Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Tuesday, 22 May, 2007

مواقف ورجال (1)

بوزيد لهلالي

رحم الله فريد أشرف. كان مثقـّفاً ليبيّاً ينتمي لحزب البعث. كان انتماءه للبعث لاينمّ عن تعطـّش للسلطة ولايمثـّل زيغاً فى الرؤية. ولكنـّه كان انتماء بريئاً، يعبّر عن قلق المثقف، وبحثه الدائم عن أداة ينقل عن طريقها رؤاه، ويعلن من خلالها تميّزه وذاتيّته.
رُميَ أشرف فى السجن خلال فترة السبعينات. فقد شملته حملة المداهمات المسعورة التي جاءت بُعَيْدَ خطاب أزوارة "التاريخي" ليمكث في السجن حتى مهرجانات أصبح الصبح المشهورة والتى كانت فى عام88.
لن نحكيَ هنا عن مواقف فريد أشرف وإيماناته، ولا عن نبله وإخلاصه وتضحياته، فأصحابه أحق بالحديث عنه. سنحكي هنا عن لحظة صدق صاحَبَت خروجه من السجن، فسجّلت موقفاً كاد أن يبدّد أو يضيف قسطاً من المعناة التى رافقت سجنه وانعتاقه. لقد جمعه ذلك الموقف الغريب بسجينين اثنين، أحدهما ابنه، والآخر صاحبه. ثم لم يلبث أن جمعه الموقف بسجّانه. وكان ذلك بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه.
عندما أُطلق سراح أشرف من السجن كان أول المرحبين به إبنه. ولم يعرف الأب أن الإبن كان سجيناً معه، فتعانق الإثنان عناقاً حاراً عند باب السجن. وظنّ كل منهما أنّ الآخر جاءه للتهنئة بسلامة الخروج. كان ذلك يوم إطلاق سراحهما.
الوالد وولده ظنا بأنّ كل منهما جاء لتهنئة الآخر من خارج السجن ولم يعرفا أنّ كل منهما كان جاراً للآخر بالجنب. هذه القصة غطـّت على كل أحداث ذلك اليوم. وقد تناقلتها الألسن فيما بكت لسماعها القلوب.
بعد إطلاق سراح أشرف، طلب القذّافي من أشرف وموسى أحمد أن يحضرا لمقابلته، في جلسة خاصة تمت في مقر إقامته. ثمّ بُثـّت تلك الجلسة الخاصة على الهواء مباشرة لكل الليبيين. جاء فريد وموسى، رحمهما الله، وقد كان موسى قبل سجنه عضواً بارزاً في انقلاب سبتمبر، ثم اتـّهم بخيانة الثورة(*) ومكث في السجن قرابة الثماني عشر عاماً ليطلق سراحه هو الآخر في مهرجانات أصبح الصبح.
جاء السجينان لمقابلة السجّان في بيته، تحت أعين الكاميرا، فى نقلٍ مباشر. لم تكن ثورة المعلومات قد انطلقت بعد، ولم تكن الفضائيات قد أخذت طريقها لسرقة أضواء الأحداث. فالأحداث كانت داخلية، تـُنقل بواسطة الكاميرات المحلية التى تسيطر عليها إذاعة الدولة القومية، فتسخّرها لصنع الخبر ونقله وبثـّه للناس.
الجلسة التى جمعت القذّافي بأشرف وموسى كانت مرتـّبة وعلى نحو جيّد وجاءت بُعَيْد إطلاق السراح. فقد جلس أشرف على كرسي في الجانب الأيسر وجلس موسى على كرسي بجواره، في الجانب الأيمن، بينما كان القذّافي يتوسّطهما في الجهة المقابلة على كرسيّ خاص.
جاء الإثنان لمقابلة القذّافي الذي ابتدأ حديثه لأشرف وموسى، واصفاً اللحظة التى رافقت إطلاق سراح أشرف وابنه بأنـّها لحظة مؤثـّرة، وقد حدثت أمام باب السجن، حيث كان الإبن وأبيه في حالة ذهول تام. تقمّص القذّافي صورة رجل الشارع ليحكيَ عن القصة بمدلولات أنسانية، ونسي أنـّه السجّان الذي رمى بأشرف وابنه فى السجن.
