Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Wednesday, 18 October, 2006

وثبة محسوبة أم قفزة عـمياء؟(*)

بوزيد لهلالي

مايكل بورتر عالِـم اقتصاد معاصر. تحصّل على بكالوريوس فى مجال الهندسة المكانيكية، قبل أن يلج الى عالم الإقتصاد. وقد مُنح في عام 73 شهادة دكتوراء فى الإقتصاد من جامعة هارفرد، الغنية عن التعريف، كما منحته نفس الجامعة درجة بروفسور قبل أن تسند إليه إدارة مركزها الإقتصادي وهو معهد الأستراتيجية والتنافس ، الذى افتتحته الجامعة برأسمال قدره مليار دولار. كفاءة هذا الرجل وقدرته عاليتان وإلاّ لما اختير لتقلـّد هذا المنصب القيادي. فهو لم يحتلـّه عنوة بدبّابة عسكرية أناء الليل، أو أن يستأثر ساعة غياب الكفاءات.
منذ عام ونصف، تقابل سيف العقيد مع هذا العالِم فى دافوس، بسويسرا، أثناء انعقاد (منتدى العالم الإقتصادي) حيث طلب منه سيف، ودون تفويض من أحد، أن يجري له دراسة علمية، تستطيع إخراج الإقتصاد الليبي من ترع الوحل التى غطّته، منذ أن اغتصب والده السلطة. البروفسور الأميركي قـَبـِلَ الطلب المغري دون تردّد، مع أن لسان حاله كان يقول: ما لهذا الصبيّ يبحث عن استشاراتي، ووالده قد وضع نظرية عالمية فى الإقتصاد، لم يخف فيها وعده بالإنعتاق النهائي للبشرية. ثم ما الذي يقوله، أليس اقتصاد ليبيا معتمد على سلعة النفط؟ وهي سلعة لا تنافس على إنتاجها، بل التنافس يحتدم بين المستهلكين لها!!
ليس ثمة ما يبعث سيف لطلب المعونة من هذا العالِم، سوى حصوله على محفظة سمينة مليئة بالمال العام، فسيف لا يعاني البطالة التى يعانيها أبناء جيله في ليبيا، وهو دائماً مشغول إمّا في دافوس أو في طوكيو أو فيينا وهو لا يحترف الوقوف على نواصي الطرق، مثلما يفعل أبناء جيله من ليبيا.
أما عالمُنا من هارفرد فلا توجد بحوزته عصا موسى، كي يفلق بها البحر، ويمكـّن الشباب الليبي من المرور والخروج من ظلمة الفرعون. فثقافة البلاد التى دعي لمساعدتها هذا العالِم، لا تتعامل مع الأحجبة والتعاويذ المستوردة. فالمشكل الوطنيّ لا تحلـّه إلاّ القوى الوطنية، والإقتصاد الوطنيّ ليس له إلاّ الخبراء المحليّون. وأشدّد القول هنا على القوى الوطنية، فبدون الوطنية لا يمكن للأشياء أن تنقضي في الدولة الواحدة. ولو دعونا العالم كله لحلّ مشاكلنا لما أعطانا إجابة واحدة، كافية ووافية. لكن خبرائنا المحلـّيين هم من ينصحنا بالقول، إرفعوا أيديكم عن بلادنا، أيّها الساسة المغفـّلون، وسترون اقتصاداً منتعشاً من الغد. فلا صاحب مركز المليار دولار ولا مراكز العالم بأكملها، وإن اجتمعت، تستطيع انقاذ اقتصاد دولة حَرمت مواطنيها من حقوقهم المدنية والسياسية واستأثرت بحكمهم وحدها عن طريق ثلـّة من البدو الرحّل، نجحت بعنفها على عزلهم جميعاً وجعلهم متفرّجين.
