Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

الأحد، 29 يونيو 2008

نموت نموت ويحيا الوطن

بوزيد لهلالي

بيتٌ في نشيد، علـّق عليه أحد الأصدقاء بالقول، كيف يمكن أن يموت الإنسان ويحيا الوطن. فهل يبقى في الوطن غير التراب إذا ما مات الإنسان. لم يعجبني قول صديقي أول الأمر لكنيّ سمعت مرّة، وعلى لسان أحد أبطال الفيلم الذي كنـّا نشاهده معاً، عبارة شهيرة تقول "كيف أموت من أجل الحرية. ماهي الحرية إذا متّ ولم أمارسها". عرفت عندها أنّ صاحبي كان وجودياً. فمخرج الفيلم الفرنسي كان وجوديـّاً. (جان لوك جودارد). لم استغرب سماع العبارة من يومها. فمن يظنّ أن الوجود سابق للجوهر لا تتحقق له الحرية إلاّ بالوجود نفسه.

كنت أحرصُ على مشاهدة مؤتمرات القمة العربية، وكنت أراقب المشاركين فيها من خلال عين الكاميرا، عين المُشاهِد، مع أنّ الكاميرا ليست عين للمشاهد، لكنـّها عين للمخرج. فالمشاهد يريد أن يرى أكثر أحياناً ولا يستطيع. كان حرصي على المشاهدة من أجل دراسة لغة الجسم، حالة "الوجود" التى عليها أصحاب الفخامة، الملوك والرؤساء والمشايخ، ولا ننسى أصحاب السعادة، قادة الجماهيريات. كنت أدرس لغة أجسامهم كيف يجلسون ومتى يضحكون، وماهي ردّة أفعالهم، ومن هو بصحبتهم. فالقادة لا علاقة لنا بهم إلاّ من خلال الكاميرا. فهم لا يذهبون إلى سهريّاتنا ولا نقابلهم في أسواقنا ولا يتحدّثون معنا إلا من وراء حجاب.

بالطبع، نحن نتطفـّل على القادة من خلال النظر إليهم بعين الكاميرا المرئية، فهي ماينقلنا إليهم ويعرّفنا بهم. عدسة تليفزيون "قنفود" الجماهيرية، على سبيل المثال، لم يحدث وإن التقطت القايد وهو يشرب كوباً من الماء أو يمسح عرقه بقطعة من قماش. ربّما لأنّ المخرج بحسّه الأمني المفرط يظنّ أنّ الشرب والعرق نقص في الإنسان، وكأنّ الإنسان لا يشرب الماء ولايفرز العرق.

في قمة دمشق الأخيرة، كان القذافي يصطحب ابنه المعتصم معه، المعتصم بالله، الذي يرمز اسمه إلى أنّ ليبيا على أبواب الإستغاثة قريباً، وا معتصماه. اصطحب القائد رئيس المخابرات أيضاً، موسى كوسا، الذي شاهدناه من خلال الكاميرا يستمع لهمس المعتصم. وكأنّ الكاميرا تقول لنا أن ليبيا أصبحت همسة بين الأمن والوراثة.

القذافي يصطحب ابنه إلى قمة العرب في دمشق. عاصمة الدولة الأموية، لتشهد توريثاً جديداً في عصر الدولة الجماهيرية بعد أن شهدته في عصر الدولة الأموية. على من تخطر! قائد يكره التوريث ويثور عليه ويفخر بحبّه لعبدالناصر الذي لم يورّث جمهوريته العربية لأحد من أبناءه، يطلـّق الثورة ويعتنق التوريث. ماذا لو طرحنا على القائد موضوع الوراثة في عهد السبعينات هل سيقبل بسماعه. ما رأيك ياسيادة القايد في توريث الجماهيريات، وفي اقتسام التركة أو الكعكة بحضورك شخصياً.

القذافي ثار من أجل الشعب. عبارة دار حولها كثير من الجدل والنقاش، خاصة في حقبة السبعينات، حين التقى القائد بطلبة الجامعة، في صالة الألعاب، بالمدينة الرياضية، في بنغازي. طالب من كلية الآداب يصيح بأعلى صوته "إنّ الثورة تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان مارة بالإنسان". فالإنسان هو من يثور ولا يصحّ أن يثور أحد من أجله! فمثلما لايستطيع أحد أن يضحك بالنيابة عن أحد ولا يستطيع أحد أن يأكل بالنيابة عن أحد، ليس هناك من يثور من أجل أحد. القايد، أو العقيد، في ذلك الوقت، لم تعجبه هذه الفكرة. فهو من ثار من أجلنا جميعاً. كيف ننكر عليه خروجه من معسكر قاريونس إلى مبنى الإذاعة بهذه السهولة. زعلَ القايد إيما زعل، على نكران دوره في تلك الليلة. زعلَ وترَكَ لنا السلطة "فكّروا في شؤونكم بأنفسكم" قال بحدّة، "فكروا في مجاريكم وفي تعليمكم وصحّتكم. اتركوا لي الأمن والنفط وعلاقات الخارج. هذه مؤسسات سيادية لا يصحّ تسليمها للعبيد،" تـُرى ماذا كان ردّنا. "نموت، نموت، ويحيا الوطن".

بوزيد لهلالي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home