Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Friday, 21 March, 2008

معـارضة بهـويّة مدنية ونظام يبحث عن الشرعـيّة؟

بوزيد لهلالي

أطلّ علينا شهر مارس هذا العام ونحن ننتظر انعقاد المؤتمر الوطني الثاني للمعارضة الليبية الذي سيأتي هذه المرّة وسط ظروف صعبة تعيشها معارضتنا الليبية. ظروف تتعلـّق بهويّتها وبالدور الذي قد تلعبه مستقبلاًً . فأي دور تلعبه المعارضة مستقبلاً سيرغمها على إيجاد صك "شرعي" لوجودها. الصكّ الشرعي هو الهويّة. فبدونها لايمكن لأي معارضه لعب أي دور مدنيّ أو سياسي داخل الحلبة السياسية.
قد لايعلم البعض بأن المعارضة الليبية بدأت نشاطها كحركة رفض طلابية، إنطلقت من الجامعات عام 76 تدافع عن حقـّها فى نيل حصتها من المجتمع المدني وتطالب السلطة بعدم دمج مجتمعها المدنيّ (الإتحاد العام لطلبة ليبيا) في نسيج السلطة السياسية. باعتباره مجتمعاً غير حكوميّ (NGOs). النقابات والجمعيّات والإتحادات هي أجسام مدنيّة لايمكن دمجها في المجتمع السياسي. دمج ذلك الإتحاد في المجتمع السياسي لم يحقـّق سوى موت الديموقراطية أما غيابه فقد أنذر بانفراد المجتمع السياسي بالسلطة ومن ثمّ عزلته التامة عن هموم الشعب. الشعب الليبي كان مؤهلاً لتأسيس المجتمع المدنيّ، فتجاربه الحيّة في تكوين الجمعيات الأهلية والمؤسسات المدنية منذ حقبة الخمسينات حاضرة*( جمعية عمر المختار، جمعيّة المرأة النسائية، الإتحاد العام لطلبة ليبيا، اتحاد نقابات العمّال.) لكنـّه رغم هذا لم يستطع بهذا التاريخ الطويل إيقاف هذا الدمج التعسّفي الذي قامت به سلطة سبتمبر. برنامج سلطة الشعب الذي ادّعاه النظام تراجَعَ بفعل هذا الإلغاء. انقلاب سبتمبر لم يُسجَّـل خطوة واحدة فى اتـّجاه انشاء الجمعيات الأهلية! اللهم إلاّ الجمعيات التى أُسندت إلى أبناء صاحب السلطة وذويه. قيام المجتمع المدني كان من شأنه تمهيد الطريق أمام إلغاء الطبقات الإجتماعية لأنّ تمحور المجتمع المدنيّ حول تكوينات مهنية واحدة يحقـّق مبدأ المواطنة ويمكـّن من الدفاع عن الحقوق الفردية وهذا من شأنه تمكين الديموقراطية من العمل بسلاسة.
مطالب المجتمع الطلابيّ بفعل هذا الإلغاء تحطمت وآماله في إعادة اتـّحاده أُحبطت. فبعد أن قفلت السلطة أذنيها وقامت بقمع الحركة الطلابية بعنف استبدلت اتحاد الطلبة بليبيا باتحاد كرتوني تابع لها ل (سلطة الشعب). أدى هذا الإلغاء إلى إحداث خلخلة رهيبة في التركيبة السياسية انتهت بانفراد النظام بالسلطة. لم تستطع الحركة الطلابية الدفاع عن نفسها ولاعن مجتمعها المدني. وقد وجدت نفسها تقف في مفترق الطرق! إمّا أن تقاوم سلطة إرهابية تملك كل أدوات العسف أو أن تقبل بهزيمة مؤقـّته وترمي كرة النار داخل ملعب السلطة باعتبار اختفاء المجتمع المدنيّ يرفع عن السلطة غطاء الشرعية. أُجبرت الحركة الطلابية على وقف نضالها ضدّ السلطة، فالثمن كان غالياً لإعادة الإتـّحاد ( تمّ فصل بعض الطلبة من الدراسة، وتمّ سجن البعض الآخر، وتعذيب وإعدام البعض) تحوّلت الإنتفاضة الطلابية بعد سحبها لنفسها من حلبة الصراع، بفعل حسم السلطة للموقف عن طريق الإرهاب، إلى حركة رفض كامنة، انتقلت بعدها إلى الخارج لتعبّر عن نفسها بشكل علنيّ وصريح في تكوين فصيل مدنيّ معارض سُمي بالمعارضة الليبية في الخارج، تمّت تحرّكاته تحت مظلـّة جبهة الإنقاذ الوطنيّ. حركة المعارضة الليبية ولدت إذاً من رحم المجتمع المدنيّ بعد أن تبرأت من السلطة التى ترفض وجود أي شريك معها، مدنيّ كان أو سياسيّ! إصرار المعارضة في مؤتمرها عام 2005 على عدم اعترافها بسلطة سبتمبر كان الرّد الطبيعي على فشل السلطة في التعايش مع مجتمع مدنيّ مستقل بذاته تربطه بالمجتمع السياسي علاقة المرايا بالخيال. كما أنّ ألغاء السلطة للمجتمع المدني (الإتحاد العام لطلبة ليبيا) هو سبب مطالبة المعارضة بتنحي رمز السلطة عن الحكم، باعتباره الخلل الماكن في جدار المجتمَعَين السياسي والمدنيّ. هذا الشرط الذي تبنّته المعارضة في مؤتمرها الماضي غرضه التمهيد لمسرح سياسيّ جديد يعود بفصل السلطات وقيام حكومة وطنية منتخبة يحدّد سلطانها وتحرّكاتها دستور ثابت يُعرَض للإستفتاء الشعبيّ.