تحدّث موسى بعدها فقال للقذّافي: لقد قلت لك ياقذّافي منذ البداية أنّني لست سياسياً. كانت هذه العبارة أبرز مانطق به لسان موسي تلك الليلة! أما مانطق به حاله وما تحدّثت به تعابير وجهه فقد كان أعمق وأصدق. كانت تعابير وجهه تُحدّث عن تاريخ صامت طويل، طواه النسيان فأبعده عن دائرة التدوين(*). فالرجل الذي كان يُنتظر منه كتابة التاريخ بقلمه، باعتباره شاهداً لصيقاً بالحدث، مولعاً بالكتابة، أُعدم في زنزانته رمياً بالرصاص (آدم الحوّاز). أما الشاهد الثاني وهو المولع بالرواية المنقولة فكان موسى أحمد وقد أُعدم بالسكاكين، في مزرعته الخاصة. وهكذا أسدل التاريخ ستارته عن أهم فترة من فترات تأسيس الإنقلاب، الذي جاء به سبتمبر، لينزع في غفلة من الزمن شرعية الدولة الدستورية. تحوّلت الكاميرا بعدها إلى فريد أشرف الذي كان فصيح اللسان نافذ البصيرة، كامل الحضور. جلس ببدلة أنيقة تعبّر عن معايشة طويلة للمدن، وتحمل مدلولات أجتماعية رائعة لما يعنيه المجتمع المدنيّ. مدلولات تفوق في رسوخها كل المدلولات السياسية. استطرد أشرف حديثه بالتلميح إلى الحرس الذي التقاه قبل المقابلة، ولم يقم بتفتيشه، فهو يعلم أنه السجين الذي لاتطاوعه يده أن يحمل مسدّساً ويقتل به سجّانه، ثمّ عقبّ بلباقته فقال:
ألا تذكر ياقذافي حين قدِمت إليّ وكنتُ أعدّ لمسيرة سلمية في طرابلس، في حقبة الستينات، كنت أعدّ لمسيرة تخرج فيها الجماهيراحتجاجاً على القواعد الأجنبية، ألا تذكر أنـّك قلت لي لماذا لا تفجّر القواعد بدلاً من أن تقوم بالمسيرات. قلت لك أننا لانفعل ذلك. إلا تذكر هذا؟ لم ينطق القذّافي بكلمة، ولكنه هزّ رأسه موافقاً. أحد الذين شاهدوا المقابلة على الشاشة الصغيرة قال لي أنّ أشرف كان يريد تذكير القذّافي بعدم الوفاء! فبالرّغم من عدم وشاية أشرف به، إلاّ أنّ القذّافي لم يقدّر له ذلك، ورمي به في السجن مع ابنه.
وتمضي الأيام ويخرج أشرف للناس ليصافحهم في مدينته بنغازي، يلتقي بهم في الأحياء القديمة والفقيرة، ويجلس معهم أمام المحلاَت التجارية. وفيما تمضي الأيام يتجهّز الرجل بعد أداء واجبه الوطنيّ للقاء آخر مهمّ، كان لقاء عصيباً لابد لكل نفس أن تذوقه. ولاتسعد به إلاّ الأنفس المطمئنة، إنـّه لقاء القدر، فسبحان الذي لايموت.
________________________

ـ ( كُلُّ نـَفْسٍِ ذائِقـَةُ المَوتِ) صدق الله العظيم. بلغنا بمزيد من الأسى والحزن وفاة المغفور له الزميل حسين الفيتوري،) ندعو الله له المغفرة ولذويه الصبر والسلوان و (إِنّا لِلّهِ وإنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ).
* لمزيد المعرفة عن علاقة السيد موسى أحمد بانقلاب سبتمبر، يمكن للقارئ الإطلاع على (حوارات حول الجيش الليبي) من إعداد وتقديم الأستاذ: عبدالونيس محمود الحاسي (إذاعة صوت الأمل) الحلقات محفوظة فى صفحة ليبيا المستقبل.
* العودة لنفس المصدر السابق.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home