Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Wednesday, 21 May, 2008

الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

الدستور: تدوين حقوق أم ممارستها؟ ( 2 من 3 )

دستور أو نظرّية

بوزيد لهلالي

وكما وعدناكم في المقال السابق سنتعرّض في هذا المقال للفريق الذي يطالب الآن بكتابة دستور جديد. ماهي توجّهات هذا الفريق، وهل هو ممن عانى غياب العدالة نتيجة الفراغ الدستوري في ظلّ الإنقلاب، أم أنه ممن استفاد من غياب العدالة ويسعى لتقنين أوضاعه.
من خلال مشاهداتنا لتقرير الحرّة في اليوتوب، الذي عُرض في صفحة ليبيا وطننا في 2 مايو، اتـّضح لنا أنّ الضجة القائمة حول الدستور يقودها فريقان، أحدهما حكومي يمثـّل معارضة الإبن، والآخر حكومي يمثـّل سلطة الأب. وعلى هذا نستطيع القول بأنّ المطالـِبين بمشروع الدستور الجديد هم حكوميون بلا منازع، بل وينتمون لمعمر القذافي، فكراً ودماً. معارضة الدّم مثـّلها في تقرير قناة الحرّة رئيس جمعية القذافي(الإبن) محمّد طرنيش، ووجهة نظر السلطة مثلها الدكتور بوخزام الذي كان أميناً مساعداً لمؤتمر الشعب العام.
جناح "المعارضة" المُطالـِب بالدستور، وكما رأينا في تقرير الحرّة المُقتضب، كان مجرّد واجهة في ديكور، أُريدَ منها أخذ الإنطباع بأنّ هناك وجهة نظر للشعب، ممثــَلة فى المجتمع المدنيّ الذي ليس له وجود في ليبيا. أرجَـعَ جناح الإبن الفساد والفوضى لغياب الدستور، وقال ممثله حرفيّاً، ولهذا عادت الدولة من جديد لبحث مسئلة الدستور! لا أدري هل الدولة هي التى تعود لبحث مسئلة الدستور أم الشعب.
نحن نعلم أنّ المطالبات بالدساتير تعود دائماً إلى الشعوب وليس للأنظمة. الأنظمة ليس لها مصلحة في تقليص نفوذها السياسي حتى تـُطالـِبَ بالدساتير. فكلـّما زاد فضاء حقوق الناس ضاقت رقعة نفوذ الدولة. وهذا أمرٌ تعرفه النظم وخاصة الدكتاتورية منها، ولذا لاتميل لطرق باب المطالبة بالدستور. الشعوب هي من يُطالب بالدستور وهي من يحافظ عليه ويمارسه. وهذا مايجعل من الحقوق راسخة وثابتة وباقية. فالحقوق ليست هبة توزّعها الأنظمة في جمعيـّاتها التمويـنية.
الدساتير تخلقها الشعوب لتصنع منها أنظمة حكم مقابل حقوق. وعلى هذا فصناعة نظام الحكم هو عمل راجع للشعب وليس للكتاب الأخضر. فالشعب يختار نوع الحكم الذي يناسبه ويضع الحقوق التى تناسب حرّيته. فهل سيختار الشعب هذه المرّة نظاماً ديموقراطيّاً وحقوقاً تعود مرجعيّتها إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أم أنـّه سيختار الجماهيرية كنظام حكم والكتاب الأخضر كمرجعية. إذا كان المتحمّسون لهذا الدستور هم حكوميين ومن حواريي عصر الجماهير فالأقرب أن يكون الكتاب الأخضرهو المَرجـِع للدستور، ربّما بطبعة جديدة منقــّحة بتصرّف. يخرج فيها الدستور الجديد كلعبة طفل مصنوعة في الصين تتـكسر بمجرّد استعمالها.
دعونا نتعرّف أولاً على هذا الفريق الحكومي الذي يريد أن يَعبُرَ بنا مستـنقع الثورة ليضعنا سالمين على ضفاف نهر الدولة. أحد أعمدة هذا الفريق هو الدكتور إبراهيم بوخزام الذي قدّمته إذاعة الحرة على أنـّه خبير قانوني وكتبت تحت صورته (عضو لجنة إعداد الدستور في ليبيا) أليس هذا الدكتور من المتحمّسين للنظرية العالمية الثالثة، فكر معمّر القذافي كما يسمونها، فكيف لايكون متحمساً وقد كان أميناً مساعداً لمؤتمر الشعب العام. إذا كان كذلك فهو ليس بخبير دستوري ولكن إمّعة سياسية، حدُّ خبرتها قراءة ملازم كلية الحقوق وحفظها