرضا الأمريكي بأي ثمن. بدأ بدفع الدفعة الأولى من مبلغ مليارين وسبعمائة مليون دولار تعويضا لأهالى ضحايا حادثة لوكربي. ولوح باغراءات استثمارية لشركات النفط الأمريكية، التي ضغطت بدورها على الإدارة البوشية، التي هي عبارة عن كارتل نفطي في الأساس، من أجل إزالة العوائق أمام عودتها للعمل في الحقول الليبية.
في 11 سبتمبر 2001 شاهد العقيد القذافي، مع غيره من سكان الأرض، انهيار البرجين التوأمين. فتملكه الخوف من أن يكون في قائمة أهداف الانتقام الأمريكي القادم. فكان من أوائل من أدان الهجمات، ودعا الليبيين إلى التبرع بدمائهم للضحايا الأمريكيين. وأعتبر أن لليبيا وأمريكا مصلحة مشتركة في محاربة"التطرف الإسلامي". وتفاخر عدة مرات في تصريحاته للخارج بأن ليبيا كانت أول دولة تصدر مذكرة قبض عن طريق الانتربول (البوليس الدولي) ‏بخصوص أسامة بن لادن بتهمة دعم القاعدة لـ"متطرفين" إسلاميين في ليبيا. ثم، بعدما رأى صدام يُخرج من الحفرة، إزداد هلعه. وهو ما تكشف برقية سرية أُفرج عنها حديثا ـ حصريا لمجلة تايم ، التي نشرت أهم ما ورد فيها(العدد 11 أبريل 2006). ومنها أنه: " بينما كانت النيران لا تزال تشتعل في بقايا المركز التجاري والبنتاجون وحقل بينسيلفينيا، لم يكن الأمريكيون وحدهم الذي يتساءلون عما إذا كانوا سيضربون مرة أخرى، يبدو أن حاكم ليبيا القوي كان يطرح على نفسه وبقلق، ذات السؤال.
القذافي الذي كان وراء عملية تفجير طائرة البانام فوق لوكربي التي قتل فيها 270 وأيضا انفجار ملهى لا بيل في برلين وانتهى بمقتل ثلاثة ضحايا، كان في حالة رعب هيستيرية خوفا من استهدافه من قبل الولايات المتحدة وعلى سبيل الثأر من أسوأ هجوم إرهابي على الأرض الأمريكية، المعلومة طبقا لبرقية سرية مرسلة من السفارة الأمريكية بالقاهرة تم الإفراج عنها مؤخرا.
الخوف كان أ ن تقوم أمريكا بضرب ليبيا من جديد (....) لذلك أخذ يخاطب هاتفيا كل رئيس عربي رقمه موجود عنده مطالبا بعقد مؤتمر قمة عربية وفقا لما صرح به دبلوماسيون أمريكيون من مصادر تم مسح أسمائها (....) القذافي كان قلقا جدا لأنه لا يتوفر لديه سبيل اتصال مع الحكومة الأمريكية إلا عن طريق خطبه المباشرة على الهواء، كان صوت القذافي على الهاتف يبدو وهو في حالة هيستيريا خصوصا في مكالمته مع الملك عبد الله في الأردن كما ولو كان هذا الملك في مقدرته الشخصية منع الإجراء الأمريكي" (3)
ومن هنا قرر العقيد القذافي انتهاج استراتيجية "الاستسلام الوقائي" للإرادة الأمريكية. القرار الذي بدأ التفكير فيه، فعليا، عندما رأى التحشد الكبير للقوات الأمريكية، على الأراضي الكويتية، استعدادا لغزو العراق وإسقاط نظام صدام. فقام، حسب الصحافية الأمريكية المشهورة، جوديت ميللر، بالاتصال برئيس الوزراء الإيطالي، بيرلوسكوني، الذي تربطه به علاقات بزنس خاصة، طالبا منه التوسط له عند بوش الصغير،قائلا: "بلغهم أننى سأفعل كل ما يطلبون". (4)
