Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Monday, 12 May, 2008

الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

الدستور: تدوين حقوق أم ممارستها؟ ( 1 من 3 )

بوزيد لهلالي

كثرت الضجّة واللغط من قـِبَل النظام حول ولادة دستورجديد للبلاد. فبعد أن عثا في الأرض فساداً واقترف ماقترف من جرائم، وقـَبــِلَ ماقبل من إنبطاحات، بجميع أوضاعها، على مرأى ومسمع المتفرّجين في صالة الألعاب الدولية، ظهر علينا محموماً يهذي بكتابة دستور راسخ للبلاد. فهو من ضرب لنا مثلاً ونسي نفسه حين قال أن الدساتير قد يلغيها أو يثبتها من كان على كرسي السلطة. لقد صدّقناه ونسينا أنّ الحقوق سيادية لاتـُلغى ولاعلاقة لها بالسلطان.
الدستورعقد اجتماعي يقرّه المجتمع المدني (الشعب) ويحرسه المجتمع السياسي ( السلطة) بتفويض من الشعب. فالدستور ليس عقد سياسي لكنـّه عقد اجتماعي لادخل للسلطة السياسية فيه، ولافي إنشاءه وإلغائه. السلطة مجرّد شريحة يتناولها العقد فيعرّفها حدود صلاحيّاتها وطبيعة عملها (طرق إدارتها للبلاد). ومادام المجتمع هو من ينشأ الدستور! فالعقد لايبلى، والمجتمع لايموت والحقوق لاتلغى إلاّحين يموت الشعب، ولايبقى بعده من يمارسها. فغياب الورقة لايؤدي إلى غياب الحقوق ولايؤدي إلى انتشار الفوضى. لكننا مادمنا نعتقد بوجود سلطة تعيد وتلغي الدستور(سيف، بوه) فهذا معناه أن معاني الحقوق لم تصل حتى حناجرنا ناهيك عن ممارستها واستقرارها فى وجداننا.
الدستور ليس ورقة مادية تـُكتب وتـُمزّق، الدستور قد يكون عرفيـّاً ويُمارَس وعلى هذا فهو لا يحتاج إلى تدوين ولا إثبات ولا إلغاء. هذا لايعني أن كتابة الحقوق ليست ضرورية ولكن الكتابة لاتفرض الحقوق. الحقوق تفرضها الأمم. هناك أمم كثيرة كتبت صحفاً مطهّرة ولم تـفـقه منها شيئاً. فالإلتزام بالعقود لاينبع من فعل الكتابة إلاّ إذا أنخدعنا وسلـّمنا بأن الأوراق هي مايحفظ الحقوق فهذا في حدّ ذاته يضع سيلاً من علامات الإستفهام على علاقتنا بالحقوق والحريات و يطرح أسئلة قد تطال حتى معتقداتنا. فالشعوب لاينبغي لها التصديق بأنّ الحقوق تفرضها الأوراق وبمجرّد غياب الأوراق تذوب الحقوق. الشعوب قد تخدع نفسها وتصدّق بأنّ الأوراق هي مايثبت ويلغي حقوقها لكنّ هذا يبقى مجرّد وهْم وعبث وتعامي عن المشكلة، يصرفنا عن المواجهة العنيفة مع أنفسنا، ويلغي سبيل العودة إلى فهم ذواتنا.
الفراغ الدستوري يحدث حين لايكون هناك شعب! وهو ماحصل حين مارسنا الموت فى الحياة خلال الأربع عقود الماضية. كل ماجرى لنا أننا لم نعرف حقوقنا فجاء شطبها وصدّقنا أنها النهاية. لابد وأن هناك خلل ما في نظرتنا لمفهوم الحريات والتمييز بين السلطة السياسية والمدنية ومن ثمّ في في علاقتنا بالسلطة. فالسلطة بالنسبة لنا تمثـّل إله. وهذا أكبر تحدّي لمعتقداتنا؟؟ فهل السلطة مجرّد مفوّض من قـِبَلنا لإعمال الحقوق والحريات أم أنـّها تصنع الحقوق والحريات.
ليس من المعقول أو الممكن أن تتحوّل السلطة إلى فريق يقرّ الحقوق ونتحوّل نحن إلى فريق يتلقى الحقوق في طوابير الجمعية فيستلم الكتيّبات أو الدساتير ويحوّلها إلى جهاز نضعه على قلوبنا فيجعلها تنبض بالحقوق والحريات. ومن ثم نتحوّل بين عشية وضحاها إلى معسكر المتمدنين إلى أن يُسرق الجهاز أو يعطـّل، بعدها تتوقف دقــّات حقوقنا.
السرعة التى تحوّلنا بها إلى شريعة الغاب وركبنا بها موجة الفوضى لاتطمئننا على مستقبلنا ولاعلى أي تحوّل قد يكون لنا أو علينا. ألم يتحوّل أعضاء منـّا كانوا بارزينَ في دولة المملكة الليبية الدستورية، وعلى رأسهم نوّاب ووزراء وممثلين للدولة في الخارج، إلى المعسكر الإنقلابي بمجرّد قدومه إلا يضع هذا علامات استفهام على ثقافتنا ومعتقداتنا. ألم يكن خليفة التليسي، وزيراً لثقافة البلاد في عهد إدريس، رحمه الله حين ركب قطار الأنقلابيين. اليست وزارته رمزاً لثقافتنا فهي المثل أوprototype) ) لما كنا نرى ونعتقد ألا يضع هذا علامات الإستفهام على إيماننا ومعتقداتنا. كلنا كنا خليفة التليسي مادام هو من كان وزيراً لثقافتنا.
نحن لانحتاج إلى دستور بقدر مانحتاج إلى مراجعة تاريخنا وثقافتنا وقصص البطولات التى نسجناها ونسبناها إلى أجدادنا في القبور فألهبت مشاعرنا ومشاعر أطفالنا طيلة هذه السنين، هل حدثت هذه القصص بالفعل وهل كانت تمثل جزءً من تاريخنا أين هي الآن ولماذا لم تمدّنا بأي رصيد معنوي ندافع به عن حقوقنا وحرّياتنا ووجودنا. لماذا لم يبقَ منها أثر علينا أو يبـقى منها في قناديلنا قطرة من الزيت.
لابد أنّ المتشبثين بالمعسكر القديم دفاعاً عن (دستور 51) هم متقوقعون وطوبائيون، وربّما يعيشون فانتازيا خيّلت لهم أن مايعيد الحياة هو ورقة الدستور وأن ليبيا بها حضارة ومجتمع راسخ له تاريخ! مجتمع به حقوق مدنية وسياسية ثابتة لايمكن إلغائها ولايمكن التحايل عليها. أين هي هذه الحقوق وأين هو هذا المجتمع! أقول لكم بصراحة أنا لا أراه! شعب تتلاشى حقوقه بين ليلة وضحاها، بمجرّد إزاحتها من على ظهر ورقة.
في الجزء القادم سنتعرض لمعرفة الفريق الذي يريد الآن كتابة الدستور الجديد، ماهي طبيعة توجهاته؟ هل هو ممن عانى غياب العدالة لمدة أربعين سنة نتيجة للفراغ المدني والسياسي؟ أم أنـّه ممن استفاد من غياب العدالة ويسعى لتقنين أوضاعه الجديدة.

بوزيد لهلالي


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home