طلبُ سيف لبورتر، يشبه إلى حدٍ بعيد طلب أبيه، الذى استضاف رئيس ماليزيا عام 2003 ليسأله عن السر الذى جعل من ماليزيا أحد نمور آسيا الإقتصادية. وكأن الوالد يعتقد بأنّ الإجابة محفوظة من نمر ماليزيا فى سطر واحد، أو تأتي على طريقة مقولات الكتاب الأخضر. كان الوالد يسير بالضبط على خطى الدكاترة، أو الدكتاتوريين الذين سبقوه، فستالين، له طلب غريب مثل هذا، قدّمه لفورد من قبل، فورد هو صاحب مصانع فورد الشهيرة للسيارات، حيث طلب منه الدكتاتور المساعدة في خلق قلعة صناعية في روسيا، تسير بعمّال لا تستعبدهم خطوط التجميع فى المصانع assembly lines . بالطبع، لاتوجد عند التيكون الأمريكي أجابة لستالين. فهو من جمع ثروته عن طريق إستعمال خطوط الإنتاج، فكيف له أن يقطع أوصالها ويتخلّص منها. الإجابة لم يطل انقطاعها، فقد أتت ستالين عن طريق التكنولوجيا، حين استبدلت العامل بالرّوبات، فتحرّر العامل فعلا، من خطوط التجميع، لكنـّه وُضع تحت خط الفقر، ينتظر مساعدات الدولة، ويستجديها في الحصول على منحة من الضمان الإجتماعي .
اقتصاد السوق، بمعاهده ومستشاريه، لا يهدف إلاّ لكسب الربح، والربح ليس عيباً لكنّ الرابح لا يقدّم النصيحة بدون مال، ولا يعرف العطاء بالمجان، فالمقابل هو سبيله الوحيد لإعطاء النصيحة، أمّا ما يحتاجه المنصوح فهو تمحيص النصيحة قبل دفع ثمنها والعمل بها. فهل ظن الصبي أن أحجبة هذا المسشار ستجعل من إقتصاد ليبيا منافس لاقتصاد أمريكا في يوم وليلة أو حتى فى قرن وليلة.
عندما نتحدّث عن رأسمال هذا المركز نجده قد وصل المليار دولار، وهنا لا نتكلم عن رأسمال هوتيل، من خمس نجوم، في حي مانهاتن بنيويورك، نتكلـّم عن ميزانية مركز علميّ، مصروفاته وأصوله، لو حُسبت بالطرق العادية، نجدها لا تتجاوز مئات الملايين. فهل يا ترى استثمار العقول البشرية هو ماجعل من رأسمال هذا المركز عالياً؟ أم أنّ الإستشارات العلمية بأنواعها، أصبحت من أغلى أنواع السلع الخدمية فى عصرنا الحاضر؟ الإجابة معروفة لكلا السؤالين فالإستثمار البشري عال التكاليف، كما أن الإستشارات بأنواعها هي أغلى أنواع السلع الخدمية، خاصة إذا كان ميدان التعامل بها، يضم الشركات الإحتكارية، المتعدّدة الجنسية.
هذا النوع من المراكز لا يتعامل مع اقتصاديات الدول الصغيرة التى تبحث عن التنمية. فهو ليس بمؤسسة تنموية تابعة للأمم المتحدة، لكنـّه شريك بمشورته مع القطط السمان وهي الشركات المتعدّدة الجنسية، فهو من يقدّم المشورة لها وهي من يعمل بمشوراته ووصفاته الشفائية. فالصغار طبقاً لمشورة هذه المراكز يبقون فريسة للكبار و(مصائب قوم عند قوم فوائد).
