Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Tuesday, 27 May, 2008

الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

الدستور: تدوين حقوق أم ممارستها؟ ( 3 من 3 )

صيحة سجين للرأي

بوزيد لهلالي

إنّ أول صيحة ظهرت للناس مُطالبة بالدستور جاءت من أثينا، وقد أطلقها الفيلسوف اليوناني سقراط من زنزانته، حين كان سجيناً للرأي، ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه. سقراط أُمِر بتجرّع السمّ عقاباً له على رأيه في الآلهة وتجاوزه الخطوط الحمر التى وضعتها أثينا حولها. الخطوط التى وضعتها أثينا حول الآلهة تشبه إلى حدّ بعيد الخطوط التى تضعها الدكتاتوريات اليوم حول الحاكمِ. فالحاكم أصبح إلهُ عصرنا، رغم أنـّه قد ينكـّل بمن يُطلق عليه هذه الصفة علناً أو يرديه في السجن فيبقى طريح الفراش في زنزانته بالمستشفي (فتحي الجهمي).
أثينا كانت تملك دستوراً لكنـّها كانت جمهورية طبقـيّة، فالنساء فيها لسن من طبقة الشعب كذلك كل من تحوزه الحدود خارج المدينة لايحق له التصويت. ولذلك فالخطوط الحمراء التى رُسمت حول الألهة لم تكن من صنع الأغلبية. وهذا ما أثار سخط سقراط الذي كان يعلم بأنّ بعضاً من أفراد أسرته لايحسبون في عداد الشعب ولم يصوّتوا على هذه الخطوط. غرض سقراط من اعتراضه على عدم دستورية الحكم لم يكن الهروب من العدالة، بقدر ماكان الهروب إلى العدالة التى بدونها لاتقوم الديموقراطية. لقد أتيحت لسقراط فرصة الهرب من السجن فلم يقبلها، لأنّ العدالة في تصوّره ليست فى الهرب من القانون. ماإن غاب سقراط حتى توالت الصيحات بعده من كل جانب يرفعها الفلاسفة وعلماء الإجتماع وفقهاء القانون وخبراء السياسة ونشطاء المجتمع المدنيّ يطالبون فيها بحق الشعب في التوافق على وثيقة إجتماعية تبيّن الحقوق والحرّيات. إلى أن جاءت آخر صيحة معمّدة بالدم، وكانت من ليبيا، فقد أطلقها محامٍ نال بها حُلم الشهادة.
محمود نافع* الذي كان يرافـِع في "محكمة الشعب" عن الذين حوكموا على أرائهم وأُغلقت أبواب صحفهم، نـُفذ فيه حكم الموت لطعنه في دعوى الإتهام باعتبارها غير دستورية. حرية التعبير، التى مارسها الصحفيين في ليبيا أبان المملكة، كان يسمح بها دستور البلاد، كما بيّن نافع. إلاّ أنّ الإنقلاب لم يعترف بحجّة الطعن واعتمد على حُجّته في أنّ دستور البلاد موجود في سلة المهملات. وهذا ماجعله يصرّ على تجريم أصحاب الكلمة عن فعل كان جائزاً قانوناً ودستوراً ساعة وقوعه. وبهذا لاحقت محكمته، سيئة الصيت، المتـّهمين وعاقبتهم بقوانين جائرة وغير عادلة طبّـقتها عليهم بتواريخ رجعية لتنال منهم بدون رجوع ٍ لأي دستور.
حوكم نافع رحمه الله على مرافعاته تلك بالموت. وقد نـُفـّذ الحكم رمياً بالرصاص، بطريقة محاكم لينش، دون الرجوع إلى قانون أو دستور. فقد نفــّذ أحد الغوغائيين حكم الموت فيه وهو قائم يصلي فى المهجر. الغريب أنّ قتل سقراط جاء لسبّ الآلهة أمّا قتل نافع فجاء لمجرّد طلب العدالة والدستور. وهكذا يتـّضح وجه التشابه والتباين بين جمهورية أثينا من ألفي سنة وجماهيرية القذافي اليوم.
في البدء وكما يُقال كانت الكلمة، وإلى الأزل ستبقى الكلمة محور كل حرّية، فمن أجلها قامت الصيحة الأولى وبها ومن أجلها تمّ دفاع سقراط ونافع عنها ودفعا حياتهما ثمناً لها. لأن تغييبها مقدّمة لغياب العدالة. أمّـا حضورها فيعبّر عن الرقي السياسي والإجتماعي. ولهذا تمت ممارستها في السماء قبل الأرض. فلم يُحرم منها أحد حتى أنـّها أعطت لإبليس داخل رياض الجنة وقرب باب العرش. فقيمة حرّية الرأي أكبر من المكان والزمان. فهي روح الفكر والخلق والإبداع ولهذا تحتاج إلى رعاية خاصة لاتتأتي إلاّ باتـّفاق الناس على حمايتها دستورياً.
صيحة سقراط جاءت في مجتمع طبقيّ. ومع أنـّها فردية في شكلها، إلاّ أنـّها جماعية في مضمونها، فقد عبّرت عن حقّ الناس في طرق باب الحرّيات. صيحة نافع كانت هي الأخرى فردية لكنـّها جاءت في مجتمع معاصر يعيش تحت حكم شمولي لايحترم الحرّيات ولايعتدّ بالمطالبة بها. فطبيعته الفوضوية والدكتاتورية تحول دون استيعاب وترتيب هذه الحقوق. ورغم إدعاءه الظاهري بعموم الحقوق إلاّّ أنـّه ينكرها على الناس ويقمع التوجهات التى تدعو لها، جماعية كانت أو فردية، فهو ينكر على الأجسام محاولتها تنظيم نفسها بشكل مدنيّ ولايرضى بغير تأطيرها وتسييسها على النحو الذي يراه وطبقاً لنظرته الآحادية (النظرية الثالثة). التنظيمات المدنية لايوجد لها امتداد في نظريّته ولامقام داخل مجالسه ولا مساحات في مدنه. فهو على استعداد أن يقمع بشراسة كل من يحاول تأطير نفسه خارج نطاق تسييسه. (إدريس بوفايد).
فهل بعد صيحات سقراط ونافع، اللتي عُمدت بالدم، من حاجة إلى صيحات أخرى. أم هل بعد الصبر على العريّ الثقافيّ والدستوريّ من دخول لباب الحرّيات دون تسوّل. أم أنّ النهب الذي عشناه لأملاكنا والمصادرات التى طالت حرّياتنا والعبث الذي حصد كرامتنا وشيوع الفوضى بيننا، سيستأصل نظرتنا إلى الحقوق والحريات بدل أن يؤصلها أم أنـّه سيُعطيها أولويات مقدّسة في شرائعنا ودساتيرنا ومناهج أبناءنا الدراسية. هل سننتكس فنعود لنستجدي حقوقنا وحرّياتنا وهل سنقبل بها كعطايا.
إذا كان لابد لنا من دفع دمغة الحقوق فقد دفعناها. أما إذا كان مانحتاجه هو تذكرة لمن ينسى فعلينا بفرز مراقد أبطالنا، الذين ضحوا من أجل هذه الحقوق، لنقيم عليها شواهد تذكارية تذكـّرنا بحقوقنا وحرّياتنا المقدّسة التى دُفعت أرواحهم ثمناً من أجلها حتى لاننساها فيسهل علينا التفريط فيها.

