Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

الخميس 9 اكتوبر 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

المسافة بين المثـقـفين
1. عـلي الريشي

مسمار يُدّق في نعش الوطن

بوزيد لهلالي

علي الريشي حسبته مثقــّفاً ملتزماً، حين رفع صوته، في عقد السبعينات، بشعارات كنت أظنـّها مبادئ. "عدم حجب عين الشمس بالغربال"، والدعوة إلى " تعميد الكلمة الملتزمة بالدم." وكذلك "درء الأخطاء، يتمّ بالمواجهة، وليس بدسّ الرأس في التراب كالنعامة" شعارات قالها الريشي دفعة واحدة، في لقاء مفتوح جَمَعَ القذافي وبعض من أعضاء انقلابه، مع طلبة الجامعة، عام 73. اللقاء كان بمجمّع سليمان الضراط الرياضي في بنغازي، ونـُقـل وقتها على الهواء مباشرة. وهو موجود الآن في السجل القومي لعام 73.

ماقاله الريشي في ذلك اللقاء كان وهماً رومانسيّـاً، غاب فيه القول الثابت. فالأشياء، بعد ذلك اللقاء، أنهارت بالكامل وتهاوت بشكل عنيف! فبعد شهر تقريباً، خرج علينا القذافي بمايعرف بـ " الثورة الثقافية" في أبريل 73، وبعد سنة واحدة من اللقاء أُوفد الريشي، إلى الولايات المتّحدة، من قـِبَـل النظام، وبقرار من مجلس الوزراء، وليس بقرار من الجامعة. وقـّع القرار عبد السلام جلود الذي كان رئيساً للمجلس والذي يوجد الآن في منفاه بطرابلس، يبيع الريح للمراكب، وينتظر موسم البحر كل عام، بفارغ الصبر. تبدّلت الوجوه بعد ذلك اللقاء، وتقلبت القلوب وتغيّرت المعارف وانقطعت أخبار الريشي، لكنـّه عاد إلينا في العام الماضي، يعطي المقابلات لبعض الفضائيات الأجيرة، وما أكثرها في زماننا، متحدّثاً لها عن الدبلوماسية الجديدة لنظام القذافي. رأيت صورة الريشي أيضاً على صفحات هذا الموقع، منذ أيام، يتحدّث لمغتربين أو منفيين في بريطانيا وإيرلندا. رأسه أصلعاً بالكامل. استغربت لهذا التغيّر الهائل الذي طرأ على شخصيّـته، شكلاً وموضوعاً، وقلت في نفسي، ربّما بوجوده أميناً للمغتربين أضاع الطريق إلى الوطن، وربّما حتى الطريق إلى ذاته، وهي الطامة الكبرى. فيا مقـلـّب القلوب أنت تعلم القلب وحاله.

الريشي الذي كان مغترباً وبدون قضيّة، عاد إلى ماكان يُعرف بليبيا، وصار يدعو الآخرين إلى العودة إليها! ليس من باب هبـّوا ياشباب لإنقاذ ليبيا، فلاتجعلوها تضيع! ولكن من باب الخدمة اللوجوستية والإستخباراتية لصالح النظام. خدمة لاتليق البتة بالمرحلة المتقلبة التى تعيشها البلدان والأوطان. لقد صار الريشي يدعو إلى الصمت مقابل الأمان، ويدعو لدس الرأس في التراب مقابل العيش في قرقارش أو في سوق الجمعة أو ربّما في غوط الشعّال، معبّداً الطريق لعودة صامتة، نصبح بعدها جناةً على الوطن بعد أن كنـّا ضحايا له.

