Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Saturday, 23 February, 2008

مطر مارس..

بوزيد لهلالي

عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحـــر1
أوشرفتان راح ينأى عنهما القمـر
عيناكِ حين تبسمان تـُورق الكروم
وترقصُ الأضواءُ كالأقمارِ في نهر
..........

كأنّ أقواس السحاب تشرب الغيوم
قطرة فقطرة تذوب فى المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
انشودة المطر
مطر
مطر
مطر

يُقال أن مطراً نزل بمارس فجاء وكأنـّه ذهب خالص. فالحكمة العربية تعوّل على مطر مارس ولاتعوّل على مطر أبريل، الذي يجلب في الحكمة الغربية أزهار مايو. ورغم أنّ مارس هو شهر المطر الذهبيّ إلاّ أنـّه في الذاكرة الليبية له معانٍِ من نوع آخر. فقد غاب في هذا الشهر مطرُ هشامٍ، السيد جاب الله مطر، والد السيد هشام مطر الذي اختفى قسراً مع صديقه عزات المقريف بعد أن اختطفته يد الأجهزة الإستخباراتية المصريّة من أمام بيته بالقاهرة بصفقة تمت مع أجهزة أمن القذافي، ليُشحن المسكين مع رفيقه عزّات في طائرة خاصة إلى ليبيا، كما تشحن المواشي. هشام مطر شرح ظروف اختفاء والده، في لقاء عجيب مع صحيفة الصانداي تايمز البريطانية بتاريخ 6 يوليو 2006. 2 لم يكن لقاء هشام مع الصاندي تايمز على شكل سؤال وجواب لكنـّه كان مجموعة أفكار وذكريات لحوادث شرحت حجم معاناة أسرة اختطف ربّها فعاشت مشرّدة بين طرابلس ونيروبي والقاهرة ولندن، خلال الستة عشرة سنة الماضية . ضروف تخللتها غربة وتبـِعها قلق دائم جرّاء اختطافه. سُردت الأحداث بأسلوب قصصي رائع، أُفتتح بقصيدة لهوميروس في الأوديسيا جاءت على هذا النحو:

تمنيت لو أنّ رجلاً مهيباً
على الأقـّل، يكون لي
أكبر في بيته، وأدعوه أبي
لكن صمتاً وموتاً مجهولاً جاءا من نصيـبه.

مارِسْ هو أيضاً الشهر الذي ولد فيه السيد محمد أدريس السنوسي، ملك ليبيا السابق، فقد ولد الملك في اليوم الثاني عشر من مارس عام 1890. وذكرى ميلاده هذا العام تأتي على خلفية الوثيقة3 التى أفرجت عنها الخارجية الأمريكية مؤخراً، والتى بيّنت بأنّ الملك إدريس السنوسي، على غير عادة الملوك والقياصرة، كان زاهداً في السلطة. فقد كان هذا رأي أصحاب الوثيقة، وهم أعدائه. أما أحباءه فيشهدون بأنّ عهده كان هو العهد الباهي. حاول هذا الملك الزاهد، أن يغيّر بلاده إلى وضع جمهوري، كما جاء في الوثيقة. ورفض توريث العرش لسلالته. السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو أين موقع ملك كهذا من ملوك العصر وحتى من ثوّار العصر الذين يرثون الأرض ومن عليها ثم يورّثونها لأبنائهم في عصر يُسمىّ بمابعد الحداثة! وماذا يُقال عنـّا نحن الذين استبدلناه كما نستبدل حذاء بحذاء، وكأنـّنا بذلك نعبّر عن زهدٍِ في الزاهـدين فى السلطة.