تجتمع المعارضة هذه السنة مرّة أخرى ولكن أمام تطوّرات وتحدّيات جديدة نشأت فى العامين الماضيين، من بين هذه التطورات، هروب النظام إلى الأمام ورفعه لشعار الإصلاح** ومن ثمّ ركض بعض المعارضين خلف هذا الشعار وكأنـّه جزء من صفقة لابد وأن تتم لكسر طبقة الجليد الذي تفصل بين السلطة والمعارضة. تصوّر وجود جليد يفصل بين السلطة والمعارضة هو تصوّر سطحي! لأنّ عزلة السلطة أكبر من أن يصوّرها جليد قابل للذوبان. انفصال السلطة عن المعارضة وعن الشعب برمّته هو انفصال جذريّ لاتزيله إذابة بعض الثلوج من الطريق. إنفصال السلطة ماكنٌ في تركيبتها السياسية، التى بدأت عسكرية ثمّ تحوّلت إلى دكتاتورية ليس لها رادع! تضرب بكل حقّ سياسي ومدنيّ عرض الحائط. المعارضة هي الأخرى لاتعدو عن كونها جسم نخبوي مدنيّ ولد في حرم الجامعة، ورفض السلطة ثم انشقّ عن الدولة بالكامل باحثاً لنفسه عن هوية للنضال.
كلا الجسمين لايمكنه الإعتراف بالآخر سياسيّاً! فكلٌ سيلغي ذاته حال اعترافه بالآخر! نظام دكتاتوريّ يبحث عن شرعيّة ويجاهر ليل نهار، بأن (من تحزّب خان) وأنّ ( التمثيل تدجيل) ومعارضة لايمكنها المساومة على وجودها وعلى حقوق الشعب المغيّب باعترافها بنظام غير شرعيّ.
النظام جرّ المعارضة مرّات عديدة إلى وحل الإعتراف به. وقدومه هذ المرّة بسلـّة الإصلاح ليست إلا واحدة. الإصلاح أذاً صفقة يريد النظام من ورائها إثبات شرعيّته ويعتبرها نوعاً من إعادة الروح لمشهده السياسي الباهت الهزيل. الأمثلة كثيرة على فشل صفقات الإصلاح في العالم العربيّ "المعاصر" فالتلويح بالإصلاح لايأتي إلاّ حين اقتراب النهاية التي تلي انتهاء الصلاحية بحقبة من الزمان! سلة الإصلاح التى قدّمها النظام جاء بها وريث أطلّ على الناس من الأبواب الخلفية. لذلك كانت سلـّته تحمل مزيداً من التناقضات. جاء الوريث بخطاب ممجوج لايضيف إلى الخلطة السياسية إلاّ وعود تشبه البرامج السياسية التى يقدّمها حزب سياسيّ يخوض تجربة الإنتخابات لأول مرة. برنامج سيف الإصلاحيّ يحمل صفقة إلى "الشباب" تستثني الكبار، أصحاب العظام النخرة التى ذابت في مزرعة القذافي منتظرة الذي يأتي ولايأتي. فالشباب هم المعنيّون بهذه الصفقة، مادام النظام يريد جرّهم خلفه، بعد أن تأكـّد له أنهم شريحة عصيّة عن الترويض. شريحة ترعرت في عصر الفوضى ( جيل الغضب). لايمكن لسلطة أفلست واستنفذت كل وسائلها أن تستخدم غير الجزرة مع هذه الشريحة. فهي تغريها بالميل للوعود المعسولة الكاذبة تارة وبالرشاوي الرخيصة المنهوبة من الخزينة العامة تارة أخرى (سيارات زواج إلخ.) العبور لخندق الإصلاح والولوج إلى هوّة الفساد هما عملة واحدة بالنسبة لهذا النظام. فبعد أن انتهت صلاحيّته صار يجرّب كل الحلول. حاول هذه المرة ضرب عدة طيور بحجرة واحدة. يريد الجمع بين الفرقاء، معارضة وشباب ضاع على نواصي الطرق، ووريث بخطاب ممجوج يعتقد أنـّه سيعوّض عن وثيقة اثبات الورثة التى لايملكها. مسرح عبثيّ بكل المعاني، لايمكنه الفوز بأي شريك أو متعاطف.
