Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Monday, 16 June, 2008

يحيا العـدل(*)

ترجمة : بوزيد لهلالي

أوقفوني وأنا أضحك كالمجنون وحدي
من خطاب كان يلقيه أميرَ المؤمنين
كلفتني ضحكتي عشر سنين.

ليس غريباً أن تكلـّف الضحكة عشر سنين في بلادنا! مادام حلم اليقظة يكلـّف (تأبيدة). لايستطيع أحد القول أن ماجادت به قريحة نزار قباني كان مجرّد خيال شاعر. فأدريس بوفايد، المواطن الليبي، نال خمسة وعشرين سنة سجن لمجرّد أنـّه حلم في يقظته بأنـّه ذاهب إلى ميدان الشهداء لرفع لوحة تـُذكـّر بالشهداء. حكمٌ أوسع من خيال كل الشعراء، ولايطابق الواقع في شيئ ولايساوي الجريمة. إلاّ أن تكون العدالة معوجّـة، تصبّ لصالح جهة ما. وإلاّ فالحكم غاية في القسوة، ويستحق التدوين في سجل جينس للأحكام الجائرة، فهو يشبه بالضبط ما كان يعرف بعدالة لينش.

الجريمة السياسية في عصرنا صارت تأخذ مكان الجريمة الدينيـّة في العصور الوسطى، التى طالت حتى العلماء، قبل أن يسقطها عصر التنوير وتصبح جزءً من التراث. الأوروبيّون ألغوا الجريمة الدينيّة حين اتفقوا جميعاً أنّ الله لايحتاج لمن يدافع عنه فهو القادرعلى كل شيئ. لكن ما إن وصلوا إلى هذا الإكتشاف حتى قفزت الجريمة السياسية تأخذ مكان الجريمة الدينية. الجريمة السياسية ابتدعها طغاة الغرب قبل أن ينقرضوا، لكنّ طغاة الشرق طوّروها ووسعوا من صلاحيّاتها لتضمّ الأحلام بأنواعها

لقد أُشيع في زمن صدّام أن عراقيّـاً رأي في منامه صدّام وقد سقط. ورأى نفسه قد عُـيّن رئيساً للوزراء، وطـُـلب منه تشكيل الوزارة. بدأ في منامه يكتب قائمة الوزراء وحين وصل في الإسم الخامس استيقظ من نومه مذعوراً، يبحث عن صديق يحكي له مارأى. خاف الصديق من رواية الحلم المشئوم التى أذيعت له فأذاع بها للمخابرات العراقية. استدعت المخابرات صاحب الحلم ووضعته تحت التعذيب، تستجوبه وتقول له، لن نتعامل معك بليـن حتى تخبرنا عن الخمسة الذين ضمّتهم قائمتك الوزارية.

الحلم مكلـّف في أرض العرب وقد كلـّف أدريس بوفايد أكثر من الذهاب لمركز المخابرات. فمجرّد التفكير في الخروج إلى الهواء الطلق لرفع لافتة في ميدان الشهداء، تذكـّر بشهداء 17 فبراير 2007، جعله مجرماً سياسياً. (يحيا العدل). الرجل لم يخرج إلى الميدان وقد قـُبض عليه في بيته قبل أن يـنقـل اللافتة ويرفعها، ومع هذا إلتطعَ المسكين بخمسة وعشرين سنة طبقاً لقسمة ضيزى.

لقد كان العراق يُجرّم أبناءه باسم السياسة. واليوم أصبح المستفيدون مما يجري في العراق يخوّنون الناس ويخوّفونهم بعراقات أخرى إذا ماستمرّت المعارضات العربية في نضالها ضدّ الطغاة. لكنّ هؤلاء نسوا أنّ ماحصل في العراق لم يكن نتيجة لما قامت به المعارضة العراقية ولايرجع للغزو الأمريكي وحده بل كان نتيجة إحتقان الثأر الذي تجمّع طوال فترة حكم الطغاة. فالكبت يوّلد الإحتقان ويحمل دائماً بذور ثورة بداخله، قد تصل إلى حدّ نشوب حربٍ أهلية. وهذا ماحصل في العراق فعلاً. وإلاّ فكيف يفقد الجيش الأميركي، الذي يمشـّط شوارع العراق مترجّلاً، أقل من أربعة ألاف جندى بينما يفقد العراقيون مليوناً وربع. ضحايا القوات الأميركية في السنة الواحدة أقلّ من ضحايا حوادث المرور في سنة واحدة في ليبيا، ومع هذا فالشعب الأميركي خرج في مظاهرات تطالب برفع الظلم عن العراقيين ونحن لانستطيع أن نخرج لرفع لافتة أولإيقاف حوادث المرور التي تسبّـبت بإهمالٍ من الدولة.

جرائم الدولة أكثر ضرراً وأكبر خطراً من حمل لافتة في ميدان الشهداء. الجريمة السياسية لاتقارن بالجريمة الحكومية التى يسمونها في العالم بجرائم الياقات البيضاء. جرائم الياقات البيضاء هي التى تطال المال العام وتعبث بسلامة المواطنين ويُخطـَط لها في الظلام، في مكاتب مقفلة، بل ومعزولة عن الصوت. رفع يافطة في الهواء الطلق، عمل واضح لايضرّ المجتمع ولايستحق المعاقبة بالسجن، ولايصحّ حتى إدراجه ضمن الجرائم السياسية.

الجماهيرية المعصومة من الخطأ، اعتقاداً منها بأن العفـة السياسية هي مايحقــّق الأمن، أغرقت قانون العقوبات الجديد بأفعال تافهة أعتبرتها سياسية، وقد عرّضت مرتكبها للعقوبة، وأي عقوبة، الإعدام. هذا مايؤيد أنّ السلطة قد سُـلـّمت للشعب. سُـلـّمت له بشرط ألاّ يخوض في السياسة.

بوزيد لهلالي
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحفتي قورينا وأويا، فنحن قد دخلنا عصر التنوير؟ (واجد)


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home