Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Saturday, 25 February, 2006

إسقاطات الجمعة على مفهوميّ المجتمع السياسي والمدنيّ !

بوزيد لهلالي

ما إن اتممت مقالة بعنوان " علماء اقتصاد السوق" كنت أنوي إرسالها للنشر في الصفحات الليبية. وكانت تتناول الفساد الإقتصادي فى ليبيا، حتى تلقـّيت مكالمة من صديق انجليزي يعزّيني في ضحايا مجزرة القنصيلية الإيطالية. كان الصديق يعلم بأنيّ من سكان بنغازي. وكنت ساعتها لم أسمع بخبر المظاهرة. بعد دقائق من المكالمة استأذنت الصديق بالإنسحاب لملاحقة التطورات في الفضائيات. توقـّفت طبعاً عن ارسال المقالة الى الصفحات الليبية، بعد أن أصبحت بفعل المستجدّات، خارجة عن نطاق الزمن والموضوع. وعدت لمطاردة أخبار المرئيات. كان هذا يوم السبت 18 فبراير صباحاً. قبل ذلك، ومنذ اسابيع قليلة، كان الزميل عاشور الشامس قد طلب مني إرسال دراسة عن المجتمع المدني، كنت قد وعدته بها من قبل، وكانت لغرض النشر فى دورية منتدى ليبيا للتنمية. الدراسة كتبت فى الصيف الماضي، ولم أتممها حتى ساعة اتصاله، فقد تركتها بالكامل. لإحساس بأن الخوض في تكوينات المجتمع المدنيّ يشبه الترفيه في وقتنا الحاضر. فمادامت الشعوب العربية والإسلامية غير قادرة عن التعبير بما يلج في صدورها، فلا أعتقد أنـّها جاهزة للتحوّل إلى المدنيّة. هذا ماكنت اعتقده لكنّ الجمعة الحزينة غيّرت كل نظرتي لهذه المسئلة. فالمجتمع المدنيّ رغم أنـّه لن يقوم بين عشيّة وضحاها إلاّ أنه آخذ فى النمو. فاسقاطات الجمعة قد شرحت لنا ذلك.
لاننكر بأن مبدأ التسامح Tolerance كان غائباً فى الجمعة الدامية مع أنـّه شرط لازم للولوج الى ساحات المجتمع المدنيّ. فالتسامح، بمعناه السياسي، هو القدرة على التعايش مع الغير، دون اعتبار لإختلافات الجنس والشكل والدين والرأي. وبالرغم من أنّ أرض بنغازي بكل رحابتها لم تستطع في الجمعة الدامية إيواء المجتمع المدني والسياسي معاً فى ساحة واحدة ( السلطة والمتظاهرين) وهذا بالطبع، راجع لغياب الفضاء الأجتماعي الممهـِد لممارسة الحقوق المدنية بشكل فاعل، فهو المساحة المادية والمعنوية (صحف، إعلام حر ، مقاهي منتديات الخ الخ) التى يتعلم فيها المواطن معايشة اخيه المواطن ويتعلم بها تجربة التعبير عن نفسه كما تعلـّمه تجربة الحوار بحرية مع غيره. الغير الذى لايشبهه. فغياب هذا الفضاء ، يقضي على المبادرة الإجتماعية التى تحفظ التوازن الحسّاس الذى يربط بين المطالب الخاصة والإهتمامات العامة. رغم غياب كل هذا، إلاّ أن لغة القطيع قد تغيرت وتطوّرت طبقاً لإسقاطات الجمعة، أما لغة الراعي فمازالت على ماهي عليه .
مسرح الجمعة، الذى يفترض فيه استقبال مجتمعَين، أحدهما سياسي والأخر مدني، فوجأ بمجتمعَين آخرين، أحدهما غوغائي قمعي والآخر مجتمع قطيع، يحاول تحت تأثير حالات الصحو المتقطـّع أن يدرك بأن له حقوق يجب ممارستها. فلقد حاول هذا القطيع لبرهة، ممارسة حقوقه المدنية والسياسية ووجّه رسالة للراعي مفادها أنـّه سئم حالة القطعنة، والتقطّع حين أكتشف أنه يعيش بعينين و لسان و شفتين أُعطيتا له كي يتمكنّ من التعبير عن رأيه. وهذا يعني أنـّه لايحتاج إلى عصا الراعي كي تهشّه يمنة ويسرى بعد أن أهتدي أخيراً الى النجدين. الراعي بضعف تعقـّله لم يقوى على تحمّل الرسالة، وتقبُّل لغة القطيع على أنـّها إهانة لوجوده، فهو لايريد لنفسه أن يكون مع القطيع فى أي حوار.