على ظهر قلب حين كان طالباً وقبل أن ينقلب إلى الإنخراط في العمل الثوري لتحقيق مصالحه الذاتية. الدكتور بوخزام فزانيّ الأصل، على مايظهر من لكنته. لقد عرفنا الفزازنة فى بنغازي على أنـّهم ناس طيبون، فقد كانوا يأتوننا في المدينة طلبة في كلية الحقوق. يؤجّرون البيوت، كل عشرة فى بيت، لايخرجون منه إلاّ للجامعة، أو للدكـّان المجاور ليشتروا منه "حلوة معجونة" يضعونها قرب ملازم الدراسة، على نفس الفراش الذي يباتون عليه فيأكلوا كاشيك حلوة معجونة مقابل خمسين صفحة قراءة، لتلك الملازم، وهكذا حتى الصباح حين يحين موعد انطلاقهم إلى الجامعة التى يتخرّجون منها بتقدير جيد جداً.
من أين تأتي الخبرة لهؤلاء، أعني من أين تأتي الخبرة السياسية، لإنسان يعيش ويتعايش مع نظام شمولي التوجّه وآحادي النظرة. الخبرة تحتاج لمعايشة أنظمة سياسية ومدنية منفتحة على الناس، وتقدّر الخبرة الإنسانية بتنوّعاتها. أنظمة يأتى بها الحِراك السياسي والحِراك المدني والتواصل مع ماينتـجه الغير. فمن أين يأتي النورلمن يعيش في كهفٍِ ضيّق. وهل تتسع الخبرة حين تضيق الرؤية. وهل تـُرجى حكمة ممن ارتضى لنفسه النظر بعين واحدة من خلال ثـُقب ضيّق في نظرية شمولية صنعها دكتاتور.
بوخزام هذا، وقد تقلـّد مناصب عدّة من بينها أمين مساعد لمؤتمر الشعب العام لم يخرج عن نطاق النظرية "الجماهيرية " والكتاب الأخضر. شغل أيضاً رئاسة " المركز العالمي لدراسة وأبحاث الكتاب الأخضر" على ما أعتقد. فهل هذه المناصب الحكومية تـُكوّن لدى المُشتغل خبرة في مجال حقوق الإنسان. هو أيضاً من المتحمّسين لفكرة "الأمن الشعبي المحلي" فقد أعطى محاضرة فى هذا المجال منذ أيام مضت، وأعطى أيضاً مقابلة لفضائية القنفود الحكومية، ذكر فيها أنّ تطوّع الناس في الأمن الشعبي المحلي، هو مايُعجّل من اختفاء "الشرطة التقليدية" ولم يقل اختفاء الأجهزة الأمنية، التى ملئت البلاد ضجّة وتعيش بمرتـّبات خيالية تـُدفع من خزينة الشعب المتطوِّع.
الكتاب الأخضر الذي يدعونا بوخزام إليه جرّبناه قرابة الأربع عقود الماضية فهل نفع معنا تطبيقه وهل هو إلاّ فكر شخص بعينه، كما يسمونه (الكتاب الأخضر، فكر معمّر القذافي) أم أنـّه تجربة شعب صاغها في عقد إجتماعيّ ووافق على تطبيقها. هل هذا الكتاب من إنشاء الشعب وقد استـُفتى عليه وأقرّ تطبيقه. هذا الكتاب هو الذي قدّم للنظرية "الشعبية" التى طـُبـّقت على الشعب بإسلوبٍِ غوغائي اعتمدته دكتاتوريات كثيرة قبل معمّر القذافي ولم تنتهي إلى نتائج تقدمية تذكر. ليس آخرهذه الدكتاتوريات نظام ماوتسي تونج الذي اتـّسم بالعنف والفوضى وشرّد الصينيين حتى أصبح لهم فى كل عاصمة حيّ. لقد سمى ماوتسي تونج بلاده بالصين الشعـبيّة. مع أن النظرية الشعبيـّة لاتعني حكم الشعب أو الديموقراطية كما قدّموها لنا ولاتعني الشورى بشكلها الديني الثيولوجي فكلتا النظريّـتين، الدينية والعلمانية، جاءت بأطر نيابة، مجلس شورى فى النظام الدينى ومجلس نواب فى النظام العلماني، كلتيهما لا تستند على العوام أو الدهماء أو الغوغاء في حمل المسؤلية. أمّا النظرية الشعبية فلا تعمل إلاّ بالغوغاء الذين تسمّيهم تجاوزاً "شعب". فهي من يحاول مسخ الشعب إلى غوغاء سياسية، حتى لايُسمع له صوت مدنيّ. في ظل هذه النظرية يغيب حس الشعب بتنظيماته المدنية (إدريس بوفايد،فتحي الجهمي). التنظيمات المدنية أُلغيت بالكامل في ظل النظرية الشعبيّة. ألغيت بطريقة شيطانية تحوّلَ الشعب على إثرها إلى رقيق سياسي، يسمّونه احتيالاً (رقيب سياسي).
