Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Wednesday, 12 March, 2008

المجتمع الأبوي

بوزيد لهلالي

نحن نعيش في مجتمع أبوي (Patriarch Society) يعني في مجمله سلطة الذكور. فالذكور هم من يدير المجتمعات، ويصادر قرارات الناس. أصحاب التاريخ (History) في المجتمع الأبوي، هم الذكور! لذلك حـَوّرت المرأة اسم التاريخ لتجعله في الأدب النسوي يعني قصته (His Story)) خرجت المرأة المعاصرة طواعية عن حكايات الرجل لتنأى بنفسها عن مجتمع أبوي، انقرض منذ قيام سلطة المدن.
السلطة الأبوية هي سلطة مطلقة غير خاضعة لزمن ما أو أمر ما. وتتم بطرق العرف لتبسط سلطانها على مجتمع " قطيع" لاحول له ولاقوّة. قد تقوم السلطة الأبوية على الوراثة وقد تقوم على الأخذ بالقوة "فارس" وقد تـُعطى كمنحة لجنس أو لون أو عرق معينّ و قد يتم التحايل عليها بطرق التصعيد أو المبايعة التى يطبخها شيوخ القبيلة فى الركن المظلم من الخيمة ويمتثـل لأمرها القطيع عُرفاً دون اعتراض. فالرافض يعرّض نفسه لجفاء القبيلة، ويفرد بعيداً عنها، كما يُفرد البعير المعبّد.
ولاية الأمر أكثر تحضراً من السلطة الأبوية، لأنـّها ليست مطلقة، فهي تتعلق بأمر ما، يبحث عمّن يتقنه ويتولاه . تتم ولاية الأمر بعقد، له شروط يتـّفق عليها طرفان، أحدهما مانح والآخر قابل. فقد تقع الولاية على أمر يوميّ أو شهري أو سنوي. فحين نذهب فى زردة، على سبيل المثال، نولي أحدنا أمرَ جمع المال ونوليّ الآخر أمرَ شراء السبيزة وآخرطبخ الطعام وآخر قيادة السيارة وآخر البحث عن المكان الصالح للنزهة، وهكذا، فكل يتولى الأمر الذي يتـقنه بموافقته وموافقتنا التى لاتعطينا حق الإعتراض حين الوفاء بشروط العقد. فالعقد شريعة المتعاقـدَين.
عالمنا الحديث المعقد لم يعد به مكان للسلطة الأبوية، وليس به من يستطيع الإدعاء بتولي جميع الأمور، من أوجه صرف الأموال العامة، وحتى كيفية تربية الدجاج فى الأقفاص. ولو جرى استفتاء بين الناس، وسُـئل القطيع عن المفاضلة، بين سلطة أبوية وسلطة سياسية، لقام القطيع بأكمله وقال باءءءءءء. أي لاءءء، للسلطة الأبوية، لأنـّها لاتصلح لأن تكون أداة حكم في المدينة.
المدينة سلطتها تـنبع من أصحاب المصلحة فيها. أمور المدينة تـُعالـَج بمناهج وبرامج مفصّلة يتولاها فريقان أحدهما مدنيّ والآخر سياسي وبها صحيفتان أحداهما قانونية "دستور" تصف عمل الفريقين والأخرى إعلامية مستقلة، تنشر انطباعتها عن كيفيّة انجاز العمل. المدينة مكان واسع يسكنه شعب بجميع تشعباته، وأمورها متنوعة وعديدة. الأمر في المدينة له معان أكبر وأعقد من أمور القبيلة، التى تنتمي لعرق واحد، وأرض واحدة، تـنـتشر بها نجوع متراصة، وتحرصها كلاب لاتعترف بالعابرين إلاّ بطرق الشمّ والنباح.
الشعب فى المدينة يقيم في أحياء، تشقـّها شوارع تبقى ملكاً لجميع المارة، دون استثناء، وتسكن أحياءها أقليات وأكثريات، عوائل وأسر، عرب وعجم، أديان مختلفة. في المدينة يسكن الغنيّ والفقير والمحروم والهبل والصاح والحر ورب العمل والمثقف والطالب والعاطل. خليط هائل ليس له ولاء إلاّ للمدينة، التى تربطه عضوياً بحاجاته، فيغلب طبعه المدنيّ على طبعه العرقيّ وإذا ماغفل علاقاته بالمدينة، خسر كل شيئ فيها، وفسدت أموره! وانتهت مدينته إلى جحيم لايطاق. فقد تصبح المدينة سجناً كبيراً يحتوي على زنازن اسمنتية يسكنها بشر يأكلون ويشربون، ويحكمها ربٌ لاتسقط له كلمة.
أهل المدينة يحتاجون لأكثر من الأكل والشرب! فهم يحتاجون في تعاملهم اليوميّ إلى روابط أكثر فاعلية من رابطة الدم والعائلة. روابط المدينة قد تكون مهنية وقد تكون فكرية وقد تكون مدنية. روابط تحكمها قوانين ولها إدارة تقوم على تسييرها. الشعب في المدينة يحتاج لمؤسسات قرار مستقلـّة، ومتخصصة، لاخيمة قرار يسكنها أب ملتحف بجردٍ داكن. المدن تحتاج لمجتمع مدنيّ وآخر سياسي لاعلاقة له بسلطة الأب. وإذا ماعجزت المؤسسات في المدينة عن أيجاد الحل لأمورها فإنـّها تذهب إلى مراكز أومخازن المعلومات (Think Tank) التى تتعامل مع كل المشاكل بطرق علميّة وميدانية.
السلطة الأبوية بنظرتها الفردية الآحادية للأمور لايمكنها معايشة الواقع والبث في كل أمور الناس. فمجرّد اعتمادها على بابا يدّعي فهم كل الأشياء، ويخرج على الناس كل عام، تبقى مهينة لذكاء الناس. لقد انتهت السلطة الأبوية منذ أن قامت المدن، وأصبحت عودتها في العصر الحديث أكبر مضيعة للوقت. السلطة الأبوية في المدن مكلـّفة لانـّها تقوم على مزاج ال بابا الذي يمزج خياراته بخيارات الناس ويختصر رؤاهم في رؤيته ويقفز على خصوصياتهم وتخصصاتهم وطموحاتهم بشكل سافر، ليظهر بشكل ما على أنـّه راعٍ للقطيع، وأنـّه الأب الأوحد، الذي لايمكن فعل شيئ بدونه.

بوزيد لهلالي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home