كان القذافي خائفا بشدة من أن يكون إسقاط نظامه هو الهدف التالي لبوش الثاني. وبناء على رغبة العقيد القذافي الملحة في التفاهم مع أمريكا وبريطانيا حول المطلوب منها، بدأت منذ أواخر العام 2001 محادثات مباشرة بين ممثلين عن ليبيا وأمريكا وبريطانيا، لتحديد المطلوب من ليبيا بخصوص امتثالها لمتطلبات التخلي عن الإرهاب وتقديم الضمانات الملزمة. ومنها إعلانها في رسالة رسمية، موجهة إلى مجلس الأمن، في 15 أغسطس 2003، عن التزامها التام بـ: "عدم الانخراط في، أو محاولة، أو المشاركة بأي طريقة من الطرق في تنظيم أو تمويل أو التكليف بأعمال إرهابية أو بالتحريض على التكليف بارتكاب أعمال إرهابية أو دعمها بشكل مباشر أو غير مباشر.. " ثم أعلنت (ليبيا)، في 19 ديسمبر العام 2003، بعد محادثات أمنية سرية، مع ممثلين أمنيين أمريكيين وبريطانيين، تخليها عن برامجها الخاصة بتطوير أسلحة للدمار الشامل، وما يتصل بها من أنظمة صاروخية.
ومنذ ذلك الوقت اتخذت الإدارة الأمريكية قرارا سياسيا بالحفاظ على نظام القذافي. والسكوت عما يفعله ضد شعبه مقابل الأرباح السياسية والأمنية والاستراتيجية التي يوفرها لأمريكا. فليس مطلوبا ـأمريكياـ من ليبيا أن تكون نموذجا للديموقراطية، وإنما طرفا إيجابيا في حربها على ما تسميه إرهابا. وذلك ما قال به الناطق باسم البنتاغون، الذي أوضح بأن تحسين العلاقات مع ليبيا سيجعلها تنضم إلى برنامج موجه لتواجد القاعدة في المنطقة والذي يضم الآن ‏تسع دول أخرى ومخصص له أكثر من نصف مليار دولار. لقد كشفت الوثائق، التي سلمتها ليبيا إلى أمريكا، شبكة تجارة الأسلحة النووية المحظورة، أو ما عُرف بـ"شبكة خان" المنسوبة إلى العالم النووي الباكستاني عبد القادر خان، المتهم بأنه وراء تصدير التقنية النووية المحظورة إلى دول إسلامية. كما تحولت المطارات الليبية إلى مهابط آمنة لطائرات السي آي أيه، التي تنقل المعتقلين "الارهابيين" ما بين المعتقلات السرية المنتشرة في العالم: أوروبا، أسيا، الشرق الأوسط. علاوة على تقديم نظام القذافي لكل ما لديه من معلومات عن المنظمات العنفية، التي كان يدعمها، من القطب إلى القطب. مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي، ومنظمة أيتا الباسكية، والجماعات الإسلامية المقاتلة في فليبين وأندونسيا، وغيرها.
وفي الوقت تتخذ، فيه، تصريحات الإدارة الأمريكية، ومواقفها، طابعا تصعيديا، متواصل، في إدانتها لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا وإيران، نجدها خافتة جدا بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديموقراطية في ليبيا. تندرج في مطالب دبلوماسية مهذبة وخجولة. فعلى سبيل المثال طلب بوش من القذافي إطلاق سراح ابرز دعاة الديموقراطية في ليبيا، المهندس فتحي الجهمي، المعتقل بسبب آرائه السياسية، منذ 2002. وعلى الفور قام القذافي بالامتثال لطلب بوش، الذي استغل الأمر، كي يظهر، إعلاميا، بمظهر الحامي الكوني الأكبر لحقوق الإنسان في العالم. لكنه على عادة زلات لسانه أخطأ في تحديد جنس الجهمي. فبمناسبة الاحتفال بالأسبوع العالمي للمرأة، ألقى الرئيس بوش كلمة في البيت الأبيض، يوم 14 مارس 2004، أشاد، فيها، بالنساء الإصلاحيات على مستوى العالم، وذكر، إلى جانب سان سو كيي، داعية الديموقراطية، في ميانمار، والحاصلة على جائزة نوبل للسلام، فتحي الجمهي على أنه امرأة، قائلا: "في وقت سابق اليوم أطلقت الحكومة الليبية سراح فتحي الجهمي, وهي مسؤولة حكومية سجنت في عام 2002 لنشاطها في الدعوة إلى حرية التعبير والديمقراطية.."