النظرية الشعبية احتالت على الديموقراطية بطرحها للمؤتمرات الشعبية كبديل للمجالس النيابية. الإحتيال لم يكن فقط في جعل المؤتمرات الشعبية مجالس نيابية بدون انتخاب، ولكن فى خلطها للمجتمَعين السياسي والمدني في مجلس واحد غير منتخـَب. ليس هذا فقط بل وتغليب المجتمع السياسي على المدني. وبهذا أُلغيَ المجتمع المدني وتمّ دمجه في المجتمع السياسي داخل المؤتمر. لقد أبقت النظرية على النقابات والاتحادات كبرواز، في هذا المؤتمر، وبدل أن تعترف لهما بالصفة المدنية وتبقيهما أجساماً مستقلـّة جعلتهما يقرّرا لصالح المجتمع السياسي، "الجماهير" وبالنيابة عن المجتمع المدنيّ.
لم تصل المؤتمرات الشعبية إلى هذا الحدّ وتقف بل حوّلت حيلتها إلى مكيدة حين أوكلت سلطانها إلى الغوغائيين الذين اسمتهم "جماهير" وهُمْ عصابات أمنية تفرِض رؤيتها الشمولية على الشعب وتحوّله، باسم النظرية الشعبية، إلى ميليشيات سياسية هدفها إطالة عمرالنظام. لقد صرفت هذه المؤتمرات النظر عن حقوق الشعب، فانصرف عنها وهجرها. فالشعوب مدنيّة بطبعها، لاتستريح لفنون التعبئة الأديولوجية، خاصة إذا كانت هذه التعبئة نوع من غسيل الدماغ الرخيص. الشعوب تريد حقوقاً ولاتريد سياسة، تريد حرياّت ولاتريد نظريات. النظريات لايمكن الإعتماد عليها فى صناعة الدول. لقد اعتمد القذافي على النظرية "الشعبية " لأنـّه لم يجد إطاراً غيرها يمكـّنه من البقاء حاكماً مدى الحياة. الإعتماد على الدهماء كان الأسرع لتحقيق حُلمه في السلطة ولهذا كان دائماً يهدّد الشعب أفراداً وجماعات باستخدام "الجماهير" ضدّهم. وكأن الشعب لايعلم بأنّ مصطلح الجماهير يعني في النظرية الجماهيرية الغوغاء والفوضى.
المؤتمرات ليست المكان الذي يطالـِب فيه الشعب بحقوقه، الكل يعرف ذلك. مثلما المجالس النيابية ليست المكان الذي يطالب فيه الشعب بحقوقه. مكان الحقوق فضاء آخر مستقل اعترفت به الديموقراطيّات النيابية وأعطته حرية العمل خارج أطر البرلمانات، وجعلته فضاءً خاصاً بالمجتمع المدنيّ، ولهذا كانت ديموقراطيّتها التقليدية أقرب للواقـعيّة. أما المؤتمرات الشعبية فليست أكثر من مطابخ نـُصبت للمكائد وتسييس الشعب وإسقاط الصفة المدنية عنه والزجّ به في نقاشات بيزانطية، جانبية كان الأولى بها أن تُـحال إلى متخصصين.
حكم الشعب يعني تفويض الشعب لسلطة تنفيذية وتشرعية تـُسيير سياسة البلاد، بينما يتفرّغ الشعب لتسيير أموره المدنية وليس السياسية. السياسة يفوّض الشعب لها أناسها. فالإنسان المناسب فى المكان المناسب، تكنوقراط الإدارة هم أولى بتسيير الأمور. القانوني يعمل فى المحكمة وخبير الحسابات يعمل فى الإقتصاد والآكاديمي يعمل فى التعليم والطبيب فى الصحة والسياسي مكانه البرلمان وكل هؤلاء يعملون لصالح الشعب وليس لصالح نظرية. ولكنّ هذا الأمر لم يتمشـّى مع النظرية الجماهيرية. وقد رفضته بالكامل لأنـّها تؤسس للفوضى. لقد وضعت الطالب رئيساً للجامعة والغفير مديراً للمستشفى والضابط مديراً للإذاعة ورجل الأمن سفيراً والمتشرد أميناً للمؤتمر.
أيمكن الإطمئنان لنظام مثل هذا في خلق دستور منتـَظر للبلاد. لا أظن ذلك! فالدستور لن يكون فاعلاً وهؤلاء أبطاله. فهل الدستور إلاّ عقداً اجتماعياً يضعه الشعب فيما بينه ليبيّن ماله وماعليه.
سنتعرّض فى الجزء الثالث والأخير إلى من هُمَْ أوْلى بالمطالبة بحق الدستور.

بوزيد لهلالي


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home