Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Saleh Buisier


Mohammed Buisier

Thursday, 3 May, 2007

وداعا.. نزيل رقم"اثنين"

محمد صالح بويصير

"انهض..
اسمك ؟
ـ محمد صا......
لم حاجاتك و تبعنى"
نفذت الامر ، لملمت اغراضى التى لم تكن اكثر من بطانية و كوب وطبق وملعقة ،ثم تبعت الظابط منتفخ الاوداج و الكرش"فرج الوحيشى" وثلته من جنودالانضباط عبر ممرات سجن "بن غشير" حتى وصلنا الى ساحة مثلثة يفتح عليها اثنا عشر بابا حديديا ، ستة على كل من ضلعى رأس المثلث ، فتح جندى الباب قبل الاخير ، ودفعنى فرج بمتاعى القليل الى داخل زنزانة كانت خلف الباب المغلق ، فهمت انه قسم للحبس الانفرادى وان فيه اثنى عشر زنزانة ، فرشت البطانية على الارض و جلست انتظر ماذا بعد ، ققد كانت الايام القليلة السابقة ، منذ احضرت الى المعتقل، مليئة بالعسف و الاهانة ، حيث كانت اوامر "العقيد" كما كان يكرر "فرج" ان يكسروا خشومنا.
سمعت هرجا فى الخارج ، وجدت فتحة فى الباب لا تسع الا عين واحدة ، استطلعت الامر ، فاذا بها عربة الغداء متوقفة عند باب الزنزانة الاولى و امامها "عبد العزيز الشلحى " الذى عرفته من الصور ، اخذ طعامه و دخل ، اغلقوا الباب و فتحوا باب الزنزانة الثانية ، خرج " عبد الحميد البكوش" اخذ طعامه و دخل ، بعد قليل وصلواالى الزنزانة قبل الاخيرة خرجت و اخذت طعامى و عدت للزنزانة كى يغلقوا الباب، ذهبوا الى "بيوض " فى الزنزانة الاخيرة ثم اختفوا من حيث اتوا.
سمعت من ينادى "يا حداش" "يا حداش.. اعظم الله اجرك فى الوالد" " كنت اود تعزيتكم ولكن سجنى منعنى عن ذلك".
عرفت اننى المقصود وان "حداش" هو رقم الزنزانة لذا اجبت"شكرا ،انت رقم كم ".
اجابنى "انا اثنين يا حداش و قد سمعت ،من الحرس، انك اعتقلت ولم اصدق فوالدك لم يمضى على استشهاده اكثر من اربعين يوما ،اما الان فقد عرفتك بالشبه".
عرفت ان محدثى هو "عبد الحميد البكوش" الذى لم اكن قد التقيته من قبل ..
و عبر فتحة الباب استمر "حداش" و"اثنين" يتحديان جدران و ابواب زنزانات السجن ،الذى بناه موسولينى، بالتواصل و الحديث بل و قراءة الشعر .
كنت قد وجدت بيت لرفيق حفره "عبد المولى دغمان"على جدار زنزانتى عندما زارها قبلى يقول" كنا نقول عن الطليان ظلام ... و كلنا فى فن الظلم طليان"، قرأته بصوت عال بعد "طريحه" بالفلقة اشعلت النار فى قدماى الما ،وفى جوفى غضبا ، فاذا بصوت عبد الحميد يعلوا بابيات فى حب الوطن يختمها بوعد اننا لابد ان نلتقى خارج هذا السجن رغما عن انف السجان .
غادرت الزنزانة و نقلت الى القسم المجاور ، كنا محرومين من التدخين كأجراء عقابى ، علم "عبد الحميد" بذلك ، صار يلف السجائر فى لفافة من الورق المفضض و يلقيها فى برميل القمامة الذى يكلفنا الحرس يوميا باخراجه من الزنازين ، كنا نغطس فى البرميل انا و "حسن الهونى"و"مختار الغول" نبحث عن لفافة السجائر بين الفضلات ، لازلت اذكر انها كانت من نوع "المنار" ، عندما نجدها نقسمها على الغرف ليتم تدخينها فى احتفاليات تقام بعد العشاء.