والمشكلة ليس في زلة لسان بوش، إنما في تهاوي مصداقيته بشأن الدفاع عن حقوق الإنسان. فبعدما أطلق القذافي سراح فتحي الجهمي ، عاد، بعد أقل من أسبوعين، واعتقله، فسكت الحامي الكوني عن التصريح المباح. كما سكتت إدارته عن جريمة القتل العشوائي التي ارتكبتها قوات الأمن الليبية، عندما فتحت النار على تظاهرة سلمية في مدينة بنغازي يوم 17 نوفمبر 2006، فسقط عشرات القتلى والجرحى، واعتقل المئات.
إن بوش وإدارته لا يجدون راحة إلا في تصديق قول سيف الإسلام، ابن العقيد الليبي، وخليفته تحت الإعداد، الذي يرى: " كون ليبيا دولة عربية يعني أنها أكثر مهارة من الدول الغربية في اختراق ‏المجموعات المتطرفة التي كانت وراء العديد من أعمال العنف في المدة الأخيرة، وتوجد خلايا ‏مرتبطة تنظيميا وإيديولوجيا بالتطرف الإسلامي ويشكل هذا مصلحة مشتركة لنا مع الغرب ‏لإيقافهم. "‏ويفتخر بأن أجهزة نظام أبيه الأمنية تملك معلومات استخباراتية تفصيلية عن العناصر الإسلامية الجهادية الليبية في أفغانستان وأوروبا. وكذلك عن العناصر الجهادية في الصحراء المشتركة مع الجزائر وتشاد والنيجر..
كان العقيد القذافي يريد أن يثبت للأمريكيين أنه ليس مجرد ضخاخ نفط، وإنما يمكن له أن يلعب أدوارا سياسية وأمنية أهم. ولإثبات ذلك تبرع بمطاردة شبكة القاعدة في صحراء شمال أفريقيا. وقام بتسليم أصوليين جهاديين إلى دول عربية حليفة لأمريكا. وزود المخابرات الأمريكية بمعلومات خاصة عن ليبيين مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة. ووفر للمخابرات الأمريكية سجون سرية في ليبيا لنقل من تريد استجوابه وتعذيبه، كما هو الأمر في غيرها من السجون العربية الأخرى، التي كشفت عنها وسائل الإعلام الغربية. ومن جهتها ‏سمحت أمريكا لرجال مخابرات ليبيين باستجواب المعتقلين الليبيين في "غوانتانامو". ومقابل الخدمات الليبية، قامت السلطات الأمريكية بتسليم طرابلس الغرب بعض الليبيين الذين وقعوا في أسر قواتها أثناء غزوها لأفغانستان. والعقيد القذافي يريد، من وراء إقحام نفسه ونظامه في حكاية حرب أمريكا على "الإرهاب"، إدراج قمعه للمعارضة الليبية، على أنه عمل مشروع في سياق "محاربة الإرهاب". ويريد، ثانيا، اكتساب شرعية أمريكية لنظامه والمساعدة على ترسيخه واستمراره في خليفته(ابنه) سيف. وأمريكا، من جهتها، ترى في العقيد الليبي أداة فعّالة في ضرب الجهاديين الإسلاميين. ويأتي رهان الإدارة الأمريكية على نظام القذافي، نزول، بالدرجة الأولى، عند ضغوط لوبي الكارتل النفطي، خارج الإدارة(شركات نفطية ورجال كونغرس) وداخلها(الرئيس ونائبه ووزيرة خارجيته) علاوة على اللوبي اليهودي الصهيوني(لانتوس)، المنادي بقوة بتوثيق العلاقة الأمريكية السياسية بنظام "الأخ العقيد"، مراهنا على وعود الأب والأبن، بإقامة علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، وتعويض يهود ليبيا. وفي هذا السبيل أجرى سيف الإسلام القذافي سلسلة اتصالات سرية مع مسؤولين إسرائيليين، سياسيين وأمنيين. كما تحدثت الصحف العبرية عن علاقة غرامية تربط سيف الإسلام بمغنية وممثلة إسرائيلية يهودية معروفة، تدعى اورلي فاينرمان.
