Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

الخميس 28 أغسطس 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

إطلالة على نكبة سبتمبر (1)

1- الشعـب

بوزيد لهلالي

رأيت هذا العام أن نطـّل نحن على سبتمبر قبل أن يطلّ علينا. فهو الشهر الذي أفسدت إطلالته حياتنا وإلى الأبد. رأيت أن نفتح نافذتنا عليه لنقول له بأنه كان فجراً بائساً، سقطت فيه أوراق الخريف عن غاباتنا. وتصاعد فيه دخان الجهل الكثيف في سمائنا، و كـُبـّت العدالة فيه على وجهها فلم يعرف لها الطالب هيئة. حيث لا مظلوم ولامغبون واحد في سبتمبر، ولكنّ الكل أصابه الظلم والغبن. فالثروة صارت لمن سرقها والسلطة لمن اغتصبها، والسلاح صار أصدق أنباءً من الكتب.

يجب الإقرار بأننا لم نبقَ هكذا في كل عام، فقد أطلّ علينا سبتمبر عام 2001 وقد سقطت في الحادي عشر منه أقنعة كثيرة، بجانب أوراق الخريف اليابسة، سقطت ورقة سبتمبر 69 التى كانت تستره دولياً. فقد رأيناه يتهاوى ويقدّم الولاءات والطاعات للآخرين ويفيض بالتعويضات ويتنصّل من ماضيه ويتعرى حتى من جلده بعد أن كان يزهو في ساحات موت الكبرياء ويخيفنا من وقت لآخر بمَـشاهد الإعدامات في الشوارع والملاعب والساحات. سقط هذا البعبع الكاذب بعد أن كانت آلة الدعاية تزيد من خلقه وتريد أن تجعل منه بطلاًً. صار يعطي اسلحته النووية بدون تعويض ويتراجع عن مبادئه دون خجل. عندها شعرنا بحجم الكارثة التى كنـّا نعيشها والخسارة الباهضة التى دفعناها له.

سأتناول فقرة من خطبة ألقاها بطل سبتمبر الخرافي يوم 11 يونيو الماضي وكان يصف فيها حالة ليبيا قبل سبتمبر. الحالة السياسية طبعاً. قال في خطبته " إنّ مايسمى بمجلس النواب، الذين انتخبهم الشعب الليبي وتصارع السذج والبسطاء والطيّبون من أجل هذا المرشّح أو هذا المرشح هم الذين بعد الخائن العميل المدعو مصطفى بن حليم الذي كان رئيساً للحكومة الليبية في ذلك الوقت، صادقوا على ماوقعه المدعو العميل مصطفى بن حليم ووافقوا على هذه المعاهدة التى تمّ بمقتضاها احتلال ليبيا برّاً وبحراً وجوّاً بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية" انتهي الإقتباس.

عبارة برّاً وبحراً وجوّاً، اُطلقت على عاهنها، ولم تجد مايؤيدها في سياق علاقـتـنا مع هذا البطل الخرافي. فالتجارب المريرة التى عشناها مع العقيد بيّنت لنا أنّ الإحتلال جاء معه عام تسعةٍ وستين. فالإحتلال بمعناه الحديث، يعني غياب العدل والسلام والحرية. وهذه المعاني غابت بالفعل بوجود هذا البطل الخرافي وزبانيته على رأس السلطة. ثانياً لوكانت ليبيا محتـّلة برّاً وبحراً وجوّاً، قبل سبتمبر، لما استطاع هذا البطل الخروج في شوارعها تلك الليلة. نهايك عن تحريرها بدون إطلاق رصاصة واحدة. ولنسأله، بشيئ من البساطة، كيف يمكن لمن يخرج لتحرير البلاد أن يذهب لاحتلال الإذاعة. فهل احتلال الإذاعة هو جزء من التحرير، تحرير ماذا؟ تحرير البيان الأول بعبارات مضلـّلة ومتحايلة على عواطف الليبيين ووجداناتهم من أجل سرقة السلطة. أم طمأنة الأجانب في ختام البيان بأنّ الإنقلاب عمل داخلي ولاينوي الوقوف ضدّ مصالحهم.

مجرّد ذكر أنّ ليبيا كانت محتلة يعطي انطباعاً بأنّ بطلنا الخرافي جاء ليحرّرها مع أنـّه لم يخرج في أول سبتمبر إلاّ لسرقة السلطة. فهو ليس مسيح العصر حتى يخرج من أجلنا. لقد أرتضى أن يبهدلنا ويبدّل نهارنا ليلاً فكيف له أن يكون منـّا، إلاّ إذا كنـّا أنعاماً لانميّز. لقد عشنا في ليله أربعة عقود من عمرنا حيث لم نرَ فيه مايضيئ طريقنا، سوى قضبان السجون، وحبال المشانق، والبلدوزرات التى تهدم البيوت والنوادي الأهلية والرياضية فوق رؤوس ساكنيها ومشجّعيها. أرأينا في ليله غير الإفقار والتحكـّم في الأرزاق والملاحقات التى طالت الداخل والخارج. هل هذا هو التحرير؟ وهل هذه الممارسات من طبائع الأحرار او من أخلاقيات الحرّية. وهل غير المنفصم عقلياً تصديق علاقة الحرية بهذه الممارسات.