لاينبغي بالطـّبع للمعارضة الليبية الخوض في هذا المسرح ولا أن تلعب دورالشريك السياسي حتى وإن أرادت ! لأن لعب الدور السياسي لايتأتى للمعارضة بدون هوّية سياسية ومسرح شرعيّ! فالمعارضة في الأساس بدأت مدنية فهي ليست جسماً سياسياً (Opposition)يتمتع بشرعية التعارض دستورياً ويشارك حزب حاكم في كراسي الحكم ويقيم معه داخل أروقة البرلمان. وعلى هذا فلا علاقة لجسم منشق بالجلوس مع سلطة يرفض وجودها! ليس له مايخوّله شعبيـّاً بالقيام بهذا الدور! المعارضة في أحسن أحوالها ليست سوى جسم منشق (Dissidents) أو مجموعة من الخصوم (opponents) انشقوا عن الدولة بمجرّد رفع الستار عن مسرح سياسي هزلي بممثل واحد، طالت مناجاته لنفسه (monologue) بعد أن رفض مشاركة معارضيه. فبالمعنى الديموقراطي لايوجد شريك سياسي عفيف يطالب بسلطة مسروقة! وبالمعنى السياسيّ لايمكن لجسم منشق، تمت ولادته من رحم المجتمع المدنيّ، أن يركض لمجرّد أن تقبله سلطة غير شرعية. الحلحلة هوماتحتاجه سلطة سبتمبر غير الشرعية. أما الإنشقاق، فلايشكـّل نقيصة في جسم معارضتنا الليبية، بل على العكس الإنشقاق هو أحد أسباب قوة الجسم المعارض، فكما يخبرنا مؤسس الدستور الأميركي توماس جيفرسون، الإنشقاق هو " أعلى مراتب الوطنية". لكنّ الإنشقاق المدنى لايمكنه لبس جبّة السياسة والقفز على مطالب مجتمع مقموع من قِبَل سلطة مغتصبة.
حِوارات المنشقين يجب أن تتمّ حول تعزيز الديموقراطية وعودة الحقوق المدنية والسياسية الضائعة واستحضار الدستور المختطف. أما الدخول في صفقات سياسية تمس شرعية النضال وتبقيه محصوراً في الصراع على السلطة فهو عمل الفصائل المتمرّدة، في أفريقيا. حلحلة وإصلاح الوضع القائم هو عمل المعارضة الليبية. أما عودة الدستور في ظل مناخ ديموقراطي فهو ماتطالب به هذه المعارضة. إذا كان غياب هذا الدستور نقصاً في أهلية السلطة فالقواعد التى تحكم قيام المجتمعات السياسية هي نفس القواعد التى تنسحب على المعارضات السياسية. ومادامت المجتمعات السياسية لاتنال شرعيّتها إلاّبالإنتخاب أو التمثيل الشعبي، فالمعارضات أيضاً لايمكنها الدخول إلا من هذا الباب. وعليه فلا يمكن أدبياً لمعارض أن يقبل بصفقة الإصلاح على حساب الإصلاح أو أن يقابل رموز غير شرعية على حساب عودة الشرعية ذاتها.
________________________________________________

  *   راجع مقالات الأستاذ عثمان العالم عن النقابات ودورها في حقبة الستينات في الصفحات الليبية .
**  ما أُنجزه الإصلاح حتى الآن هو رتوش وعمليات تجميل مطلوبة من القوى الدولية كجزء من مشروع سياسي كبير يسمونه الشرق الآوسط الكبير تحاول فيه الدول الكبرى إعادة تنظيم الخريطة السياسية لدول المنطقة على اساس الأهلية للنظم المارقة وقبول الدكتاتوريات كشريك عمل علمانيّ يعوّض عن الشريك الديني المتطرّف الذي تحلم به المنطقة نتيجة الإحباطات المتلاحقة من النظام الرسمي. فقد وضعت الدول الغربية " المجتمع الدولي" شروط واستحقاقات تؤهل هذه النظم. كي نكون شريكاً سياسياً معها فى عقد الصفقات الحميدة في عيون القانون الدولي ولذا كان على النظام الليبي أن يغيير ملامحه القديمة كي يتمكن من عقد الصفقات النفطية بمباركة دولية. الإصلاح الذي تعنيه المعارضة ليس هذا بل هو إصلاح بنيوي يطال النظام الليبي وسلطته التى سمّيت زوراً بسلطة الشعب.
إذاً لاينبغي بعد ثلاثين عاماً من النضال فى طريق تصحيح تشويه خلقي فى بنية الدولة أن يركض البعض وراء إصلاح يأتي بمكاسب شخصية. لابد لأي سلطة أو معارضة كي تشرع فى العملية السياسية أن تبني أطرها ومؤسساتهاعلى أسس شرعية وقانونية وبأطر مؤسساتبية قابلة لطرح ونقديم الخدمات. إذا لم تتعدى المعارضة والسلطة مأزق الهويّة والشرعية فستبقى الأزمة الليبية مابقي الدهر.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home