Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Thursday, 23 March, 2006

مصطفى البركي والرمز الوطنيّ

بوزيد لهلالي

الوطنيّون الليبيّون يقدّمون لنا كل أنواع الكتابة على هذه الصفحات. ولهم سبلهم المتعدّدة فى الطرح والتفسير. فمنهم المعتدل ومنهم المشتطّ، وبين هذا وذاك يصطفّ رتـل من الكتبة، برؤىً متنوّعة، تحت مايسمى بالكتابة النضالية. كما تحطّ أسراب هائلة من الكلمات لتواري بريشها صفحات الصحف الأكترونية. ويبقى النشر في عصر العولمة مفتوحاً، بدون استثناء. فلا اعتراض على ماينشر بالمجّّان.
السيد الفاضل مصطفى البركي لاينتمي الى هذا أو ذاك. فهو يقف على النواصي المميّزة فى الكتابة، والتى تستهويني مطالعتها كلما لمحت صورته (بالشنّة) الحمراء منشورة فوق صفحة أغنيوة. حيث أجد نفسي واحداً من قرّاءه دون منازع، أجوب مفرداته القديمة، والتى يختارها من قواميسنا الليبية القحة (اللقيط، يفطس سفراجي) فأضحك لدعاباته، وأسبّ لسبابه، وألعن معه، في كل لحظة، أصل وفصل كل حكم ثوري. وقد تملئني حكاياته سروراً وغبطة، فأرنو من فرط حبّي، باحثاً عن شاطئ من حولي، علـّه يعوّضني مافتقدته من هواء نقي تجلبه أمواج جليانة الهادئة. فحكايات (سي مصطفى) تربطنى بصورة عريضة لتلك المدينة التى تختبئ خلف البحر، ليس خوفاً، ولكن انتظاراً لصبح قريب.
مسرح كلمات (لبركي) يأخذني مثل طفل، لينقلني فوقه ببطأ، عبر كل نواصي الطرق الضيّقة في مدينتنا. فيقف بي عند تقاطع الحارات، حيث يكثر الواقفون على قارعة الطريق، لأجل سرد حكاياهم، وهزائمهم اليومية، أمام حكم فوضوي ضيّع كل مالديهم. و بالرغم من حدّة عيون المارة، وبين تلك الحارات، يعمّني حزن أزرق عميق، فأتذكر غياب الكلمات، وعدم التواصل عبر الكلمة مع أبناء حارته القديمة، فى أزقة العيساوي وبن صويد وبومدين والهدّار، والتى كانت تضم لفيفاً من الطيّبين. فيُملاّ قلبي حسرة، فيما يهزّني شوق عارم الى شطحات صوفية بين جنبات تلك الزاوية القابعة في نهاية شارع لبركات، والتى أتمنى أن يكون لنا فيها لقاءات، ولو لقراءة سورة الفاتحة، على ذلك الضريح الهادي.
تجاوبي مع (سي مصطفى) يكاد يكون عفوياً. فهو يقع ضمن تعانق الأفكار، لاتعانق الأعراق. وهو انصهار فى بوتقة الثقافة الواحدة. البعيدة عن خطوط الجغرافيا وأرقام التاريخ. فالخلطة بيني وبينه تتم عبر ثقافة المدينة، التى حضنتنا جميعاً والتى لها كبير الأثر فى بساطاتنا واتـّقادنا وعفوّيتنا. فعلى ثقافتها اجتمعنا، وفي حصارها افترقنا، ولكن لازلنا ندين لها على فيض العطاء الممدود. ولو اُستثمرت تلك الثقافة المحلية في شكل ابداعات، من كل جانب، لارتبط الشرقاوي بالغرباوي والفزّاني بإعيال البحر ولبدوي بإعيال لبلاد. ولوصلنا الى ماكان السيد الفاضل الأستاذ عبدالحميد البكوش، يدعوه بالشخصية الليبية. فعن طريق التركيز على هذه الشخصية، بألوانها وتموّجاتها وتعدّداتها يمكن أن نصنع ثقافة تـُصدّر للغير من جيراننا. ونكون داخليّـاً قد قطعنا نصف الطريق اتجاه الوحدة الوطنية. بعد أن تخلّصنا مما دعته الأستاذة الفاضلة فوزية بريون بالتشرذم الجهوي. فليس التشرذم إلاّ عرَض من أعراض الأمية، التى حُكمنا بها، نتيجة عدم التواصل، وعدم التعاطي مع بعضنا البعض فى ثقافة مقروءة ومكتوبة. فغياب المبدع الذى يلهمنا جميعاً كان له كبير الأثر فى غياب عطائنا. والمطروح لم يعد يثير شهيـّة القارئ. فجرائدنا اليومية صارت أكواماً من الورق، ولاتعني شيئاً بالنسبة لنا. فالصحافة التى لاتضع القارئ فى حسابانها. لايضعها القارئ في حساباته. بل يتلذذ بتركها تتصارع مع أكوام الغبار، وتعاني قبح التسيّب فوق الأرفف. وهكذا فقد أصبح الذين يكتبون هم الذين يقرؤون لبعضهم البعض. وعاد المروي الشعبي يأخذ مكان المكتوب. وأصبح سماع الإشاعة أكثر إثارة من قراءة المقالة. فانتشرت الأمية وصار صعباً عليها تحريك الناس في اتـّجاه الكلمة. فتحريك شهية القارئ أمر صعب، لايستطيع حمله إلا مثقـّفون من الوزن الثقيل. ولايحضرني فى هذه اللحظة إلاّ الترحّم على روح الصادق النيهوم الذي علـّمنا، عن طريق رموزه الشعبية، كيف نفتح شهيـّتنا للقراءة، ونذهب بجد، لإقناء جريدة الصباح. فهل من مبدع مثله، يفعل مافعله الأوّلون، ويقتدي بجيل الماضي، لكي نسمعه جميعاً ونحّن له. وهل من يكتب لنا بالسهل الممتنع، فنضع أسلوبه أمامنا، لنلتقي حوله ونقرأه. فنحفل به ويحفل بنا مثل مايفعل الأطفال الفرحين.

بوزيد لهلالي
buzaidlihlali@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home