سلطة الشعب " أتت" لنا في مارس هي الأخرى ( الذي يأتي ولايأتي) وكان ذلك عام سبعةٍ وسبعين، وقد استبدل القذافي أسم الشهرمرّتين من أجل هذه السلطة، ليعتمده ثالث مرّة. أسماه في البداية الربيع ثم أسماه المريخ ثم عاد فأسماه مارس من جديد. التسميات كثيرة، والشعب الليبي له تسمياته هو الآخر. المضحك المُبكي في هذه السلطة هو أنّ ولادتها جاءت مشوّهة ومشوبة بتناقضات صارخة لمعناها. فقد رافق ولادتها تواجد فيدل كاسترو الذي كان الشاهد الوحيد على قيامها. ولك أن تحكم على مصداقية سلطة للشعب يحضر توقيع إعلانها أشهرطغاة العصر. الآخر أنّه في السنة الأولى من إعلانها، وبعد شهر فقط، أعدمت هذه السلطة طالب،وهو الشهيد دبّوب، وأُعدمت بجانبه معلـّم، وهوالشهيد بن سعود، وأعدمت معهم مُطرب، وهوالشهيد المخزومي ولاننسى المواطن المصري الذي أُعدم هو الآخر في الميناء في نفس اليوم. وقد يعجب المرء كيف لشعب يحكم نفسه أن يعدم طلاّبه ومعلميه ومطربيه وضيوفه، وأن يمثـّل بجثثهم الطاهرة من الصباح الباكر وحتى المساء، بل كيف لشعب أن يُشهد على قيام سلطته أكثر الطغاة عطشاً للسلطة! فكاسترو هو من حكم كوبا لتسعة وأربعين عاماً ( أطول مدة لدكتاتور حديث) وقد رحل منذ يومين فقط، غير مأسوف عليه، تاركاً لنا أخاه رؤول لإكمال ماتبقى من مسيرة في العمر.

هل ستأتي ذكرى مارس هذا العام ممطرة؟ فيظهر علينا القذافي وبجواره سوار الذهب ومانديلا والعقيد الموريتاني إعلي ولد محمد فال، جميعهم زهدوا في السلطة! ليعلن أمامهم بأنّ سلطة الشعب مجرّد خُرافة أو خرّافة، نسجها خيال بارع ففاقت خراريف العزايز تحت (شليف) ليالي الشتاء المطرة. هل سيعلن القذافي تنحيه هذا العام عن السلطة التى سرقها من الشعب بقوة السلاح وينـْظـَمّ طائعاً لمعسكر الزهّاد، ليكون رابع الأفارقة الزاهدين! ولاننسى الزاهد إدريس السنوسي فهو سليل الزاهدين. سيناريو بالطبع يصعب تصديقه حتى في الخيال، أليس كذلك؟ أراهن بأنّ البعض لا يقبل به حتى في الواقع، لما يعطيه هذا السيناريو من مكانة لاتليق وأفعال القذافي التى اقترفها في حقّ هذا الشعب. ليس شرطاً أن يكون أعداء القذافي هم من يرفض هذا السيناريو فزبانيته أيضاً لايقبلون بهذا، مادامت سَلـَطة الشعب هي من أعطاهم كل هذه المزايا التى يتمتّعون بها.

ماذا لو دَعى القذافي المعارضة الليبية لحضور مؤتمر "الشعب" العام القادم. واعتبرلفيف المعارضة كمونة شعبية، جاءته من بعيد لتقبل الهديّة وتـُعطى رأيها فيما ماتريد! لا نريدها أن تقرّر ماتريد، كما جاء في شعار سلطة الشعب( مؤتمرات تقرّر ولجان تنفّذ) نريد لها فقط حق إبداء الرأي! كنصف حلّ على الأقل! الديموقراطيات التقليدية تعطي أكثر من هذا الحقّ لمعارضيها ما بالك بسلطة "الشعب"! هل سينشرح صدر سلطة "الشعب" لحرية إبداء الرأي، أم أنـّه لاينشرح إلاّ مع الهتاف والتصفيق.