هل يستطيع هذا المركز إخراج مائة ألف عائلة ليبية من تحت خط الفقر؟ وهل ماجعل هذه العائلات تعيش على الكفاف هو نقص فى الثروة. أم غياب في العدالة الإجتماعية. هل لهذا المركز قدرة لوقف البطالة فى ليبيا أو فى كشمير أو في نيجيريا؟ وهل وقف البطالة من صالح الشركات المتعدّدة الجنسية؟ أليست البطالة هي إحدى أدوات جلب الإستثمار الخارجيّّ الذى يعتمد في جلبه على وجود أيدي عاملة رخيصة. هل فتح الإستثمارات عند أبواب الدول الفقيرة والصغيرة هو واحد من النصائح التى يقدّمها هذا المركز لزبائنه الكبار. وهل هذا النوع من النصائح يدخل ضمن الحلول الأخلاقية والأكاديمية. ومن يقف وراء تشغيل الأطفال وإدخالهم سوق العمل في سن مبكـّرة، فى المغرب والهند ومصر ومن يجبرهم لتقاضي أجور متدنية لاتتجاوز دولار عن شغل يوم كامل، يقضيه الصغير في كهف مظلم، يخيط بيديه كرة للقدم، يركلها النجوم في أحتفالات المونديال. هذا بالضبط ماتفعله هذه المراكز، فهي من يدل القطط السمان على أماكن العمالة الرخيصة وهي من يعطيهم رخصة ووصفة كي يصبحوا أنذال.
مشاكل الدول الصغيرة تنحصر فى الفساد وليس في نقص الإستراتيجية. والحلول الناجعة للفساد هو تحويل الفساد الى همٍّ وطنيّ بدل إخفاءه. فالفساد أزمة أخلاقية وإجتماعية، قبل أن يكون أزمة اقتصادية، وليس هناك استراتيجية تنافسية تحدّ منه. فحل هذه المشاكل قائم على التوجّه الوطني العام نحو ثقافة عامة تزدرى الفاسد وتحتقره وتسدّ الأبواب عليه بعدم التعامل معه. فدحره لايتمّ إلاّ بقوانين صارمة تجرّمه. وليس عجب أن تكون الحدود فى الشريعة ثلاث، إحداها حدّ السرقة . الفساد يحتاج الى وقوف وصمود من الشعوب المتضرّرة، لتقول للحكـّام بأعلى صوتها" قفوا فإنـّكم مسؤولون" مسؤولون عن الفساد، مسؤولون عن نهب ثروات البلاد، وجعلها فريسة لمراكز البحوث السمينة، مسؤولون عن اللصوصية.
لقد أصبحت اللصوصية حرفة لتكنوقراط ليبيا (التكنوسُرّاق) الذين انتشروا في مؤسسات الدولة كالهشيم ، ثم عادوا أمراء للقطاع الخاص! هؤلاء هم ثلة من المحامين وأخرى من الأطباء والمهندسين المعماريين يساندهم أبناء رجال الدولة الذين جاء أبائهم لإنقاذ ليبيا عام 69. أنقاذها ليبيا من ماذا، ماداموا هم من أحلّ الرشوة واللصوصية. هؤلاء التكنوسرّاق لادين لهم، غير توقيع العقود الرسمية مع أنفسهم لإنشاء مبان ومدارس وهمية، فهم المنفـّذ والمشرف وصاحب العمل. وقد صاروا في بضع سنين يملكون العمارات، مع أنهم موظفون فى الدولة، وقد دخلوها وهم لا يملكون شقة للسكن. إذا كان الإقتصاد جاداً في الخروج من ورطته فعليه بطرد هؤلاء، من أجهزة الدولة وعليه بسحب رخصهم ثم محاسبتهم. كما أن عليه مساندة الطبقة الوسطى الوطنية، من مدرّسين وموظفين وصحفيين وفنانين وصنّاع وأصحاب مشاريع صغيرة، هؤلاء هم عصب إقتصاد الدولة الوطنية، وهم قبل كل شيئ، راعوها. فهم لن يفرّطوا فى مكاسبها لذا يجب مساندتهم بالتساوي، وتوزيع الفرص بينهم، ورفع أجورهم ومعنويّاتهم والثقة فيهم. فلا مجال بعد الآن لمحاباة الثوريين وإعطاء الفرص لأبنائهم وأبناء رفاق القايد وأصحاب أبناء رفاق القايد. وطبيب لايجد عمل، بينما آخر يجد نفسه ملحقاً صحّيا في سفارة، بمجرّد تخرّجه من الجامعة، أو يجد نفسه مديراً بمستشفي لاتوجد به سيارة اسعاف، أما كمليات العبث، فهي تحت تصرّف هذا الدكتور الأمير، من سيارة فخمة مجانا، تمكنـّه من التواصل مع الثكنات الثورية، الى رحلات خارجية الى نثريات خاصة للسرقة إلى سكرتيرة، ليس لها أجابة لمن يراجع المدير سوى "موجود فى اجتماع".
