Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelbaset Abou-Mzaireeg
الكاتب الليبي عبدالباسط أبومزيريق


عبدالباسط أبومزيريق

Thursday, 8 February, 2007

لماذا الشعـر المحكي؟

عـبدالباسط أبومزيريق

اطلعت على ما كتبه صديقي العزيز محمد مليطان بتاريخ 26/ 1 / 2007م تحت عنوان (الدنقلي: شاعر وليس حاكيا).

وفي الوقت الذي أشكر فيه صديقي على هذا المقال الذي حاول من خلاله تسليط الضوء على شاعر كبير، علينا كليبيين أن نعتز به ونعمل على تقديمه والتعريف به في مختلف المحافل الأدبية والثقافية المحلية والعربية . فهو بحق من أهم الشعراء الليبيين على الساحة الأدبية هذه الأيام بما يكتبه من نصوص غاية في الروعة والجمال، نصوصا استطاع من خلالها أن يعطي لهجتنا مكانتها المرموقة ولثقافتنا زخما تحتجه هذه الأيام .

ولنقول بحق إن ليبيا ولاّدة وأن لدينا جيلا من الشباب بإمكانهم الوقوف جنبا إلى جنب مع صروح الثقافة العربية في مختلف فروع الأدب والثقافة .

تعرفت على محمد الدنقلي نهاية الثمانينات جمعنا حب المسرح فقدمنا معا العديد من الأعمال المسرحية . في تلك الفترة كان الدنقلي يكتب الشعر على استحياء ولا يقر بكونه شاعرا بل كان دائم القول إني مسرحي أعشق المسرح وأعمل فيه . ولما كان بيننا من ود وصداقة فقد أطلعني على نصوصه الشعرية فوجدت فيها شيئا يختلف عما هو موجود في الساحة من شعر شعبي وشعر غنائي .

أعجبني ما كتب قلت رأي بصراحة في جل أعماله التي عرضها علي ، أبديت بعض الملاحظات التي تقبلها مني بكل رحابة صدر .. شجعته على كتابة الشعر وقلت له إن ما تكتب شيء مختلف شيء تحتاجه ساحتنا الأدبية . نصوصه كانت مليئة بالصور الشعرية الأخاذة .. كلماته رقيقة عذبة تخاطب الوجدان . لكن أهم شيء لاحظته في نصوصه تلك هذا التزاوج الرائع بين كلمات فصحى مع أخرى من اللهجة الليبية بل ذهب الدنقلي أبعد من ذلك في نصوصه بمحاولته إحياء بعض الكلمات في لهجتنا الليبية والتي استطيع أن أقول إنها ماتت بعدم استخدامها وتداولها . كان شعر الدنقلي ثورة بحق . ثورة كنا بحاجة إليها زمن التسعينات .

شددت على يديه قدمته إلى الأصدقاء الكل تضافر مع هذا الأسمر النحيف، أقمنا له أمسية شعرية صحبة المرحوم الشاعر سليمان الترهوني استطاع الدنقلي خلالها أن يقدم نفسه لجمهور مدينة مصراتة وأن نعلن جميعا خلالها عن مولد شاعر لديه الكثير ليقوله .

تعاونا جميعا من أجل أن يخرج الديوان الأول لشاعر والذي اختار له عنوان نثار الليل وهو عنوان إحدى قصائد المجموعة . أذكر في تلك الأيام وبينما كنا قد أنهينا طباعة الديوان وإخراجه بمكتبي الكائن بمدينة مصراتة ، وبعد اختيار العنوان نُثار الليل ، ولما كان العنوان غريبا بعض الشيء كونه باللغة العربية الفصحى وبالتالي احتاج الديوان إلى تعريف إضافي إذ لا يمكننا الاكتفاء بالعنوان ، ولما كان القول بكون هذا الديوان شعبيا أو غنائيا هو في حقيقته إنقاص لما يحتويه هذا الديوان من نصوص فقد اقترحت أن يكتب تحت العنوان ( نصوص باللهجة المحكية ) حتى نستطيع أن نقدمه للقراء بشكل أفضل،أغلب الأصدقاء اعترضوا على العنوان كونه عنوان غير تجاري ولا يمكن أن يسوق الديوان بشكل جيد .

المهم أضفنا هذه العبارة تحت عنوان الديوان ( نثار الليل ) للتعريف به أولا ولكون الديوان يحتوي على شيء جديد مختلف جدير بالقراءة . أطلقت هذا العنوان وأن على يقين أن هذه النصوص ثورة حقيقية على ما عليه الشعر الشعبي والشعر الغنائي في تلك الأيام وأذكر أني قلت وقتها للدنقلي إن عليك واجبا مهما تجاه لهجتنا عليك أن تعمل وتثابر من أجل تطويرها ونموها وأعتقد أنه قد أجاد .