لقد ألغى الدستور وصنع لنا نظاماً بزمرة من العساكر أول الأمر، ليطبّق مبدأ السلطة لمن سرقها ثمّ سلـّط لجانه على الناس وألغى المجلس العسكري، ليحلو له حكم ليبيا بالطريقة التى يراها، ثمّ خلق مؤتمرات شبعيّة، نعم شبعيّة وليست شعبيّة وأقصدها هنا دون خطأ مطبعي، فهي ليست للشعب ولكنـّها للشبع، تشبع جوع قائدها في التطلـّع إلى السلطة. عصابات حوّلت ثروة البلاد إلى مايشبه الغنيمة التى تقتسم غلاً. ليس فيها باب لمن يعترض أو يقول (هايا). خوّن الوطنيين ورمى بهم في السجون كما ورمى بطلبة المدارس والجامعات الى أعواد المشانق وحروب تشاد وألغى كل الهياكل التى تساعد على إقامة الديموقراطية، وخلق ديموقراطية تديرها عصابات تصفـّق ولجان تهرّج، وتلقي قصائد المدح والغزل! حيث لم نسمع فيها كلمة (لا) مرة واحدة، لاضدّ حرب تشاد ولاضد بعثرة الثروة ولاضدّ قتل الناس وشنقهم. فأين هو التحرير الذي جاءنا به وأين هو الإحتلال الذي دحره برّاً وبحراً وجوّاً.

أنا أتفهّم حالة الفقر التى كان يعيشها هذا العقيد، وقد فصّلـَـتـْها حلقات الأستاذ محمّد المقريف (إنقلاب بقيادة مخبر،) خير تفصيل. ولكن ماعلاقة الفقر والحرمان بسنّ قوانين الأعراب ومسخ المدنـيّة على حساب إحياء نعرات القبيلة والعودة إلى عصر الفاطميين التى أعتقدنا أنـّنا تخلصنا منها وإلى الأبد. نحن نوقن بأنّ الفقر لايساهم في إفساد الرجال ومع هذا نعلم بأنـّه لم يكن فقيراً أيضاً، خاصة بعد سبتمبر. لماذا سمح لحقده أن يخرج دفعة واحدة بعد استيلاءه على السلطة. لقد ندمنا على ذلك التصفيق والفرح الذي خرجنا به لمجرّد تحوّل البلاد إلى جمهورية والآن نندم على عدم وضع أيدينا في يد الملك الصالح، إدريس السنوسي رحمه الله، الذي كان صورة رائعة للأخلاق والزهد، وقد انسحب من بيننا ولم تتح لنا حتى فرصة توديعه.

أرض ليبيا لم تكن محتلة حين قدومه، ولم يكن بمعصمها غير القيد الذي وضعه لها، فقد كانت فراشة طليقة، داهمها هو وعسكره عقب الليل غازياً، وقد تعشـّمت في خجله لكنـّه اغتصبها بطريقة دنيئة. ومضى في فعلته ليتركها مسلوبة الإرادة، مبعثرة الثروة، غارقة في فساد رهيب. ومع هذا، فهي تعيش وضعاً مفصليا هذه الأيام. وضعاً يتميّز بإهدار كل ماتبقـّى من ثرواتها، وبشكل يتحدّث عن نفسه، ويسجّله كل الصحفيين العرب، حتى الذين ينتمون للدول المستفادة منه. فالثروة مبعثرة بين أدغال افريقيا وأدغال أسيا مروراً بصعيد مصر وقفصة بن علي، وصولا إلى الولايات المتحدة في شكل تعويضات عن إرهاب لامعنى له. أمّا دعم اقتصاد أوروبا فكان بعقد صفقات السلاح، مع التظاهر بالوداعة والسلم! و بتوريد محطات وقود نووية، مع العلم بأنّ البلاد تطفح فوق بحيرات النفط، التى تكفي لإنارتها مئات السنين، ولاننسى الطاقة الشمسية البديلة. رافق كل هذا بناء مساجد ضخمة وفنادق ومدارس ومصحات في أراضي الغير مع أزمة سكن وتعليم وصحة في الداخل.

تبديد للثروة بغير عقل. ومع هذا فلازلت الوعود تأتينا كل عام، يحملها إبنه البار، تعبّر عن مخطط شيطاني مغلـّف بأحلام وردية رُسمت على خلفيّة صفحة سوداء. كل هذا ومقدّرات البلد لاتزال تُبعثر ولاأحد يقول (هايا)، على رأي البادية. لامجلس ولامؤتمر ولا (عاقلة). وكأنّ العقيد يعيش وحده في فراغ، وقد شعربدنو أجله، الطبيعي، أما التاريخي فهو ملغي أصلا، وقد قرّر أن لايدع في الخزينة مليماً إلاّ صرفه. وكأنـّه يقول لنا، إني وزبانيتي تقاسمنا الثروة وهذه قرعتي، أبددها حيث أشاء، فأنا حرّ. علماً بأنـّه لاحرية له في تبذير قوت الشعب وليس له قرعة في ثروة ليبيا غير مرتـّبه، الذي يُفترض أن يعول به أسرته كما نعول نحن أسرنا، بمرتـّباتنا. فخزينة ليبيا ليست العائل لأسرته التى تـُبدّد الأموال على السيارات الفارهة، والرحلات المكلفة، والهوتيلات الفخمة، بدون مصلحة واحدة تقضيها لشعبٍ تضرّر وتقزّز من الفاتح أبداً.

بوزيد لهلالي


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home