Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

السبت 30 أغسطس 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

إطلالة على نكبة سبتمبر (2)

2- الديموقراطية

بوزيد لهلالي

حدّثنا العقيد في يونيو هذا العام، وهو ذكرى ترك القوات الأمريكية لقاعدة الملاحة عن الديموقراطية فقال في خطابه المنفصم إنّ " مايسمى بمجلس النواب، الذين انتخبهم الشعب الليبي وتصارع السذج والبسطاء والطيّبون من أجل هذا المرشّح أو هذا المرشح هم الذين بعد الخائن العميل المدعو مصطفى بن حليم الذي كان رئيساً للحكومة الليبية في ذلك الوقت، صادقوا على ماوقعه المدعو العميل مصطفى بن حليم ووافقوا على هذه المعاهدة التى تمّ بمقتضاها احتلال ليبيا برّاً وبحراً وجوّاً بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية" انتهي الإقتباس.

خوف العقيد من الديموقراطية يظهر واضحاً وعارياً في خطابه. فمع علمه التام بأنّ ثلثي العالم اختار الديموقراطية، وجلّ من اختارها يعيش في نطاق العالم الحرّ، الذي لاتتـفق السذاجة وأسلوب حياته وتجربته إلا أنـّه وصف شعبه بالسذاجة. هذا الوصف لايخفي إلاّ قلقاً وتوجساً وخوفاً على كرسيه، نحن نعلم هذا، وربّما هو أيضاً يعلم أنّ مئة دولة انتقلت إلى بيت الديموقراطية الفسيح خلال الربع الأخير من القرن الماضي وهذا يعني أنّ رحيل كرسيه صار قاب قوسين أو أدنى. فلا حكم سيُبْنىَ على البطولات الخرافية وشراء ألقاب الأسر الحاكمة في القديم بحثاً عن الوجاهة.

نحن نتفهّم أنّ خوفه من الديموقراطية نابع من حبّه لنفسه فلا شيئ يهدّد الطغاة غير الديموقراطية، لكنـّنا لانشاركه هذا الخوف، لماذا نسمح لأنفسنا أن نخاف ونحن لانجلس على الكراسي. لماذا نسمح لعدواه أن تنتقل إلينا مادمنا قد أخترنا الموت واقـفين. الديموقراطية بالنسبة لنا هي الخيار، بل أكثر من خيار، هي حاجة ماسّة لايمكن التنازل عنها، فاستبدالها بالعيـش في ظل قطيـع مجهول الوجهة وراعٍ مجهول الهويّة هو الكارثة بعينها.

مجلس الأمة الذي سبَـبْـتـَه في خطبتك، لم يكن مصعّداً ولم يكن نوّابه يأتون إلى البرلمان بطرق الدفع بهم، كما هو الحال في مؤتمراتك المصطنعة، لكنـّه سلطة تشريعية بُنيت على الإختيار، إختيار الناس لنوّابهم. فالإنتخاب في الديموقراطيات لايقبل بالتصعيد والدفع، لكنـّه يقوم على العرض والإختياروالقبول، فالمرشّح يعرض نفسه على الناس والناس تختاره أو ترفضه. فهل في هذا خطأ ؟ أم أنّ ديموقراطية سبتمبر هي الصحيحة (عنز لو طارت!). لقد كان مجلس الأمة صوتاً للناس لكنـّه كان مولوداً صغيراً يتعلم المشي حافياً في بيئة وعرة،مليئة بالمطبّات. فقد حاولت الديموقراطية في عهد إدريس رحمه الله، شق طريقها بأقدام حافية، في مسالك وعرة، ملـَئـَها قطـّاع الطرق الذين يتحيّنون الفرصة لذبحها. ولهذا اُجهضت التجربة، ليس بفعل التمثيل، كما يزعم العقيد دائماً، حين يعتبر التمثيل تدجيل، ولكن بفعل ولادتها وسط بيئة فقيرة مادياً ومعنوياً، أي أنـّها ولدت في غير مكانها.

الديموقراطية، رغم كل ضروفها، كانت عاملة حتى عام 69. قبل أن يخرج لها العسكر، ويستولوا على السلطة. التصويت كان قائماً ولم يكن من نواقصها، بل على العكس، كان أحد مكمّلاتها، وأحد آلياتها الصحيحة. فالديموقراطية لاتشتغل إلاّ بنعم أو لا، قبول أو رفض بعد تشاور. ليس هناك طريق ثالث كالمؤتمرات هرج ومرج أو تصفيق وإلقاء قصائد غزل، لم يحدث أن فشل المجلس النيابي في ليبيا في تفعيل آلية التصويت على أي قرار يخصّ الشأن الليبي. فكل التصويتات أثبتت بأنّ مجلس الأمة كان يسير على الطريق الصحيح، وتجربته كانت تصبّ في مصلحة الوطن. مع هذا يجب القول بأنّ الديموقراطية تحتاج أيضاً لتفاعل القمة مع القاعدة، فصعود القاعدة إلى القمّة للمتابعة أمر مهم، لايتم إلا من خلال الحوار والحراك المدنيّ الذي تعثــّرت آليّته. فالحوار تغذيه الكلمة المكتوبة والمقروءة، والمسموعة، والشعب الليبي كان54. غارق في الأمية. كانت ليبيا هي أكثر الدول إصابة بآفة الفقر والأمية، وهذا بشهادة تقارير الأمم المتـّحدة. (الأميّة كانت أكثر من 90% ) لهذا تعثــّرت آليات الحراك المدني والسياسي، وتعطـّل جزء هام منها. فالحراك السياسي لايُتوقــّع قيامه ببطن جائعة ولسان أخرص، قطعه سكـّين الأميّة.