ولعل السؤال الآن لماذا المحكي ؟

صديقنا العزيز محمد مليطان يعترض وبشدة على العنوان ويرى أنه يقلل من قيمة شعر الدنقلي . ولست هنا في مقام الدفاع عن العنوان أو الرد على صديقي العزيز ولكن لتوضيح وجهة نظري أمام القراء ولهم أن يحكموا فإذ اقتنعوا بوجهة نظري واعتمدوا هذه التسمية قلنا على بركة الله ولتحيا مدرسة الشعر المحكي . وإن رأوا أنني كنت مخطئا فلنعمل جميعا على تصنيف هذه النوعية من النصوص باختيار الاسم المناسب لها.

وإن كنت أعتب على صديق العزيز كونه لم يقترح اسما بديلا يمكننا اختياره لهذه النوعية من النصوص وهو الذي يتفق معي على وجوب البحث عن اسم له باعتباره مولودا جديدا ينبغي تمييزه باسم خاص يطلق عليه ويعرف به .

اخترت هذا الاسم كما سبق وأشرت وفي ذهني الثورة التي يمكن أن يحدثها هذا النوع من النصوص لو قدمت وعرّف بها تعريفا صحيحا ؛ بما تحمله في ثناياها من تزاوج بين اللهحة واللغة وبالتالي ستكون هذه النصوص عاملا مهما في نمو لهجتنا وتطورها فكلنا يعلم أن اللغة كائن حي ينمو ويتطور ويموت أحيانا .

في نص ( نُثار الليل ) عنوان الديوان وفي غيره من النصوص مثال واضح لهذا التزاوج ، واعتذر للقارئ الكريم عدم تقديم أمثلة كثيرة لما أشارت ذلك أن نصوص الدنقلي ليست بين يدي خاصة تلك النصوص التي تضمنها ديوانه الأول باعتبار أن التسمية اختيرت لهذا الديوان لذا سأحاول استحضار الذاكرة والإشارة إلى بعض الأمثلة . ........ ومنها نص نثار الليل الذي يبدأ :

نُثار الليل ما تحجب علي قمر
وما أتواري شفق خمري
تجذل هاك خوذ الريح هفهافه
مربوحة معاها اسرح على اكتافه
وخليني انشوف أمري
بالك من سنا هالخد
يمكن ينطفى جمري
نُثار الليل

صورة جميلة يخاطب فيها الشاعر شعر المحبوبة والذي شبهه بقطع الليل المظلم لسواده يترجاه أن يتزحزح عن مكانه حتى يمكنه رؤية قمره أو وجه محبوبته كما سنرى عندما يقول بالك من سنا هالخد .

تجذل هاك خوذ الريح هفهافه : في هذا البيت يهب الشاعر الريح لهذا النُثار لعله يرضى بهذه الريح فيتزحزح تاركا مكانه على وجه المحبوبة ولا يكتفي بذلك بل يدعو له بالربح بقوله مربوحة وهي كلمة لها خصوصيتها في لهجتنا الليبية . معاها اسرح على اكتافه توضيح من الشاعر بأن المخاطب أو المعني بهذه الأبيات هو الشعر .

وخليني انشوف امري، بالك من سنا هالخد يمكن ينطفى جمري .

صورة شعرية جميلة غير مباشرة متسابكة رقيقة تشكل بنسيجها لوحة جميلة غير متداولة في نصوص الشعر الشعبي الليبي وحتى الغنائي ، فيها تزاوج واضح بين كلمات باللغة العربية الفصحى وأخرى باللهجة فنُثار االليل كلمة عربية الكثير منا لا يعرف معناها ( ما أتواري ) الموارة كلمة عربية غير متداولة في لهجتنا وقد استطاع الشاعر هنا أن يوظفها لتصبح مفردة من مفردات اللهجة بديلا عن كلمة ( ما اتدرق ) إضافة إلى ( شفق خمري ) ( السنا ) ، وبالمقابل هناك كلمات باللهجة الليبية تصطف جنبا إلى جنب مع هذه الكلمات مثل ( مربوحة ) ( هفهافه ) ، ( بالك ) وهي بمعنى لعل هنا ، ( خليني ).

الأمثلة كثيرة في ديوان الدنقلي منها نص ( تحفة ) ونص ( لحظات ) وغيرها الكثير .

من هنا كانت تسمية المحكي باعتبار ما يكون ، باعتبار ما نأمل أن تكون عليه لهجتنا مستقبلا بفضل مثل هذه النصوص والتي لا أشك في تأثيرها على تطور اللهجة وتطور الذائقة في نفس الوقت .

الحكي كلمة قد تكون متداولة بشكل أكبر في لهجة أهل الشام لكنها متداولة في لهجتنا الليبية بنفس المعنى أيضا فأحيانا نقول للشخص احكي بمعنى تكلم أو هدرز او أدوي ( احكيلي : قولي ) وليست بالضرورة تعبير عن الحكاية فشعر الدنقلي ليس عبارة عن حكاية والدنقلي ليس حاكيا كما أشار زميلي وصديق العزيز محمد مليطان .

أرجو أن أكون بهذه المقاربة قد أضفت شيئا ولكم تحيتي .

عـبدالباسط أبومزيريق
6.2.2007


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home