العلاقات الأمريكية ـ الليبية لا تزال، حتى كتابة هذا التقرير، تدور عند مستو منخفض دبلوماسيا، بينما تنشط بقوة، أمنيا. يشرف عليها من الطرف الليبي موسى كوسه، الذراع الأمنية اليمنى للقذافي، سيما بعد حرق أوراق عبد الله السنوسي، المطلوب للعدالة الفرنسية. علاوة على إصابته بالسرطان، كما يُشاع. لقد قاد "كوسه" عملية التعاون مع الإدارة الأمريكية في قضايا الإرهاب والأمن، وإبرام اتفاق ثنائي، وافقت بموجبه السي آي أيه على تدريب ‏رجالات كوسة من عناصر الأمن الليبية على "مكافحة الإرهاب".
إن "كوسه" رجل القذافي عند الأمريكيين، كان ممنوعا من الدخول إلى الولايات، وبريطانيا، لأنه مشتبه به في قضايا إرهابية خارجية، منها عملية لوكربي، ومؤامرة اغتيال ملك السعودية الحالي عندما كان وليا للعهد. وقد طرد "كوسه" من بريطانيا أثناء عمله في السفارة الليبية بلندن، بعد تصريحه في مقابلة إعلامية بأنه يؤيد التصفية الجسدية للمعارضين الليبيين في الخارج، وذلك تعليقا على اغتيال المخابرات الليبية لمعارضين ليبيين مقمين في بريطانيا. لكنه ها هو اليوم يُستقبل بحفاوة في لندن، ويقوم بزيارات سرية متعددة إلى واشنطن، واثقا من أهمية ما يقدمه للأمريكيين من معلومات، حتى أنه: " يتفاخر أمام الزوار الأجانب بأن إدارته تراقب ‏الإسلاميين عن كثب إلى درجة أنه يعرف اسم كل ملتحي في ليبيا". إنها المصلحة، كما قال "جوزيف كانيستيرو" الضابط السابق في السي آي أيه، في حديث لصحيفة لوس أنجلس الأمريكية بتاريخ 4 /9 /2005: "‏ لقد صررت أسناني عندما ‏سمعت عن المحادثات مع السيد موسى كوسة المتورط في تفجير لوكربي الذي قتل العديد من ‏الأمريكيين، ولكن هذه هي سياسة المصلحة العملية التي تحتاجها في أعمال الاستخبارات، فأنت ‏تضطر أحيانا للتعامل مع أناس أيديهم ملوثة بالدماء"‏. ويصفه عضو الكونغرس الجمهوري، اليهودي الصهيوني، توم لانتوس: "إنه بالغ الذكاء ولديه المعلومات اللازمة بصورة جيدة، متكلف، محنك ومن المناصرين الأقوياء ‏لعلاقات ممتازة مع الولايات المتحدة، بالطبع لدي بعض التحفظات في التعامل مع أشخاص حتى ‏إن كانوا أقل سوءا منه، ولكنني أعتبره عنصرا ثمينا في عملية بناء علاقات مع دولة مارقة ‏سابقا. " ولانتوس الذي يقول هذا الكلام رئيس مشارك لمنظومة حقوق الإنسان بالكونجرس الأمريكي. وويدرك أن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2005، يصف السيد موسى كوسه بصفته أحد كبار المسؤولين المباشرين على "جهاز أمني واسع جدا" يشرف على نظام رقابي صارم وبالغ الانتشار والتداخل. وهو بهذه الصفة مسؤول عن آلاف المعتقلين لأسباب سياسية، وبقاءهم في السجون والمعتقلات دون توجيه تهم لهم أو محاكمتهم بمعايير المحاكم العادلة، ومنهم من مات تحت التعذيب، أو في عمليات إعدام خارج القانون. علاوة على تعذيبهم بأشكال سادية متنوعة، مثل الضرب والصدمات الكهربائية وعصر الليمون الطازج على الجروح المفتوحة ‏وكسر الأصابع والسماح لعظام المفاصل بالالتئام بدون عناية طبية أو جبر والخنق بأكياس ‏البلاستيك والشنق من المعاصم. (5)
