Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Friday, 22 February, 2008

سلطة العـقـل!

بوزيد لهلالي

حين كـَتـَبت هذه السطور، في الفترة التى نـَشرت فيها منظمة القذافي للتنمية تقريرها عن حالة فتحي الجهمي. تريّثت فى إرسالها للنشر. فأحياناً، وبمجرّد أتمامك لكتابة موضوع ما، تتطلع على صفحات النشر الأكترونية، في عصر الثورة المعلوماتية، فتجد أنّ الذين تناولوه أكثر من الذين قرأوا عنه. وتجد أنّ التناول قد جاء من كل جانب ومن كل الزوايا وبأقلام مختلفة حتى أنـّك تعتقد أحياناً وكأنّ أحدها كان لك. فالعقل البشري يميل إلى طرح القضايا المتشابهة بنفس التعابير ويتناولها بنفس المقتربات إن لم نقل بنفس الكلمات. فالعقل واحد مثلما الحقيقة واحدة.
أقول، حين إتمامي لسطوري، وبعد صدور تصريح منظمة سيف الذي وصفت فيه حالة فتحي الجهمي ب "عدم التوازن العقلى" لم أستبعد أن يفقد فتحي الجهمي عقله بفعل الضروف التى أحيط بها؟ فعدم التوازن حالة اختيارية قد يتـّخذها العقل انسحاباً من مجتمع لايقدّس حرية الرأي ولايحترم سلطة العقل! مجتمع يرى بعين واحدة ويسمع بأذن واحدة وقد حُسمت كل قضاياه السياسية والإجتماعية والإقتصادية بحلول نهائية، في كتيّب صغير لكل البشرية.
قرأت أيضاً ماكتبته السيدة كلوديا روست فى الفيلادليفيا انكوايررعن فتحي الجهمي. وكلوديا روست باحثة في قضايا الديموقراطية، فقد ذكـّرت الرئيس بوش في مقالها بما قاله وقضاه على نفسه، خلال فترة رئاسته، بأن يسميّ الشرّ باسمه الحقيقي. وطرحت عليه جملة من الحقائق فقالت فى مقالها " أن جريمته (أي فتحي الجهمي ) أنـّه تكلم بصوت عال، عن أسباب الأُحادية السياسية في ليبيا. أي أنه قام بعمل نقوم به نحن كل يوم في المجتمعات الحرّة، وهو نقد النظام السياسي" انتهى الإقتباس. لك أن تتخيّل أنّ إنساناً تفوّه بعبارة لاتزيد عن بضع كلمات، كالتى قالها الجهمي، فوجد نفسه محاصراً في بيته لمدة يومين لايستطيع أن يغادره إلاّ للسجن، حيث أحيط به من كل جانب من طرف غوغائيين يطوّقونه ويصيحون، الفاتح سلطة شعبية، الفاتح ديموقراطية! أين العقل ساعتها وأين الرأي والمشورة.
وتزيد الطامة إذا ماكممنا صوتاً يطالب بالحرية ونسينا أن هناك أصواتاً لم نصلها، لازالت هي الأخرى تطالب كل يوم بما يطالب به فتحي. ربّما في بيوتهم أو حتى في الشارع، فقد بلغ السيل الزبى. خمسة ملايين ليبي نساءً ورجالاً، يقولون في بيوتهم ماقاله فتحي علناً. جمعت هنا صوت النساء أيضاً مع أنـّه فى مجتمعاتنا يُحسب صوت النساء عورة، ويحسبن ناقصات عقل.
لقد تريثت في النشر، وكما ذكرت، لأن قضيّة سجين الرأي تحتاج لحساسية خاصة في تناولها، وقد نزيد فى الطين بلـّة، كما يقولون، حين نتناولها بدون شعور بحساسيّتها، فتُحسب كمن أراد أن يطبّب فأعمى ( يبي إيطببه عماه) فمن نتمنى خروجه معافـاً من السجن لانريد أن نثير حفيظة خاطفيه بما نكتب! وسجين الرأي كالرهينة، يجب التعامل مع قضيّته بشكل حساس وإلاّ فقضيّته تأخذ منحى آخر! كنت أراجع كلماتي التى كتبتها كما قلت، ثم توقفت بالكامل عن نشرها. لكنيّ ومنذ يومين قرأت مانـُشر من أخبار وصور لفتحي في المنار للإعلام. ولا أدري حتى الآن إن كان فتحي قد وافق على نشرهذه الصورفى شبكة الإنترنت أو وافق حتى على التقاطها. وهذا ايضاً من ضمن حقوق الإنسان، حقـّه فى الخصوصية! إلاّ إذا كان كاتب المقال، وكما صرّح، يعتقد بأن فتحي غير متوازن عقلياً وبالإمكان استغلال الضرف. ومع هذا لفتحي من يرعاه، أهله. موافقة أبنه أو زوجته واجبة.
لقد قال ملتقط الصور في مقالته التى نشرها في المنار للإعلام أنّ الصور" إلتقطتها بكامرتي ووزّعت منها على بعض الأصدقاء في مدينة طرابلس" أي أنـّه لم يخفِ توزيعها حتى على اصدقائه. فكيف وصل هذا العارف إلى فتحي والتقط له صور في مجتمع يعتبر التقاط الصور شأن أمنيّ، يخص الأمن وحده، ولايخصّ أهل الفنون! ربّما تغيّر هذا المنحي في الجماهيرية بعد أن أصبحت العدسات فى كل اجهزة الهاتف النقـّال. لا أدري إلى هذه اللحظة مالذي يعنيه بنشر هذه الصور التى بيّنت هدوء فتحي ورزانته.