بوزيد لهلالي
________________________________________________

(*) كنت وأنا أكتب عن المرحوم نافع أتذكـّر مرافعاته الطويلة الرائعة في "محكمة الشعب" دفاعاً عن أصحاب الرأي. كانت مرافعاته ترقى لأن تكون محاضرات في القانون الدستوري، تـُدرّس على طلبة الدراسات العليا في كليات الحقوق على طول العالم العربي. وبمجرّد انتهائي من الكتابة عنه فوجئت بمحامٍ آخر من نفس البلاد، وربّما من نـفـس المدينة والشارع، يكتب عن نفسه. فوجئت بـ"المحامي" شلوف يكتب لنا عن همومه الشخصية في صفحة غنيوة يوم 24 مايو من هذا الشهر. كانت همومه تافهة لا تحتاج للنشر في هذا الوقت بالذات وبهذا الإسفاف.
هنا توقـّفت قليلاً لأجرى بعض المقارنات بين المحاميَين( نافع و شالـّوف) مع أنـّه لاوجه للمقارنة بين من حمل همّ أمةٍ ومن حصر همه في حفنة من المال العام يستجدي العطاء على أعتاب نظام كان يصفه مراراً بالنـظام الفاسد والظالم. فهل كان غرض شلوف من عرض وثائقه استدرار عطفنا عليه في ابتزاز أموالنا. أم أنّ الغرض هو ابتزاز النظام بالتشهير به على صفحات المعارضة مثلما يفعل الطلبة "الموفدين" للدراسة إلى بالخارج، الذين يستجدون النظام ليبعثهم إلى الخارج ثمّّ وبمجرّد سفرهم ينقلبون لإبتزاز الملحقين الثفافيين بالتشهير بهم. وكأن الإدارة التى يطعنون بها ليست إلاّ نفس الإدارة الفاسدة التى ارسلتهم إلى الخارج للدراسة على حساب العصارى وذوي الكفاءات والمواقف. أو كأننا سنشهد لهم بالنزاهة بمجرّد قرائتنا لمايكتبون. فعلى الفور سنقـتنع بأنهم بعيدون عن الواسطة والمحسوبية وأنـّهم لم يكتبوا مئات التعـهدات المهيـنة من أجل الطمع في هذه السفرة.
كنت آمل من شلوف أن يضيف لقضيّـتنا بعضاً من "رؤاه" إذا كانت له رؤىً حقوقية أو قانونية تـُفـيد قضيّـتنا لا أن يشـتـت رؤانا ويدعوننا للإطـّلاع على وثائقه الشخصية التى لاتخصـّنا في شيئ، بل تخصّه هو، الذي ارتضى لنفسه أن يكون محامياً للشيطان. ولذا عليه أما أن يقبل بالنتائج أو أن يُرسل وثائقه إلى مكان بعيد عن صفحاتـنا.


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home