وعلى هذه الخلفية الأمنية النافذة، وبسبب قربه الشديد من العقيد القذافي، صار كوسة ممثل سيده الفعلي عند الأمريكيين. فقد تفاوض مع ويليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، أثناء زيارته لليبيا، في أكتوبر 2001.وتفاوض مع الأمريكيين بشأن التخلي عن البرنامج النووي. واشرف على تسليم السي آي أيه ما وزنه أكثر من سبعة وعشرين طن من المعدات النووية، وملفات الوثائق الضخمة، التي تحتوي على أسماء الموردين للمعدات النووية المحظورة. وأسماء الشركات الوهمية ووسائل النقل، التي أُستخدمت لهذا الغرض. وهي المعلومات التي ساعدت المخابرات المركزية الأمريكية في كشف شبكة واسعة للمتاجرة السوداء، وأدت إلى إغلاق أهم منافذها، في ماليزيا ودولة الإمارات. كما استعانت السي آي أيه برجال "موسى كوسة" لاستجواب معتقلين ليبيين في غوانتانامو، حسب ما صرح به المحامي الأمريكي، كليف ستافور سميث، الذي يقوم بالدفاع عن 38 معتقلا.‏
والحال أنه قبل أن تشطب الولايات المتحدة الأمريكية اسم ليبيا من قائمة "الدول الراعية للإرهاب"، وتقرر إعادة العلاقات الدبلوماسية معها حسب إعلان كوندليزا رايس، فإن جماهيرية القذافي بذلت جهود ذاتية خاصة في تحسين صورتها في نظر الحكومة الأمريكية والرأي العام الأمريكي. فمنذ أن قررت تسليم المتهمين في قضية لوكربي، استأجرت شركة علاقة عامة أمريكية مختصة في تبيض الصورة السوداء للأشخاص والأنظمة. أوصت الشركة الدعائية بالتلبية الفورية للمطالب"الدولية"، وتبديل صورة القذافي ونظامه الإرهابي إلى صورة القائد المحب للسلام، وصاحب جائزة القذافي للسلام، وحلال مشاكل الاحتراب في أفريقيا، بحيث أصبحت أحد تسمياته المحببة إليه في الإعلام الليبي الرسمي: "الأخ القائد، مطفيء النيران في القرن الأفريقي، ومنطقة البحيرات الكبرى... "كما أوصت الشركة الدعائية بضرورة أن يقدم العقيد نفسه في صورة مسالمة تجاه إسرائيل واليهود، لنقض صورته القوموية القديمة المتصفة بالعداء لإسرائل. ومن هنا جاء إقتراحه لـ: "دولة إسراطين"، الذي ليس سوى تخريجة قذافية لفكرة الدولة ثنائية القومية، التي طرحها فلسطينيون ويهود منذ أربعينات القرن الفائت. وغرضه، من وراء طرحها، التمهيد لإجراء اتصالات علنية مع إسرائيل. وليس إلا مقدمات كون أبرز زواره المداومين رئيس الجالية اليهودية الليبية، في أوروبا، المدعو رفائيل الفلاح، وإليه لانتوس، الذي زار ليبيا عديد المرات. وهو لا ينكر أنه ابلغ الإسرائيليين، كما أبلغ الأمريكيين، بأن عقيد ليبيا مستعد للاعتراف بإسرائيل وإقامة تمثيل دبلوماسي معها، مقابل رفع العقوبات عن نظامه، وشطب جماهيرته من قائمة الإرهاب، وإعادة العلاقات الدبلوماسية.
