Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Wednesday, 16 May, 2007

أغـنية قديمة

بوزيد لهلالي

الإربعاء الماضي جلست لأشاهد التليفزيون مع زوجتى. كنت أحنّ لسماع أغنية قديمة تنتمي لبلد ما. لم أجلس لأشاهد فضائية تجارية، ولابرنامجاً سياسياً. فالسياسة قد جعلتني أجلس بمفردي، لا أحد من أطفالي صار يرغب مشاهدة التليفزيون معي لأنه مليئ بالسياسة وقد أرغموني على شراء جهاز مرئيّ خاص بهم وابتعدوا عن حجرة الجلوس.
بدأت بتحريك جهاز التحكّم، أبحث عن محطة ما. لم أسأل زوجتي عن القناة التى ترغب مشاهدتها. وكأن اختيار القناة هو من صميم واجبي، أو أنـّه مهمّة ذكورية. تداركت موقفي الشوفيني فسألت زوجتي فيما إذا كانت ترغب مشاهدة محطة بعينها، ردّت ببساطة ليبية " اليّ يعجبك أنت" لم أغص كثيراً فيما قالت. فسّرتُ عبارتها على أنّ مايعجبك سيعجبني. ذهبت للفضائية المصرية فكان البرنامج أغاني مصرية قديمة. يبدو أن الحلقة جاءت على " الفاهق" فهي تدور حول الموسيقار الراحل محمّد عبدالوّهاب.
البرنامج كانت تديره مذيعة لا أذكر أسمها الآن. كانت ككل المصريين الذين يمتهنون المجال الإعلامي. لبقة وذكيّة، وعلى دراية تامّة بما تقول وتفعل. كانت تدير البرنامج بثلاثة محاور. محور استماع للأغاني القديمة لعبدالوهّاب وآخر لسماع المداخلات التى تأتي عبر الهاتف من المشاهدين. وثالث للحوار مع ضيفيّ الحلقة.
كان ضيفا الحلقة، إمرأة ورجل. إمرأة إسمها نِعَمْ الباز، صحافية مصرية، قديمة. ومسيقار مصريّ هو الدكتور حسن شرارة، إبن العازف والمسيقار عطية شرارة.
أغاني البرنامج القديمة كانت تـُغنَّى إمّا مباشرة من الأستديو بأصوات حديثة أو بصوت عبد الوهّاب نفسه، مقتطعة من أفلام قديمة، أسود وأبيض. تمتـّعت على وجه الخصوص بسماع أغنية (أنت عمري) لأم كلثوم. وقد عرفت لأول مرّة أنّ الأغنية من ألحان عبدالوّهاب ( صحّ النوم ). كان في نيّتي أن أغنّي مع الأغنية ولكنّي التزمت ضبط النفس حتى لا تقول زوجتى أن كلمات الأغنية قد أثارت في نفسي بقايا حبّ قديم، عشته قبل الزواج منها. آثرت الغناء في السرّ، (راجل خوّاف).
هاتفتِ البرنامج ليبيّة من لندن، تحكي باللهجة المصرية. يبدو أنـّها كانت اطرابلسية. حكت في مداخلتها عن الفنـّان عبدالوّهاب وزيارته لبيتها. كانت مداخلتها للأسف ركيكة حيث لم تضف شيئاً لتاريخ عبدالوّهاب.
تدخـّل بعد هذه المكالمة مطرب سوري وكان معروفاً لمقدّمة البرنامج، وكذلك لضيوف الحلقة. غنّى المطرب السوريّ مصاحَباً بآلة العود ( ياوابور قولي رايح على فين ) كانت من أغاني عبدالوّهاب الرائعة.
جاءت المفاجأة حين عرض البرنامج نشيد ( وطني حبيبي الوطن الأكبر )، الذي كان من ألحان عبدالوهّاب وكان يضمّ نخبة من مطربيّ مصر. لم يُعرَض النشيد بكامله، ولكن أُذيعت بداياته، عبدالحليم وصباح. هنا بدأت أنا في السَرَحان. ابتعدت عن الزمان والمكان والطرب. وعدت إلى السياسة التى أخذني مفعولها بعيداً عمّا حولي.
تذكّرت وأنا أشاهد أغنية ( وطني حبيبي الوطن الأكبر ) الفترة الزمنية التى كنّا نعيشها في الستينات. وتذكـّرت كيف استغلّ انقلاب سبتمبر، هذه الأغنية بالذات، وكيف أسرف في تكرارها دون مرعاة لذوق المشاهدين. إستهلكها بشكل أفرغها من كل طعم ولون. وكانت رغبته من وراء ذلك إحياء الماضي العروبي، وإذكاء النار بموقد ملأه الرماد.
تذكرت عودة العلاقات مع مصر، بعد انقطاع طويل في عهد السادات، وتذكـّرت ذهاب أحمد قذّاف الدم إلى مصر، كأول سفير في عهد مبارك. كان قذّاف الدم عسكرياً، ضَجِرَ السياسة فراودته فكرة احتراف الدبلوماسية، إحترافها في دولة كان معظم سكانها دبلوماسيين بالفطرة. قدِم إلى مصر ليقدّم أوراق اعتماده، ويباشر أول أعماله وهو تنفيذ أغنية " وطني حبيبي الوطن الأكبر " على أحد مسارح القاهرة بأصوات جديدة. وكأنّ هذا العمل هو آخر ما تحتاجه الدبلوماسية الليبية لربط علاقاتها بمصر. جاءهم السفير بمشروع يبغي من وراءه إحياء النار فى موقد العروبيين من جديد! ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.
نفذّ له المصريّون العمل! وقبضوا المقابل بالدولار وقـُدّمت الأغنية على الهواء مباشرة من أحد مسارح القاهرة في حفل أدارته الممثلة نبيلة عبيد، وحضره قذّاف الدمّ جالساً في الصف الأول، ومبتهجاً بكونه السبب في إحياء نار خامدة بفتيل أغنية قديمة.
تذكرت وأنا أحاور نفسي وأتفكـّر في الماضي، أنّ برنامج القناة المصرية قد انتهى، وأنّ زوجتى قد ذهبت للنوم وأنّني أسهر كالمعتوه وحدي، أمعن النظر بعينين مؤرّقتين في سماء دنيا العرب.

بوزيد لهـلالي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home