فبالرغم من وجود سقف معقول للحرّية في عهد المملكة، إلاّ أنّ الحرّية لم تفِ وحدها بأغراض الحراك السياسي والمدني للأمة. فالديموقراطية تحتاج إلى وعي سياسي يرقى بها إلى السقف المطلوب. هذا السقف يستحيل قيامه بأقل من عشرة بالمئة فقط من السكان. وهم من يقرأ ويكتب عام 54. هذا يعني أنّ أقـّل من عشرة في المئة من السكّان هم من بإمكانهم تفعيل الديموقراطية وقتها. وهذا ماجعل الإلتحام ضعيفاً بين القمّة والقاع.

وصلت الديموقراطية في عهد المملكة، لانقول لطريق مسدود، ولكن لضعف في الأداء. فقد كان حراكها المدني ضعيفاً لايمارس إلاّ من النخبة المتعلـّمة، التى كانت وللأسف، ينتمي أغلبها إلى أحزاب عقائدية لها امتداداتها الإقليميّة المؤثــّرة. صحيح أنّ الديموقراطية تحتاج في بداياتها إلى النخبة، لكنـّها لاتستـطيع الإستمرار بها، وإلاّ تصبح دكتاتورية نخبة، عاجزة على أن تطرح نفسها بشكل أفقيّ يجعل لها قاعدة شعبيّة عريضة على مستوى الجذور، تستطيع حملها. التجربة كانت في طور الخلق لكنـّها لم تخرج إلى طور النمو والرسوخ.

كانت البلاد أيضاً خارجة من حرب عالمية ضروس، أديرت رحاها بآلة حادّة فوق أراضيها. بالإضافة إلى تدافع أوضاع أخرى أكبر قوة من حجم البلاد وفاعليّتها. أوضاع دولية، محتاجة إلى إعادة ترتيب بعد الحرب الكونية الثانية. الدول الكبرى الـ "رابحة" في الحرب كانت تريد ترتيب بيتها ضمن خارطة تجيز لها اقتسام الترِكة السائبة. هيئة الأمم، التى كان يُنظر لها على أنـّها حامية للدول الصغيرة، كانت تشجّع الرعاية والوصاية على بعض الدول. الأمم الصغيرة التى انتزعت استقلالها بخطفة حظ، ومنها ليبيا، كانت فرِحة بما نالت، ومشغولة ببناء نفسها. ففي خضم هذه التناقضات كان من الصعب عليها وضع أرجلها على الطريق. ومع هذا فقد اختارت الديموقراطية نظاماً لها، وبنت دولتها الدستورية، تماهياً مع الكبار في ظل وضعٍ اقليميّ ودولي لايساعد على النهوض بهذه التجربة.

إذا كان المقياس الحقيقيّ لأي تجربة من حيث النجاح والفشل هو التراكم المعرفيّ فالتراكم المعرفي للتجربة السياسية الليبية، قبل الأنقلاب، لم يكن كافياً. التجربة لم تـنل حظـّها من الوقت كي تتراكم معرفيّـاً، فحتى انقضاء عهد إدريس، رحمه الله كانت في حاجة إلى مزيد من التراكم. لقد اصطدمت تجربة الديموقراطية في ليبيا الإستقلال، بوضع إقليميّ ودولى وداخلي اجهضها في مهدها. وقد عملت التجارب "الوطنية " الجانحة لدفعها إلى الوراء. أمّـا العسكر وخروجهم في جنح الليل لسرقة السلطة فهو ماقطـّع أوصالها وجعل البلاد تعيش سواداً قاتماً نتمنى أن ينجلي في أي لحظة.

بالمقابل، فإنّ التجربة القذافية المسماة ب " التجربة الشعبية" نالت أكثر من حظـّها في التراكم ومع هذا فشلت. التراكم السياسي والدعاية التى استثمرها القذافي لتجربته لم تتوفـّر لديموقراطية مابعد الإستقلال التى كانت أكثر أزدهاراً. تجربة القذافي مع كل ما اتيح لها لم تستطع التفاعل مع متطلـّبات الناس المتمثـّلة في الحرية والعدالة والعيش المطمئن. فرغم ماجُنـّد لها من مال لم تستطيع التأثير إنشاً واحداً في سطح القاعدة. ورغم كل ماقدّمته من مغريات لم تستطع أن تستقطب انصاراً لها إذا ماستثنينا بعض الإنتفاعيين والضالين والفاشيين. لقد صنعت لنفسها نخبة (لجان شعبية وثورية) اعتقدت بأنـّها ستغنيها عن القاعدة العريضة، فخرجت هذه "النخب"عن ثقافة الحلم الذي تتطلـّبه القيادة والريادة. كانت مجرّد ميليشيات غوغائية مفرّغة من الحس الوطني الذي بدونه لايتم النجاح لأي تجربة سياسيّة. الحسّ الوطني لاتصنعه المعسكرات العقائدية، ولا الخطب الرنـّانة ولا التعبئة الجماهيرية، لكنـّه يصنع بالإلتصاق بالتاريخ والإطمئنان للحرية وضمان الحقوق. لاننكر أنّ لجان القذافي استطاعت أن تحقق حلم العقيد في البقاء على كرسي السلطة لكنـّها لم تستطع أن تحقق حلمه في أن يبقى آمناً، فقد صار معزولاً خائفاً غير قادر على تسويق نفسه خارجيّاً وداخليّاً. فالرسوخ والثبات لايمكن أن يُكتـَب لشجرة خبيثة، أصلها فاشي وفروعها لاتتفق والطبيعة البشرية.

بوزيد لهلالي


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home