في 17 سبتمبر2005، التقت وزيرة الخارجية كوندليزا رايس وزير خارجية القذافي، عبد الرحمن شلقم، على هامش اجتماعات الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة. وقرأ شلقم، بحضورها، في مؤتمر صحفي، بيان إلتزام ليبيا بنبذ الإرهاب، والتعاون الكامل في استراتيجية: "الحرب على الإرهاب".بعد ذلك بأيام، أي في 28 سبتمبر 2005، قرر الرئيس بوش السماح للشركات الأمريكية ببيع الطائرات المدنية ومستلزماته.
ومن جهته قام نظام القذافي بتهيئة الظروف المناسبة لعودة الشركات الأمريكية. فبدأ بالتخلي، عمليا، عن تطبيق أفكاره الاقتصادية الاشتراكية. والشروع في قلب الاقتصاد الليبي رأسا على عقب. من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد رأسمالي، تناسب قوانينه الاقتصادية والمالية مصالح الشركات الأمريكية. ولهذا السبب جرى استقدام الخبير الاقتصادي الليبي شكري غانم من النمسا، ليكون رئيسا للوزراء، يشرف على تفكيك وإعادة تركيب هيكلية الاقتصاد الليبي، قوانين ومؤسسات، وفقا لمنهج الخوصصة. ولم يكتف النظام بذلك، بل وصل هوسه بالتغيير، إلى درجة دفع 15 مليون دولار لخبير اقتصادي أمريكي هو مايكل بورتر، لمجرد سمعته على السماع، كونه كان مستشارا اقتصاديا للرئيس رونالد ريغان، الأب الروحي لفكرة علاج الاقتصاد بالصدمة. في الوقت الذي لم يكن الاقتصاد الليبي، النفطي في الأساس، بحاجة لأي صدمة، وإنما إلى حسن تدبير بسيط كفيل بجعل كل الليبيين يعيشون في بحبوحة. مع ذلك قدم السيد مايكل بورتر ما يفترض فيها دراسة، ضخّمها لدواعي استحقاق المبلغ، في حجم 200 صفحة. كان يمكن لأي خبير اقتصادي ليبي أن يقدم أفضل منها. لكن السيد بورتر تفوق فقط من حيث حريته في القول أن حجم التغيير الاقتصادي يتوقف على مدى التغيير السياسي. وقد قال قوله هذه في حضور نحو ألف شخص من أساتذة الجامعة والتكنوقراط وكبار الموظفين وأعضاء لجان ثورية. صمتوا جميعهم بمجرد الحديث عن ضرورة التغيير السياسي كشرط للتغيير الاقتصادي. لا سيما عندما قال: "ما يبعث على الإحباط هو وجود طبقة قيادة عليا تعرف بالحرس القديم تعرقل أي تغيير ‏مزمع.. ولكن تحسسنا وتأكدنا من وجود بركان على وشك الإنفجار تحت أقدام الليبيين الذي يتشوقون لدرجة ‏الموت الى رؤية بلادهم وهي تتقدم إلى الأمام وتصبح أكثر إنتاجية"‏. وهو يقصد، كما قال، إن النظام السياسي: "اختل وأصبح غير ذي جدوى ولا يؤدي وظيفته المفترضة... " إذ:"‏ يوجد التباس كبير جدا حول من له الصلاحية في اتخاذ القرار، وحول طبيعة العلاقة ‏بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والنتيجة: شلل كامل".‏