كان احيانا يلف معها قصاصة عليها ابيات جديدة من شعره ، بعدها خرج "عبد الحميد" من الزنزانة و صار فى قسم يجاورنا و صار اللقاء يوميا ،توطدت الصداقة ، وصرنا نناقش بصراحة مواضيع مثل الاستقلال و العهد الملكى ، السلطة الجديدة ، عبد الناصر ، العلاقة مع الغرب، الاشتراكية ، الماركسية ، الدولة الاسلامية ، لنكتشف ان الرجل على درجة عالية من الموضوعية ، وقدر اكبر من المعرفة ، كنا نستغرب بعض ارائه ولكننى افهم الان ان ذلك كان للتفاوت الكبير فى الثقافة والتجربة.
لقد رسخ لدى "عبدالحميد" مفهوم كان "صالح"يتحدث عنه كثيرا، وهو ان صفات الانسان اهم من ألآراءالتى يحملها ، فانت قد تختلف مع آراءشخص و لكنه يحمل صفات تجعلك ترغب فى العمل معه ،بينما قد تتفق مع آخر ولكن صفاته المنفرة تبعدك عنه. هكذا كان "عبد الحميد".. صاحب حضور و بريق و رقى يجعل الاختلاف الفكرى معه متعة تسعى لها ، الا اننا كنا نتفق على ان الطغيان و القمع لا يبررهما شىء ..حتى جر الناس الى الجنة بالسلاسل.
كما كان يفهم علاقة الناس بالسلطة فى بلادنا جيدا ، كان يلخصها فى قصة حدثت له "كنت كوزير وبعد ذلك رئيس وزراء اشترى مائة صندوق قازوزة لضيافة المهنئين فى العيد ،كانت تكفى بالكاد،قبيل اقالتى طلبت المائة صندوق للعيد ، اعلنت الاستقالة قبل العيد ، بقيت الصناديق ، بعضها بقى حتى سبتمبر 69"
خرجنا من السجن ، و سافرت الى القاهرة.. فاذا به يتصل لنلتقى فى بيته ، بادرنى" كيف حالك يا حداش" ..جلسنا نستعيد ذكرى تلك الايام ، تكررت لقاءاتنا ، كنا نختلف على اكثر مما نتفق ولكن من خلال حوار حضارى راق مبنى على الاحترام و الرغبة فى الفهم .
كان "عبد الحميد" صاحب ثقافة افقية عريضة، كما كان شاعرا مرهف الحس .
كان يعشق ليبيا ويضعها دائما فى صدارة موقفه من اى قضية ، فهو يرى العالم يتكور حولها، كان يقول"ان كيان ليبيا يمتد فى التاريخ الى ما قبل التأريخ" كان يرفض فكرة ذوبانها فى محيطها ولكنه كان فى نفس الوقت يرى مشاكل تخلفها بلا اوهام.
كان متحضرا فى كل شىء لا ينزلق فى صغائر المشاكل حنى عندما يحاولون فرضها عليه.
كما كان سياسيا نظيف اليد ، فرئيس وزراء ليبيا النفطية الذى كان دخله من المحاماة قبل ان يدخل الوزارة فى منتصف الستينات عشرة الاف جنيها شهريا كان يعيش فى تقشف واضح فى منفاه ، فهو لم يسرق المال العام.
كان وجها ليبيا مختلفا ، بمنطق آخر، ولغة متميزة ، و عقل تضطر لان تقف امامه كثيرا.