كاتب المقالة الذي أحسب أنـّه حكومة أو من من مؤسسة القذافي، وقـّع مقالته تحت أسم مستعار وهو عارف عبد الحق، حي الأندلس بطرابلس. إقرأ المقالة فى صفحة المنارة. يقول عارف، وسأسميه العارف، لأنـّه فعلاً يعرف خبايا الأمور، فقد استطاع أن يصل إلى سجين لم تستطع حتى المنظمات الدولية الوصول إليه! يقول العارف " أنّ الشارع الليبي حاليا بتصاعد أختلافات رؤيا" يقصد هنا اختلافات بشأن فتحي! وقد شدّتني هذه الجملة رغم المقالة بكاملها لم تشدّني فقد كتبها بتكلف الحياد! قبلها. لكنّ بعض الجمل فيها قضت على كل حياد وعرّت هذا التظاهر. فهل لي أن أسأله ومنذ متى كان الشارع الليبي يؤخذ في الحساب؟ لابد وأنّ العارف كان يقصد بالشارع الدوائر الأمنية المغلقة القريبة منه ومن صاحب القرار فقد اعتبرها تمثـّل رأي الشارع. فهو يسكن حي الأندلس ولاأعتقد أن له علاقة بالشارع!
ماهي مصادر معلومات هذا الشارع، وكما أسلفنا، بأنـّه محكوم بأن يرى بعين واحدة ويسمع بأذن واحدة وله مصدر واحد للمعلومات (الإشاعة). وكيف يحكي (العارف) عن شارع بالمطلق وقضية فتحي الجهمى لم تنزل إلى الشارع ولم يتناولها الإعلام الليبي من قريب أو بعيد. فالشارع بعيد عن فتحى وفتحي منذ أربع سنوات لم يرَ الشارع. هل ماقاله فتحي الجهمى نقلته وسائل الإعلام المحلية مباشرة، فضائية القنفود، على سبيل المثال! أو نقلته الإذاعات المرئية والمسموعة التى يفتتحها سيف كل يوم. لو أنّ هناك حسـاب لما يقوله الشارع لما دخل فتحى السجن ولما صاح الغوغائيّون أمام بيته لمدة يومين. حين حُرقت السفارة الأمريكية، في صيف 79 في طرابلس، كان مبرّرالسلطة أنّ "الجماهير" اندفعت من عندها ولم يكن بالإمكان ردعها. وعندما أُقتحمت سفارة دولة الكويت فى ربيع 2003 وأُنزل العلم الكويتى ليُبال عليه، وكان ذلك فى طرابلس، عاصمة الثقافة الإسلامية، جاء الردّ أنّ "الجماهير" هي من فعل ذلك ولانستطيع ردعها. لقد صارصعباً على العقل أن يميّز بين ماتعنيه كلمة شارع وماتعنيه كلمة جماهير. جماهيرتـُرمى بالرصاص حين تظاهرت في بنغازي فى 17 فبراير 2005 فتسقط بالعشرات في وقت كان التظاهر فيه مسموحاً في كل أرجاء العالم! وجماهير يُبارَك لها أن تفعل ماتشاء، فتحاصر بيوت الناس، مع أنـّها حُرمة في كل الأديان، والنظرية الخضراء تقول " البيت ملكيّة مقدّسة" فماحيلة عقل فتحي أمام هذا التناقض، وهو يرى أنّ العقاب لايساوي الجريمة، بل يفوقها بألف مرّة‍؟ أليس غياب العقل أهون من إيقاف نزيف الذاكرة، حين تطفح تناقضات العصر وتكشـّر عدالة القوة عن أنيابها.
لقد حذّر الجهمي قبل دخوله إلى السجن من أنّ الذي تبقىّ للقذافي أن يفعله هو " أن يسلـّمنا سجادة صلاة ويأمرنا أن نسجد أمام صورته ونعبده" وقد حصل هذا بالفعل. فالوثنيّون صاروا يقيمون الصلوات وقوفاً حين تـُتلى عليهم برقيات التهاني التى تُلقى في المؤتمرات والملتقيات التافهة، ويقفون قياماً من على كراسيهم للإنصات إلى كلمات تمدح طاغية، ومنهم من يضع يده اليمنى على اليسري ليفوز باستكمال شروط الصلاة‍. إذا أريد لك التحقق من ذلك فما عليك إلاّ أن تفتح مرئية القنفود التي لايهمّها أخبار فتحي الجهمي ولامايقوله رجل الشارع ولكنـّها تصوّرلك فعلاً انحطاط النفس البشرية في ظل عصر الجماهير، في ظل القرن الواحد والعشرين، وليس في العصور المظلمة الغابرة التى حدّثتنا عنها كتب التاريخ.
في هذه الأوقات ليس هناك مبرّر من إجراء النقاشات فيما إذا كان عقل الجهمي يزن بلداً أو لايزن شيئاً ساعة سواد الفكر الشمولي. الآن ليس أمام معارضتنا المدنية إلاّ أن تحمل عبأ ملف حقوق الإنسان فى ليبيا وتمضى به قدماً لتضغط على حكومات الدول الغربية، وخاصة منظمات الولايات المتـّحدة التى قطعت على نفسها وعداً بتحسين حالة حقوق الإنسان، وخروج كل سجين للرأي. ولنرى ساعتئذ فيما إذا كان عقل الجهمي قد أفسدته الزنازن والسجون، فيتحمّل القذافي وزر ذلك فى الدنيا والآخرة، أو أنّ الزنازن زادته رجاحة فيقوم بأداء واجبه على أكمل وجه. ولاتزال حكوماتنا تـَقمع الأصوات المعتدلة حتى تـَسمع صوت دويّ الإنفجارات ، وهذا هو حالنا نحن العرب.

بوزيد لهلالي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home