Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

الثلاثاء، 24 يونيو 2008

نظرية الخرّارة (*)

بوزيد لهلالي

أقلقني صديقْ حين قال لي مرّة بأنّ الليبيين لم يفسدهم القذافي ولكنهم كانوا أنفسهم يُـفسدون. قلت له كيف ذلك. قال ألم تسمع بـ " نظرية الخرّارة" قلت لم أسمع بها، ولكنـّي أعرف أنّ "الخرّارة" تعني باللهجة الليبية بالوعة المجاري الفاسدة. أتوجد للخرّارة نظرية في عصرنا. قال نعم، لها نظرية مهمّة. ضحكت وقلت له أخبرني عنها. قال إنّ للبالوعة غطاء أبيض ناصع، به ثقوب على شكل دوائر. قلت له أعرف ذلك. قال هذا الغطاء الأبيض الناصع يخفي تحته كل القاذورات. قلت أعرف ذلك. قال حين يُرفع الغطاء تخرج الروائح الكريهة وترى كل ما بداخل الخرّارة. قلت له هات من الآخر، ماهي النتيجة. قال هذه هي النتيجة. القذافي رفع غطاء الخرّارة فظهرت أخلاق الليبيين واضحة. هذا بالضبط ماتعنيه نظرية الخرّارة. قلت له أنا لاأؤمن بهذا القول ولاأؤمن بأنّ الشعوب فاسدة، فالفساد يستحيل معه وجود حياة.

جعلتني نظرّيته الشيّقة أفكـّر في حقوقي وحقوق أسرتي. كيف أحسّ بالإطمئنان عليها وأنا إنسان غريب، يعيش فى بلدة صغيرة فى الشمال الإنجليزي لاتربطني بأهلها علاقة عرق أو دم. مالذي يدعوني للتصديق بأنّ سكان هذه البلدة وإدارتها لاتغـفل عن حقوقي. هل لمست من أهلها مايشعرني بهذا اليقين. نعم، لقد لمست منهم ذلك حين قدومي. فقد سقطت محفظتي مرّة من فوق سيارتي وأنا أغادر بيتي وكان بها مئة جنيه استرليني. لم أنتبه لسقوطها إلاّ حين تحرّكت السيارة ووصلت محطة البنزين. تحسست المحفظة فلم أجدها. ظننت أنـّها ضاعت وإلى الأبد. لكنّني فوجئت بعودتها لي في اليومين التاليين. عادت إليّ بكل محتوياتها. تعجّبت وقلت في نفسي ماهي المصلحة في ردّها لي ياترى. أليس الأسهل لمن وجدها الإستفادة من مالها وإرسالها لي عن طريق البريد فارغة وبدون مال. أو رمييها في النهر والتخلـّص من بقاياها.

مالذي يدفع الشعوب لأن تكون آمنة وعادلة ومسالمة؟ هل الأمانة والعدل والسلام متساوية عند كل الناس، وهل هي ثابتة في كل العصور. إذا كانت الشعوب هي من يصنع القيـَم لماذا لاتبقى القيَم ثابتة؟ ولماذا تختلف من مكان ومكان. مامدى ارتباط القيـَم بالحرّية. ومامدى ارتباطها بالمصالح. من يقف وراء المصالح؟ الشعوب أم الأنظمة. هل ترهن الشعوب مصالحها للطغمة، وإذا كان الحال كذلك هل هذا مايبـقيها غير قادرة على الإحتفاظ بقيـَمها.

لو بقى العالم رهيناً لقيـَم الطغمة، لخاف العالم وجاع في يومين. فالذين خرجوا ضد حرب العراق، فى لندن وحدها، مليون شخص. خرجوا لإدانة توني بلير على إدخال بريطانيا في حرب العراق. هل أُدخل أيٍِ منهم السجن، ولو لساعة واحدة. لماذا لم يخرج الناس في طرابلس وبنغازي لإدانة حرب تشاد التى أُرسل لصحرائها أبناء المدارس المجيّشين بالقوة. لأن السلام الذي يريد الحرّ تحقيقه في لندن وباريس، لايتسنى لليبيين إلاّ بالخوف! فهم محكومون، وقيـَمهم مرهونة عند غيرهم. من يخرج في لندن وباريس هو حرّ وقد أعتق رقبته أمّـا من يخرج في طرابلس وبنغازي فهو مدان وقد باع رقبته. هذا بالضبط ماتعنيه ازدواجية القيـَم. القيـَم تعني في طرابلس غير الذي تعنيه في باريس ولندن.

العدالة في طرابلس هي أن يدان صاحب " الجريمة السياسية". ويُبرّأ صاحب الجرائم الأخرى وإن كانت جرائم قتل. لقد جُزئت العدالة وهي قيمة يعرف العقل الجماعي أنـّها واحدة. الحرية جُزّئت هي الأخرى!

حريّة الرأي في طرابلس تعني الجنون ولاتـُعطى لمن يريد أن يعرف مصير ابنه داخل معتقل أبي سليم. بينما الحرّية في لندن لاتعني التهوّر ولايُرمي طالبها فى السجن، كي يحفظ درسه أو ينتهي به المقام في مستشفى الأمراض النفسية. حرية الرأي في لندن هي الترموميتر الذي يقاس به اتجاه الرأي العام.

بقيَ السؤال، كيف يمكن للطغمة أن تمسحَ معاني القيَم بهذا الشكل من الذاكرة الجماعية. هل يكفي لإلغاء القيـَم إعطائها معانٍ سلبية! أم لابد بمكافأت مجزية لمن يتركها ويركن لعبادة الطغمة وماتراه من قيَـم ٍ ومصالح.

الخرّارة إذاً، قلت للصديق، صاحب النظرية، لم يرفع غطائها القذافي. الخرّارة، هي منظومة الأخلاق التى قدّمها القذافي للناس. لقد عجزت منظومة الطغمة أو "خرّارة" الطغمة على تصريف المياه الصحيّة وغير الصحيّة فانغلقت، وفسد الإنسان. فالإنسان لايفسد إلاّ إذا فقد حرّيته وعجز عن تصريف رأيه.
________________________________________________

(*) إذا انحصرت القيـَم وشاع الظلم، فلابد وأنّ فئة قـليلة تقدّم مصالحها المادية على مصالح الأغلبية. فقد تكون مصالحتها كامنة فى الظلم والفوضى والعبودية. بدل العدل والسلام والحرّية لهذا تراها تحقـّق مصالحها وإن كانت ضيّقة، على حساب الأغلبية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home