الغارقون فى الوحل الإقتصادى عليهم بنبذ الفساد أولاً ثمّ البحث عن الاستشارات. فلا فائدة من اقتصاد منتعش يصحبه فساد. ولا طلب لدراسة أقتصادية عن التنافس فى بلد لايطمح الى التنافس، لكنـّه يطمح فقط إلى معطيات العيش الكريم. حتى لو أفترضنا جدلاً بأنّ الفساد مشكلة اقتصادية، فلا حلّ لها عند استراتيجيات التنافس الأمريكية. فهي مسئلة داخلية والدولة وحدها هي المناطة بدحره. والشعوب هي القاضي بالفصل فى حدّ الفاسد، والسارق.
الشعوب لها حقّ في اختيار من يحكمها وإلاّ فستجعل من الفساد حالة للتشفيّ من جلاّديها. مع أنـّها هي الخاسر الأول والأخير. يجب على هذه الشعوب ألاّ تفكـّر بهذه الطريقة الساذجة، وألاّ تنظر للسارق على أنـّه بطل اسطوري، شاطر، استطاع اختلاس "محفظة" الحاكم. هذا البطل الوهمي يظل سارقاً ما بقيت السموات والأرض! ويجب على الناس فرزه وتعزيره واحتقاره وعدم التعامل معه، حتى وإن كان جاراً أو زميل عمل أو حتى أخ أو شقيق. كما يجب الإبتعاد عن ثقافة التندّر بالفساد، التى يضحك عندها الليبيون ثمّ يقفوا عاجزين عن فعل الأشياء. فالأشياء التى تضحكك، يقول صاحب فرقة النسور الأمريكية، باستطاعتها إيلامك بشكل ما.

بوزيد لهـلالي
________________________

(*) عنوان كتبه السيد غومة لمقالته بالأنجليزية فقد ترجمت العنوان لما فيه من معان صارخة، وجعلته عنواناً لهذه المقالة التى كتبتها منذ عام مضى، وكنت قد تركتها ولم أنشرها، وها قد حان موعد نشرها، في اليوم العالمي للفقر، كما أن مقالة السيد غومة التى نشرت اليوم ، 17/أكتوبر/2006 بصفحة الأستاذ غنيوة، والتى أظنّ أنها بحاجة ماسة للترجمة، كان لها أثر فى نشر مقالتي. ليس هذا فقط، بل هي من أغراني بالإحتيال على عنوانها الذي شعرت بأنـّه يصف هذه المقالة وصفاً جيداً. مقالته بالأنجليزية أثرت في نفسي أيّما تأثير، فهي معبّرة عن كل آلامنا، كما أنها معبّرة عن النكتة السخيفة التى أطلقوها لنا الساسة وسميّت بالإصلاح! إين هو الإصلاح الآن، أم أنّ من ثماره التعامل مع مستر بورتر، وصاحبه المستر بونجروني، وكلاهما من جامعة هارفرد. أيعقل أن تتآمر الأكاديميا على الشعوب، فى عالمنا المعاصر، مثلما تآمرت المؤسسة الدينية مع الإقطاع فى العصور الغابرة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home