Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

الخميس 16 اكتوبر 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

المسافة بين المثـقـفين
2. إدريس بوفايد

نعي مبكـّر لإحدى حالات الوعي السياسي

بوزيد لهلالي

إدريس بوفايد مثـَقف حاول استخدام وعييه السياسيّ لإصلاح الدولة والحياة معاً لكنـّه لم يستطع. فهو مثال للمثــّقف الجريئ الذي جذّف ضد التيار. كاتب كبـّله وعييه وضميره فخرج يعبّر عن رؤاه في عالم تحكمه آلة القمع والتسلط. ولاجئ سياسي عاش في بلاد الغرب دهراً من الزمان فظنّ أنـّه يستطيع بسهولة تصدير حقوق الإنسان إلى بلاده. وطبيب حاول استخدام قلمه لخدمة قضايا السياسة أكثر من خدمته لبحوث الطبّ. لقد حاول هذا المثـقف إنجاز مهمّة تكاد السموات أن يتفـطـّرن منها في ظلّ الواقع المعاش. مهمّة دق أجراس حقوق الإنسان في بهو الدولة الدكتاتورية! وانحياز للحقوق في ظل موت العدالة.

حين نعود بوعيينا إلى الوراء، لنقلـّب مافعله إدريس بوفايد، بالمقابل لما فعله النظام الدكتاتوري به، نجد أنّ ماحصل لادريس بوفايد هو جريمة منظـّمة بكل المعايير. جريمة قامت بها الدولة ضده. ففي الوقت الذي أغرته فيه بالمجيئ إلى جنـّـتها، وقفت ضدّه بالمرصاد، كي لايمارس حقوقه، التى كفلتها له كل الوثائق العالمية. وبدل أن تتحلى بالشجاعة وتحاكمه بتهمة ممارسة حقوقه المدنية لفــّـقت له تهمة (حيازة أسلحة، والتحدّث مع دبلوماسي أجنبي.) وفي آخر المشوار تركته يموت، ولم تسهّل عليه إجراءات العلاج، مع أنّ علاج الأسير واجبّ أمرت به الأعراف الدولية والدين معاً*.

إدريس بوفايد الذي راح ضحيّة وعييه، تحوّل من فاعل للخير إلى فاعل للجريمة. لقد لفـّـقت له الدولة جريمة أوقعته بها في حبائلها. كان يريد إدانتها، فأدانته! نسيت بأنـّها مدانة بقتل مواطنين عزّل من السلاح عدة مرّات! كان إدريس يحاول الخروج لإحياء ذكرى بعضهم. إحياء ذكرى من خرجوا في جمعة السابع عشر من فبراير عام 2006. وعد إدريس نفسه بالخروج لإحياء ذكراهم، حين تتم عودته إلى "الوطن". وفعلاً تمت عودته وتأهـّب لتذكرتهم لكنـّه لم يستطع! لقد وجد نفسه مرمياً في المعتقل بتهمة ملفقة، خارجة عما كان ينويه. كل ذلك كان محاولة من الدولة لتغطية عجزها في التعامل مع حقوق الإنسان. فمثلما فشلت في التعامل مع "ابناءها" الذين خرجوا في "الجمعة الحزينة" فشلت أيضاً في التعامل مع إدريس بوفايد ورفاقه! ومثلما أفرطت بعسفها في حق المتظاهرين، أفرطت أيضاً في معاقبة ومعاملة إدريس بوفايد العائد إليها بعد لجوء طويل.

إدريس بوفايد الذي قرّر العودة من سويسرا بعد قضاء عدد من سنين عمره هناك، قرّر إحياء ذكرى "الجمعة الحزينة" في وطنه، وظنّ أنـّه سيفتح باب الحرّيات بعمله هذا. كان يريد أن يدرّب الناس على الخروج والإحتجاج بسلام، فالتعبير بالطرق السلمية هو إجراء صحيّ يقوم به كل من يريد، وفي أي وقت يريد، في كل عواصم العالم الحرّ، هكذا كان إدريس يظنّ، بعد قضاءه لمايقارب الستة عشرعاماً في سويسرا. كان يظنّ أنّ الدولة الواثقة من نفسها تستطيع، وبكل شجاعة، تحمّل احتجاج مواطنيها. فهي لا تقف في وجه الإحتجاجات السلميّة بشكل قمعيّ، مادامت حامية للحرّيات في البلاد.

قد لايصدّق البعض، أنّ من يعيش في الغرب يُـطبع بحرية التعبير. لقد عرضت البي البي سي البريطانية، ومنذ أشهر قليلة، حكاية مفادها أن مواطناً أميركيّـاً، من سكان مدينة نيويورك، مازال يخرج كل يوم، ومنذ11/سبتمبر عام 2001، لميدان التايمز سكوير بنيورك، ليرفع لوحاته، معبّراً عن وجهة نظره في أنّ احداث 9/11 كانت من صنيع الحكومة الأميركية وليست من صنع قوى خارجية. قد لايصدّق البعض أيضاً أنّ الحكومة الأميركية لم تعتقله حتى الآن ولم تقم حتى بطرده من الميدان، مع أنّ بعض المارين من حوله يصابون بالتقزّز أحياناً لمجرّد سماعهم لوجهة نظره الشاذة التى تخالف كل نظريات المؤامرة المطروحة! لكنـّهم لايتجرؤون بالإعتداء عليه، ولايدفعهم التقزّز بمناصرة حكومتهم. فهم يرون في التعبير الحرّ ظاهرة صحيّة تحتاجها بلادهم مثلما تحتاجها كل بلدان العالم.

