Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Tuesday, 28 November, 2006

إعلام الدولة الدكتاتورية

بوزيد لهلالي

التليفزيون نافذه صغيرة، يطل منها الناس على العالم، لكنـّه فى الدولة الدكتاتورية نافذه موجّهة، يطـّل منها الدكتاتور على بيوت الناس ليوبّخهم، ويفرض عليهم افكاره، ويعلـّمهم الكتاب والحكمة. فاتصاله بهم ذو اتجاه واحد، غير قابل للرّد عليه، تبثـّه وسيلة إعلام مسروقة، خطفت من بين أيدي الناس، فى أول يوم لقيام السلطة الدكتاتورية. الإعلام الدكتاتوريّ مسخّر لخدمة الدكتاتور، صاحب الحدث، وبطل العرض. فهو متفرّغ لهذا البطل الوهميّ بما يليق بمقامه. ينقل أخباره كاملة، ويقوم بتصوير مجالسه، ويتباهى كل يوم بمكالماته الهاتفية. فهو تابع للدولة، يعيش معها جنباً إلى جنب، في عزلة قاتلة، لاتمكنـّه من النظر الى مايحدث في الشارع. وهو مذبذب العطاء، يتراوح عطاءه بين نقل المعرفة الفاسدة، والعجز عن نقل أي معرفة تذكر. وسائله فاشلة على جميع الأصعدة، يرفض المهنية ويستنكف أن يكون أداة وطنية، تعوّل على خلق رأي عام مستنير.
وزارة الإعلام فى النظام الدكتاتوري، هي الإطار الإداري لوسائل الإعلام، فهي مؤسسة كسيحة، تقتل الإبداع وتحتكر الثقافة وتمسخ الفنون، وتوظـّف الفنان لأن يكون وسيلة للدعاية، يلعب أدواراً مرسومة له، ويلقي أشعاره على مسرح رسميّ يمجّد فيه الدكتاتور بآغانيَ رخيصة يقع الغزل فيها بين رجلين من قطيع الذكور، أحدهما حاكم والآخر محكوم.
تجهل مؤسسة الإعلام المهترئة، فى الدولة الدكتاتورية، مدى خطورة دورها على الثقافة، ومدى العبث الذي تتعامل به مع الفنون، فهي من يجعل من الثقافة خادماً للإعلام وهي من يساهم في قهر الآداب واختفاء حركة النقد، التي بدونها، لايمكن للمجتمع أن ينهض، فالمجتمع المغلق، يبقى آحادي النظرة، إتصاله من جانب واحد، تـُغتصب فيه الحقوق الفنيّة والأدبية ويُرخـّص فيه لوسائل الأعلام ببيع الأوهام وخداع الناس. يفشل طاقمه الإعلاميّ عن إحداث أي قفزة مهنيّة. فمجال عمله راكد، يدور في فلك سياسة تتكأ على عكاّز مكسور لاينهض بها على القيام لإحداث أية قفزة مهنيّة أو إداريّة.
الطاقم الفني، في تليفزيون الدولة الدكتاتورية، يتعامل مع الضرورات الأمنيّة، أكثر من تعامله مع الضرورات الفنية، فهو مسئول، وبشكل صارم، عن كل خطأ يتعلـّق بالحسّ الأمنيّ، وغير مسئول عن كل مايفعل من أخطاء فنيّة وأدبية. فالطاقم ترأسه لجنة مخابارتية، بقيادة مخبر من الأمن، يُجبر من خلالها على التعايش مع الخوف وفقدان الحس الفنيّ، فالطاقم يشتغل فى ظروف حرجة، وغير صحيّة، ليس لها علاقة بفنون الإتـّصال. الموظفون، في هذا الجهاز، معرّضون للحبس والتهديد كلما خرجوا سهواً عن الخطّ الأمنيّ المرسوم لهم. ولذا يبقى الطاقم مبعداً عن الخوض في غمار التجربة الإبداعية التى تحتاجها طبيعة عمله. فالرعب والإنغماس الدائم في عرض المواد البائتة، والفارغة من أي قيمة موضوعية أو إبداعية يجعل أداءه ميّتاً. كما يجعل الطاقم خال الوفاق.
مع مرور الوقت، وتحت ضروف الرتابة الوظيفيّة، يفقد الطاقم الفنيّ، شهية ملاحقة الأخبار، ولو كانت على بعد أمتار من مبنى الإذاعة، كما يفقد حساسية التمييز بين الصالح وغير الصالح للعرض، مادام مقياسه الوحيد فى المفاضلة أمنيّ وليس فنيّ. وبين هذا وذاك يقع المواطن البائس، فريسة لكمّاشة الإعلام، فهو المتلقيّ الوحيد لسلعة الدولة، وهو المطالب الوحيد بتقبّل المادة المحليّة، التى يختارها رجال من الأمن ويبثـّها رجال الإعلام.
الإعلام الدكتاتوريّ استطاع، ولحقب طويلة، أن يصارع الضروف من حوله، لكنه فوجأ في خريف عمره برياح العولمة العاتية التي وضعته تحت مجهر القرية الصغيرة، لتكنسه بعد ذلك خارج حلبة المشاهدة والإستماع. فبانكماش دور الدولة الوطنية، والخروج الجماعي الى ساحة الإعلام المعولم، أفتضح أمر إعلامنا وأصبح لايشكّل سوى عبأ ماليّ على خزينة دولته التى اختلقته.
مع هذا كله، سيظلّ إعلام الدولة الدكتاتورية مسئولاً عن مؤامراته التى حاكها ضدّ الذاكرة الجماعية، وعن عبثه بإطار النسيج الوطنيّ، فقد استطاع ولحقب من الزمان، أن يبعد الناس عن التلاحم مع ثقافاتهم. فهو المسئول عن قتل روح المواطنة، وجعل المواطن فاقد الأصول، خال التفكير، وخارج عن استطلاعات الرأي، التى بدونها لايمكن قيام أي رأى عام مستنير.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home