تلقيت مكالمة من مالطا لينقل لى صديقى المرحوم "ابوعيسى" "مراد البهلول" سفير فلسطين فى مالطا فيما بعد ، ان امين المكتب الشعبى الليبى حكى و هو سكران فى الهيلتون انه خطط مع شخص مالطى يدعى "كاكيا" لقتل "البكوش"، اتصلت بعبد الحميد و ابلغته ، كنت خارج مصر اتصلت باحد الرفاق فى "التجمع" للتأكيد على البلاغ، قفلت عائدا للقاهرة بسرعة و حذرت مكتب الرئيس، فوجئت عندما نشر المصريون صورته مضرجا بالدماء ، اتصلت غاضبا بمكتب الرئيس ،قلت لهم "لابد انكم قد بعتم الرجل" "سأتصل بالصحافة العالمية و ابلغهم انكم على علم مسبق بالموضوع"، طلبوا منى الهدوء ثم عادوا واتصلوا متأخرا و ابلغونى ان عبد الحميد"لم يمت" ، وبعد ان خرج فى المؤتمر الصحفى ذهبت اليه فى بيته و قلت له بلهجة اهل مصر "خضيتنا يا راجل"، وجلسنا نبحث فى كيف يمكن ان ترسل دولة فى القرن العشرين عصابات مأجورة لقتل مواطنيها ، ثم تبث على اعلامها الرسمى صور مواطنيها و هم مضرجين بالدماء باعتبار ذلك انتصار يوجب الاحتفال و الفخر.
ان محاولة اغتيال "عبد الحميد البكوش" هى مادة حية لكل من يقول ان التصفيات الجسدية كانت اجتهاد بعض المهووسين بعيدا عن التحريض المباشر لقيادتهم، الامر الذى يعود بنا الى ضرورة التاكيد على ان يعلن "العقيد القذافى " مسئوليته السياسية عن كل ما حدث ، الرقاب التى فتقت على المشانق ،المواطنون الذين صفوا، الارواح التى ازهقت فى غرف التعذيب ، السنين الطويلة التى قضاها الليبيون فى السجون ،العبث بمقدرات البلاد ، تبديد المال العام، و اخيرا اضاعة الفرصة فى بناء جمهورية حديثة .
فى ليلة وفاة الصديق "عبد الحميد البكوش" ، نقول :نحن مع الاصلاح ، الااننا نعلم انه يتعدى توزيع السيارات ، وشراء"كافى ماشين"لمدرسة فى طرابلس و اخرى فى بنغازى كما ابلغنى احد المسئولين باعتزاز ،انه منهج سياسى يبدأ بنبذ العنف تجاه الشعب الليبى بنفس الطريقة التى اعلن بها نبذه تجاه العالم الخارجى ،و اعلان العقيد القذافى تحمل المسئولية السياسية عن كل ما حدث ، وتدشينه و رعايته لحوار وطنى ،عبر اعلام حر ، يدشن لمرحلة جديدة نعوض فيها ما فات. وفى ليلة وفاة العزيز"عبد الحميد البكوش"، نذكر : ان التسويف لن يخمد النار كما ان الليبيين ليسوا سذجا ، وهم يفرزون الغث من السمين ، والصدق من الكذب ، كما يعرفون ان ليبيا وطنهم و ان ثرواتها هى ملكهم ، وانهم باقون طويلا على ارضها اطول كثيرا مما يطمح فى بقائه اى منا.
و فى ليلة وفاة الصديق "عبد الحميد البكوش" ، ننبه : ان بديل الاصلاح هو الانفجار ، وهو قادم ، ولن تقوى على مقاومته، لا اجهزة امن، و لامجحفلات،و لا مجوقلات،ولا لجان ثورية، ولا تهديدات بالعودة المستحيلة الى الزمن الماضى .
رحمك الله يا عبد الحميد ، ستبقى دائما فى ذاكرتنا مثقفا واعيا و سياسيا رصينا ،نظيف اليد ، عفيف اللسان ، وليمنح الله حرمكم المحترمة ونجلكم وليد وكريماتك الصبر ، وليمكننا من ان نوفيك حقك يا صديقى العزيز.

محمد صالح بويصير
بوسطن 2 مايو2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home