إدريس بوفايد، الذي حاول إحياء ذكرى جريمة نكراء، موثـّقة بالصوت والصورة، قامت بها الدولة الليبية، في حق مواطنين عزّل من السلاح، تحوّل بفعل الدولة، إلى أداة للردع. Deterrent tool)) ردع للآخرين، وترهيبهم، حتى لايحاولون إيقاظ وعييهم مرة أخرى! فالوعي بالنسبة للدولة الدكتاتورية جريمة في حدّ ذاته! جريمة يعاقب عليها القانون! الدولة حاولت وبكل وسائل القوة المتاحة لها، قمع صحوتـه وجعلها حالة تستحقّ العقاب! فتغييب وعييه وضميره بطرق القمع هو ماكانت الدولة وراءه. مع أنّ التعبير عن الرأي عمل أخلاقي في النهاية، وينبغي تبنيه من قـِبَـل الجميع، كما ينبغي على الدولة تشجيعه! (لاخير فيكم إن لم تقولها، ولاخير فينا إن لم نسمعها). هذا الشعار كان يجب أن يُسمع في أعالى المآذن التى تبتغي الإصلاح في ليبيا، إذا كانت الدولة جادة في القضاء على الفساد. أما إذا كانت الدولة تحاول قمع الأصوات، فلن تجني إلاّ السقوط في ظل قمعها وفسادها.

الدولة بوقوفها ضدّ إدريس حاولت شلّ الوعي العام في شخصه، وجعل المواطنين مجرّد قطيع يأكل وينام، كي تقوم هي بواجب الغش أتجاههم، كتصنيع الجرائم ضدّ من يحاول استخدام وعييه، وهذا ماحصل ضد المتظاهرين في بنغازي ومافعلته ضدّ المحتـّجين على أحوال السجن في بوسليم عام 96 ومافبركته ضدّ طاقم التمريض في قضية أطفال الأيدز وماقامت به ضدّ عمرو النامي وغيره. والقائمة طويلة وطويلة. مرّرت فيها الدولة كل جرائمها! ولهذا انتشر الفساد، وأصبحت الدولة تتكوّن من عصابات صغيرة، منتشرة في كل مكان. فبدل أن تُنبّـه الدولة بأفعالها المشينة والخسيسة، صارت هي من يُعاقب الناس على وعييهم ونزاهتهم، فهي القاضي الذي يصنع القانون بكل التفاصيل القمعية، وهي من يلعب بالعدالة كيف يشاء، وهي من يصنع الجريمة المنظـّمة ويستعمل السلاح والأجهزة والمؤسسات كأدوات ضدّ المواطنين الموجودين في حيّز سلطانها وجبروتها.

إدريس بوفايد شاء القدر أن يكون في نطاق جبروتها عام 2006. ولهذا جُرجر لمحكمة أمن الدولة وتلقى حكماً جائراً. لقد عاقبته الدولة بخمسة وعشرين عاماً سجناً، لمجرّد أنـّه استعمل وعييه. قضي منها سنتان ثمّ أصيب بمرض السرطان الذي لم يكن إلاّ تعبيراً لرفض جسمه لتقبـّل هذا الحكم الجائر الذي فـُرض عليه. وبهذا كان العقاب والجريمة، سبب رئيسيّ في تدهور صحّته، وجعله يستسلم للمرض، استسلام الهارب من معركة خاسرة دارت بينه وبين وعييه. أو بينه وبين الدولة.

تقول الكاتبة الأمريكية سوزان سونتاج* في كتاب لها، يصف مرضيّ، السل والسرطان بأنهما رمزان يعبّران عن حالتيّ وعي مختلفتين. فـفيما طـُبع القرن التاسع عشر بالرومانسية المفرطة كان السل ونوبات السعال الحادة تحصد أرواح الشعراء من كافكا وحتى كيتس. أما القرن العشرين الذي طبعته العزلة والوحدة الحادة برز مرض السرطان بطلاً مقنـّعاً فيه، يدخل الجسد هادئاً فيقتل كل اعضائه بصمت تام.

بَـدَنُ إدريسٍِ، إنقـضّ على نفسه، إنسحاباً من المعركة! معركة خاسرة يطبعها الإحساس بالظلم وفقدان العدالة والوحدة القاتلة. كل ذلك زاد من تـقـبّـل إدريس للمرض الذي أنعكس على بدنه. ولكي تكتمل الصورة، كان يجب على الجسد أن يختار الإنسحاب المبكـّر من العالم الخارجي طواعية، ليعبّر عن رفضه لما فيه من ظلم وتراكيب قبيحة، أبرزها تركيبة الدولة الدكتاتورية الشاذة التى تتربّع في وسطه. فالدولة الدكتاتورية تريد أن تفرض نفسها على العصر وعلى إدريس وعلينا جميعاً. لكنّ إدريس أختار إلاّ يراها، فانسحب منها لممارسة إنعتاقه النهائي! إنعتاق سمعنا به كثيراً من ثوّار الإنقلابات، و لم يعطونا تفسيراً له يرضي غرورنا. لكنـّنا اليوم وقفنا على كنهه في صورة حية رسمتها شعيرات غشاء الرئة.
________________________________________________

* إتفاقية جنيف لمعاملة الأسرى.
* راجع حقوق الأسير في أدبيات ديننا الحنيف.
* سوزان سونتاج " المرض كرمز"


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home