لاننسى أن هذا الراعي لم يكن مختاراً في الأصل، ولم يكن من صنع القطيع، فهو جسم غريب متصلـّب. يقضي دورة الترقي بعسر ظاهر. ( إنت مين جابك إنت) فالذى أتى بهذا الجسم هو الليل ومؤامراته، وقد ثبّته العنف بآلته. فالقيادة لم ينلها بعقد اجتماعي مع المجتمع المدنّي، فهو نتوء سلطوي، غرضه القمع والتجبّر.
يُفترض في هذا المجتمع السياسي أنه كان ليّناً، يوم الجمعة. معجوناً بآلة القانون، ليكون أداة للدولة فى تطبيق ما يرغبه الناس (المجتمع المدنيّ) طبقاً لمُعطيات القانون. فهو راع للقانون وراع للحقوق والواجبات، ولايسير بهواه. فالهوى باطل بالنسبة للمجتمع السياسي ( السلطة) وليس هناك من أوامر تؤخذ أو تعطي لايكون المجتمع المدنّي طرفاً فيها أو لاتكون محفورة ً فى الدساتير وألواحها. فالدستور هو المُلزم لكلا المجتمَعين السياسي والمدنيّ.
وطبقاً لهذا فالراعي لم يصنعه القطيع. مع أنـّه بخيلائه توقـّع أنّ القطيع من صنعه. وسوف لن يخالف هواه. لقد تصرّف هذا الراعي وكأنـّه مالك لهذا القطيع، فقد أخرجه كي يرتع فى ساحة الحرية. مع أنّ ضروف الرسوم الدنماركية، ساهمت إلى حدٍ كبير في إخراجه الى الساحات، وعلى غير موعد بالطبع. فقطعان أخرى قد خرجت على طول العالم العربيّ والإسلامي. ثم أنقضّ عليه وأفترسه أعزلاً على حين غرة، ثم نحره. إنّ هذا المسرح الدامي الذى صنعه الراعي بمعرفته ورؤيته يوم الجمعة الدامية، لايستقيم أن يكون مسرحاً سياسياً أو مدنيّاً لدولة حديثة! فطبقاً لمفاهيم الدولة الحديثة، لايجوز نحر القطيع لمجرّ طلبه للحرية. فكل دساتير الأرض تمنع ذلك. بما فيها منظمومة حقوق الإنسان. والسلطات فى المسرح السياسي الحديث واضحة التخصّصات. وقد لانخطئ حين نقول أنّ خروج القطيع من بدايته كان مؤامرة. فلا يُقبل أن يقول أحدنا أنّ القطيع فى خضم لعبه وبقاءه حراً لبرهة، نسيى أن يعبّر بالشكل الذى طلبه منه الراعي فحكم عليه بالإعدام.

المجتمع المدنيّ ليس قناة للتعبير عن المجتمع السياسي بل العكس هو الصحيح. فالمجتمع السياسي معَدّ لأن يُعبّر عما يراه المجتمع المدنيّ. ومهمته رعاية حقوق المجتمع المدني وتنفيذ ارادته. وليس مواجهته ومنع حقوقه. أما يتجمّل الراعي بإعطاء الحق فى التظاهر للقطيع فهذا يفترض أنه كان بضمانة من القانون. فالقانون من واجبه ضمانة الحقوق المدنية. إذا الفرق شاسع بين التمتع بالحق لأنـّه فضيلة منحها القانون وبين الأوامر التى يعطيها من لايملك حق أعطائها، لكنـّه يملك رعايتها والحفاظ عليها. فالمسئلة من بدايتها قفز على التخصصات، وخلط في مجال فصل السلطات. وهذا ماجعل المسرح دامياً بجميع اشكاله ومشاهده ومشّوشاً فى رسالته التى كانت أصلاً معنونة الى الدنمارك ( إيطاليا ، الغرب) لكنـّها ذهبت الى عنوان آخر.
حتى إخراج الرسالة لم يكن حضارياً . فقد كانت غير قادرة على إقناع الغرب. فإذا كان الوسيط هو الرسالة.Medium is the message. كما يقول عالـِم الإتصال مارشال مكلوّن فإن الوسيط كان الذبح والقتل.