اللغة التى يعرضها الريشي علينا، في قاموسه الجديد، لغة برجماتية، تنتمي لعصر المنفعة أكثر من انتمائها لحسّ المثـقــّف الواعي الذي يُنتظر منه لعب دور أكثر نزاهة. فالريشي البرجماتي، والإنساني سابقاً، صار يلهث من بلد لبلد، ومن قارة لقارة، يلتقط أنفاسه لجمع ماترميه شجرة المعارضة من أوراق يابسه، يضعها في سلـّته، ويدفنها في رماد الوطن. لقد قال لي أحد الأصدقاء، ونقلاً على لسان الريشي ذاته، بأنّ هدفه من هذه المهمّة هو إقناع الحوت لكبار بالعودة!! العودة لمن؟ لوطن مسروق ومعروض للبيع بحزمة من الصفقات، بعضها سياسي وبعضها تجاري وبعضها مخاباراتي ولاتتحدّث عن سركوزي وبيرلوسكوني وكوندوليزا وحتى مستر بوتن. بلاد تـُسرق في عزّ الظهيرة ولصوص ينهبونها باسم الإستثمارات، في عصرٍ تنهار فيه البنوك ويُمحق فيه الرّبا.

إذا كان الريشي لايحس بما يدور حوله، ولايحسن النظر إلى الوطن إلاّ من خلال عدسات النظام، فنحن نرى الوطن يستغيث، فهو في حاجة إلى العودة إلينا بدل عودتنا إليه. ولهذا ننصح الريشي بكل أسماء الوطنية والضمير بالإبتعاد عن هذا الدور المشبوه، ظاهراً وباطناً، وننصحه بمساعدة الوطن في أن يعود إلى أهله من جديد، بكل شرعيّة. فالوطن، في هذا الوقت بالذات، يحتاج لأن يُدار بآيادي وطنية صادقة شعارها الوطن أولاً وقبل كل شيئ.

مهمة الريشي الشيطانية، أغرت الكثيرين قبله، ممن كانوا يحسِبون أنفسهم من المعارضة* وقد أُنتقدوا على دورهم، لكنـّهم لجأوا لتبريره بفقه (لاخيرَ في كثير من نجواهم) مع أنهم لم يأمروا بصدَقة ولا بمعروف. فالآمر كان النظام والأمر جاء منه. أمّا هم فمجرّد وسطاء، أمَرَهم النظام ولم يأمروه. فلاخير في نجواهم هُمْ، ولاخير في لعبهم دور الوسيط في مهمّة لوجوستية مخاباراتية لاتؤسس لرؤية واضحة لصالح الوطن.

الريشي الليبرالي أو الإنساني أو الثوري أو الجامع لكل ذلك، عليه أن يعرف أنّ المعارضين هم ضحايا لغياب حرية الرأي في ليبيا. فالقفز على مطالبهم والدعوة بعودتهم، لبلد مسروق، بلد لايوجد به اعتراف بحق إبداء الرأي، هو أمرٌ باطل. المنفيّون ضحايا لنظام إقطاعي ميّت، لايزال يخاف حرية الرأي، ويمنع حقّ التعبير. فهو الذي يحتفظ بسجناء الرأي عنده رهينة، ويُـطلق سراح من كـُنـّا نظنّ أنـّهم الأخطرعليه، وهم الجماعة المقاتلة.

الريشي عليه أن يدعو من يشاء ولصالح من يشاء، وعلى الآخرين أن يحذوا حذوه فيأمروا بأي عمل، ويفسرونه بأي فقه شاؤوا، لكن على الجميع أن يعلم بأن حريّة الرأي حقٌ مقدّسٌ، وثابتٌ، في كل الأديان والأعراف والدساتير. فلا إنسان يستطيع منع هذا الحقّ، ولا الله، عز وجل، أنكره على أحدٍ من خلقه، إنساً كان أم جنـّاً. فللإنسان كامل الحقّ في أن يقول كلمته ويعبّر عن رأيه فيما يقوم به القذافي وعائلته وقبيلته من تجاوزات، تتمّ داخل ليبيا، وخارج الإجماع الوطنيّ. وإذا لم يرضَ النظام بحقّ إبداء الرأي، فشعارنا يظلّ ثابتاً: لن نعود للقيود، قد تشرّدْنا وشرّدَنا الوطن، ليبيا، ليبيا، ليبيا.
________________________________________________

* ننصح لمن يريد الإطلاع على الدور المشبوه الذي يقوم به بعض المثـقـفـين الليبيين بالعلاقة للعبة السياسية، قراءة الموضوع القيّم الذي كتبه الدكتور جيب الله موسى تحت هذا الرابط.
http://www.libya-watanona.com/adab/jaballah/jm06078a.htm


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home