واستطرد يقول: ‏"تحدد الخطة الاقتصادية المعروضة، إلى جانب رؤية اقتصادية للمدى الطويل، ثمانية ‏أهداف يجب تحقيقها على المدى القصير. ومن ضمنها: تشكيل لجنة تنمية ‏اقتصادية لقطع الطريق للتخلص من المعوقات التي قد تعترض الأعمال الحرة وتكون بمثابة نقطة التقاء أساسية للمستثمرين".‏
ودون أن نهتم هل استحق مايكل بوتر الخمسة عشرة مليون أم لا لمجرد بعض الأفكار الصحفية الدراجة، فإن العقيد الليبي ليس مهتما بإصلاح الاقتصاد الليبي، الذي لا يحتاج إصلاحه لأي عبقرية، في وجود دخل نفطي هائل، يصل الآن إلى أكثر من خمسة ثلاثين مليار دولار سنويا. لكن هذه الثروات الهائلة مستنزفة بالتبديد على أوهام العقيد في أفريقيا. وبالنهب والسرقة من قبل عائلته وقبيلته ولجانه الثورية.
إن كل ما يريده العقيد هو تغييرات شكلية في التشريعات الاقتصادية تناسب استثمارات الشركات النفطية، مقابل أن يُترك في الحكم. أو بتعبير مدير معهد ستانفورد للسياسة العامة بجامعة ديوك الأمريكية:'لم تتخذ (أمريكا) هذا القرار؛ لأن القذافي أجرى بعض التغييرات شبه الكاملة، إننا مازلنا لا نحبه بشكل خاص. ولكنه يريد أن يبقى في الحكم, ويرغب في أن يقدم لنا شيئًا مهمًا؛ ولهذا أبرمنا معه هذه الصفقة".... وهكذا هذا العام، 2006، بعد سبعة وثلاثين عاما من "طز طز في أمريكا" ، قرر العقيد الجماهيري إلغاء أي مظهر من مظاهر الاحتفال بذكرى جلاء الأمريكيين عن ليبيا. وألغيت العطلة الرسمية بالمناسبة. وأُعتبر اليوم الذي يصادفها يوم عمل عادي. وحسب مصادر أخبارية مقربة من دائرة تنفيذ القرار، فإن الأمريكيين اشترطوا على القذافي وقف كافة الإشارات السلبية ضد الولايات المتحدة في وسائل الإعلام الليبية. وإزالة كافة اليافطات والشعارات المعادية لأمريكا بعدما غفرت أمريكا للقذافي ونظامه ما سلف من أعمال معادية لها.

falasha@libya-nclo.org
________________________

(1) أنظر الرابط :
http://www.nfsl-libya.com/Studies/5024-p.htm
(2) بعد سقوط حائط برلين، وتوحيد شطري ألمانيا، وفتح ملفات مخابرات ألمانيا الشرقية، ظهرت معلومات جديدة، بينت علاقة المخابرات الليبية بتفجير الملهي البرليني، وقادت إلى القبض على أحد رجال المخابرات الليبية، وأسمه صالح العتر، ومعه شركاء آخرين عرب وألمان. وقد تمت محاكمتهم أمام القضاء الألماني، وصدرت ضدهم أحكام سجن طويلة...
(3) أنظر الرابط :
http://www.justice4libya.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2328&Itemid=160
(4) أنظر الرابط :
http://www.libya-watanona.com/news/n2006/may/n19may6a.htm
(5) أنظر الرابط :
http://www.akhbar-libya.com/modules.php?name=News&file=article&sid=23050


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home