وطبقاً لهذا المنطق فإنها خرجت مخرومة ودموية مثل غيرها من الرسائل التى انطلقت من رسائل العالم المكبوت ( سوريا، نيجيريا، باكستان) ولم ترتفع الرسالة حتى لمستوى صراع الحضارات مابالك لتحاورها. ومع إنـّنا لازلنا مقتنعين بأن الضروف هو ماجعلها تخرج كذلك. حيث الفضاء الإجتماعي، غائباً كما ذكرنا. وهو بساحتيه المادية والمعنوية ورشة عمل لممارسة الحقوق المدنية. فلا مجال لإعلام مقروء ولا مسموع ولا مرئي يمكن للمرء أن يعبّر من خلاله . ولا حتى مقاهي للتجمّع. حيث لم يسمح الراعي بفتحها إلاّ مؤخراً، حين اصبح معظم روّادها من العمّال الوافدين وانقلبت الى غرز للرقيلة. فكيف يمكن لنا أن ننتقد قطيعاً ونصفه بعدم المدنية وهو يعيش فى فضاءات اجتماعية مغلقة.
الردّ كان واضحاً بالنسبة للغرب على هذه رسالة الرسومات، وقد جاء على لسان الخادم الإمريكية كونديليسا رايس حين قالت تعقيباً على إحراق السفارة الدنماركية فى دمشق " نحن نعلم أن الناس فى هذه البلدان لايخرجون إلاّ بإيعاز من السلطة" . وهذا يعني عدم تقبّل فحوى الرسالة، ويعني ايضاًَ أنه لا أهمية لمن لاصوت له.
رئيس الوزراء الدنماركي قال أنا لن اعتذر عمّا فعله الرسّام السكير، لأننى مجرّد شخص يمّثل المجتمع السياسي ولست مالكاً للمجتمع المدنيّ (القطيع). وبذا لايمكنني الحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص. فالسلطة لم تخلق لفعل هذا، بل خلقت لحماية الحريات. فاعتذاري لكم مثل عدمه لن يزيد المسئلة إلاّ تعقيداً. لأنه أعتذار باطل من جهة لاتملك الحق بذلك. أعتذاري سيكون قبيحاً ومتناقضاً مع ألواح الدستور. لأن الذى قام بالرسوم هو المجتمع المدني صاحب حرية التعبير التى بدونها سيتحول مجتمعنا المدنّي الى قطيع مُهمَش وأتحوّل أنا الى راع بعصاه يهش القطيع يمنة ويسرى.
للأسف أنّنا عاجزون عن استيعاب ماقاله هذا الدنماركي لأنّ درسه صعباً ويدور فى مفاهيم ممنوعة بالنسبة لنا فهو لايتعلـّق بالرسومات من قريب أو بعيد لكنه يتعلّق بدروس السياسة والحقوق المدنية التى حُرمنا من تداولها وممارستها. ومع هذا فقد شرحت اسقاطات الجمعة الدامية هذا الدرس السياسي قولا وعملاً. فإن لم نفهمه منها فمعنى هذا أنّنا نحتاج لأكثر من جمعة كي نستوعبه.
لقد آن الأوان لأن نعي فحوى الدرس، ونحترم حرية الرأي والتعبير. مادامت هذه الحرية كنز لايمكن التفريط فيه. وإذا مافرّطنا فيه فسنفقد إنسانيّتنا، ونصبح قطيعاً مهمّشاً تلاحقه عصا الراعي فى كل حين! فالمجتمعات التى قطعت شوطاً فى الديموقراطية لاتريد التفريط في مبدأ حرية الرأي بهذه السهولة وإلاّ فستخلي السبيل لانهيار الديموقراطية بالكامل. لقد أغلقت هذه المجتمعات صفحة العنف، وتجاوزت تداخل السلطات. ونالت حقوقها في التعبير عبر سنين من الكفاح، ثم قامت لتحفر مبادئها في ألواح الدساتير. فهي لاتريد العودة لمربّع الجمعة الدامية. فهل لنا أن نفهم ذلك، وننتظم في مجتمعات واعية مدنية وسياسية حتى يهابنا الغير. فإذا نجحنا فما علينا إلاّ الصلاة على نبينا محمد الذى احتمل من اجلنا الكثير كي تصلنا هذه الحكمة في درس الجمعة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home