أغلب الظن، وهو ماليس بسيناريو، أن مارس القادم سيكون كسابقاته، شهراً للقذافي بدون منازع، فهو شهر الدجل الذي عرفناه لأكثر من ثلاثين سنة. فالثاني من مارس اختاره القذافي يوماً له ولم يفرّط فيه حتى حين تقاسم الأيام مع ابنه. فقد أمسك هو بسلطة الشعب والديموكراسي، واحتفظ لابنه سيف بيوم سبتمبر ليحوّله الإبن بعصاً سحرية من ثورة إلى دولة. أي أن يعيد الصبيّ حركة التاريخ إلى الوراء، فيحوّل البلاد إلى ماكانت عليه قبل سبتمبر 69.

سيأتي القذافي هذه السنة إلى القاعة ذاتها ليحكي أمام زبانيته خرّافة أم بسيسي القديمة، فينهض زبانيّته من على مقاعدهم، قبيل دخوله للقاعة بدقائق، كي يقابلوه بالهتاف حين يأتي محاطاً بلفيف من النسوة " حارسات " سيأتي القايد مرتدياً آزاراً طويلاً، يلامس الأرض( فمنها خلقناكم ) ويرفع قبضته لتحيّة أزلامه، بطريقة Black Power فيستمر زبانيّته في هتافهم، وهم نوّاب الشعب؟ ممثليه؟ لاندري! فقد عرفناهم هتيفة يصيحون، الفاتح سلطة شعبية، الفاتح ديموقراطية، فيبتسم لهم القايد ممعناً في إذلالهم، ولايسمح لهم بالجلوس حتى تُبحّ أصواتهم، فيجلس، ويجلسون، لكنـّه يجلس على أكبر الكراسي! فهو الشعب كله. يساعده في الجلوس على كبرى الكراسي، كبير التشريفات، المسماري، ليسمّره فوق كرسي الشعب وقد جلس عن يمينه الزناتي وامبارك الشامخ وعن شماله أحمد ابراهيم والطيّب الصافي مقابلين لصفّ الأمناء المحنـّطين، الذين جاءوا بحفنة أوراق كي يكتبوا عليها توصيات القايد لكنّ منهم من اكتفى فقط بالنظر إلى وجه القايد. وينطلق صوت من الخلف وكأنـّه صوت أمرأة تقول شعر مدحٍ، لاتجمعه بحور، فيبتسم القايد لها ويهزّ رأسه، واضعاً يديه على قلبه وكأنـّه غاندي، ثم ينطلق صوت آخر بكلام غير مفهوم فيبتسم الزبانية، والقايد حي، ومازال يعضّ بنواجده على السلطة التى لاتشبه مطر مارس لكنـّها بالفعل تشبه كذبة أبريل .
________________________

(1) أبيات اخترناها من قصيدة طويلة اسمها "أنشودة المطر" للشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926-1964) وقد كان يحكي فيها عن العراق.
(2) قمت بترجمة اللقاء وسأنشره فى صفحة الإنقاذ فى ذكرى تغييب السيدين جاب الله مطر وعزات المقريف فصفحة الإنقاذ دائبة على إحياء ذكراهما في كل عام. وعلى ذكر المغيّبين قسراً، انتهز هذه الفرصة لأنادي على الغائبين طوعاً، وهم الأقلام التى كانت تكتب عندنا بحماس على هذه الصفحات. أخصّ بالذكر الشاعر الإجدابي والشاعر سالم محمد والكاتب مخضرم أتمنى أن يكون جميعهم بخير. قائمة الغائبين طوعاً طويلة تضمّ الصادق شكري الذي من المؤكد أنـّه منكب على كتابة دراسة فى أحدى الشئون الليبية أقول له، إنّ العمر قصير يأخي ويحتاج لأكثر من إطلالة فى السنة. أما سالم الحاسي فأتمنى أن لايكون قد هجر الكتابة فى الشأن الليبي فهو قلم رائع لابد من عودته ولاننسى أيضاً فرج الفاخري الذي لم نره منذ مدّة .
(3) نشرت الوثيقة في معظم الصفحات الليبية وقد قرأتها فى صفحة (ليبيا المستقبل) .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home