Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Saturday, 7 April, 2007

السنوسي حبيب

بوزيد لهلالي

فى عدة شهر الكانون من يناير عام 76 أنتفض الشاعر السنوسي حبيب مغاضباً سلطة سبتمبر بشعره. فما كان من السلطة إلاّ أن أودعته السجن، مدّعية بكل وقاحة، أنـّها " القيادة التاريخية" التى لا ينبغي لأحد أن يعترض مسيرتها الخضراء.
لم تقف صاحبة المسيرة الخضراء عند هذا الحدّ فحسب، بل صعّدت حربها ضد منابر العلم، ومنابع الثقافة، لتبدأ بالجامعات، فتستهدف هياكلها، العلمية والإدارية والأكاديمية، وتفقدها كامل استقلاليّتها، وتجعلها مؤسسات هشـّة، لادورَ لها فى المجتمع، غير تصنيع المتخرّجين، والدفع بهم الى سوق الوظيفة المغلق أصلاً.
كانت السلطة، وقتها مدفوعة بتيّارات الحرب الباردة التى كانت تدور رحاها بين القوّتين العظميين، وكانت تحتمي بعش واهن، إبتنته لنفسها من نتف الثلج المتساقط بفعل برودة تلك الحرب، لكن ما إن ذابت ثلوج الحرب وتفككت إمبراطورية السوفييات، حتى أنصهر العش عنها، وخرجب على الملأ عارية، يغطي جسدها الدمامل والقروح، وتثقل كاهلها الخطايا والمؤمرات، وترغب العودة لبيت الطاعة بأي شكل.
أبتدأ حبيب رحلته مع الشعر طالباً في جامعة بنغازى، وقد جاء إلى المدينة يسعى لتحصيل العلم فلم تستهويه دهاليز السياسة، ولا حرب الشعارات، كان يدرس اللغة العربية، ويحمل بين جنبات قلبه، حب دافق للإنسان وحقه في إبداء رأيه، لقد كان يريد أن يقول كلمته ويمضي، لكنّ السلطة أوقعته فى حبائلها دون رغبة منه.
لقد أقام الشاعر بمجرّد قدومه إلى بنغازي عام 74 في أحد بيوت الطلبة التابعة للجامعة، لينزل ضيفاً على المدينة، يحرص على مواصلة مثقفيها، ويلتقي بشباب الجامعة، مقاهيها الصغيرة المزدحمة، فيقرض الشعر معهم، ويصدر دواوينه، التى لم يرَ منها النور غير ديوان واحد هو (الحب والصحو والتجاوز) الذي أصدره عام .75
كان حبيب مثقـّفاً أصيلاً، شديد الوطنية، ولم يكن مجرماً ولا من المتمرّدين، فتعابيره كانت عفوية، وإيمانه بحقوق الأنسان كان واسعاً وعميق، وقد شكـّل له هذا الإيمان عداءً مع السلطة، لكنـّه لم يعبأ بهذا العداء ولم يستخدم ضدّ السلطة غير قوافيه المتاحة، وقد اشترك في مسيرات سلمية نظّمها إخوانه الطلبة، لتشقّ الشوارع، وتطالب برفع السلطة ليديها عن الحريّات، داخل أسوار الجامعة، كما تطالبها بإيقاف التدخـّل في اختيار الإتحاد الطلابيّ الذى كان يُعرف أيّامها ب (الإتـّحاد العام لطلبة ليبيا). كان احتجاج الطلبة يطالب أيضاً بعدم المتاجرة في البرامج المشبوهة التى كانت تسوّقها السلطة داخل الحرم الجامعيّ. من بين تلك البرامج كان "التدريب العسكرى العام" الذى ثبت فشله بعد أن أقبلت المنطقة بكاملها على استراحة طويلة للمحارب، حيث كانت حرب أكتوبر هي آخر الحروب الرسمية للعرب. التدريب العسكري جاء عقب تلك الحرب فكان مجيئه مجرّد دخول فى الوقت الضائع، ولم يكن إلاّ وسيلة لقهر الإنسان وإذلاله.
جنـّدت السلطة لهذه البرامج مرتزقة، من ذوى النفوس المريضة، قامت بإعدادهم في معسكرات إرهابية، عُرفت ب "المعسكرات العقائدية"، استقطبوا لها من كل حدّ وصوب، كي تجرى على أدمغتهم الضيّقة عمليات غسيل واسعة. كان هؤلاء المرتزقة الجانحون طلبة بالجامعة، بالرّغم من أنـّه لايوجد بينهم من كان يطلب العلم. كانوا كلهم طلاب سلطة، بدون منازع، وقد تحوّلوا بفعل مشروع يناير إلى وزراء في الدولة، وأعضاء في مؤتمر الشعب العام. دخلوا الحرم الجامعيّ ينعقون بشعارات حكومية جوفاء، ويتباهون بإطلاق الرصاص فى هواء الجامعة، ويطاردون الطلبة العزّل بعصييهم الطويلة، فاندهش الجميع لهذا المشهد الغريب. حيث لم يكن ثمة من يصدّق أنّ من الطلبة من يحمل سلاحاً غير سلاح العلم. أو أنّ منهم من يشهر السلاح في وجه أخيه، خاصة وهو يعلم أنـّه أعزل، لايملك بين أظافره سوى أقلام للحبر لا تتجاوز طولها أصابع اليدين.
مسلسل قمعيّ أخرجته السلطة بشكل مبيّت فسقطت عنها، مع خريف ستة وسبعين، آخر أوراق الشرعية، لتظهر عواراتها قبيحة ومفزعة، ليتبرأ منها القطاع الطلابيّ الذي علـّقت تلاميذه على أعواد المشانق، وزجت بخيرة أبناءه في السجون.
خرجت السلطة من مسلسلها تلك بروح المنتقم. وكان ذلك فى أبريل عام 77، فبعد أن نكـّلت بالعزّل الأبرياء، أصدرت قرارات بحرمان الكثير منهم من نعمة التعليم. كما أصدرت أحكاماً جائرة في حق الآخرين منهم، صنعتها فى محاكم صورية، ليس بها مايمتّ للعدالة بصلة. حيث بنت أحكامها على اعترافات وهمية، إنتـُزعت تحت التعذيب، ومع هذا، فحتى تلك الإعترافات المنزوعة بطرق التعذيب، لم تكن لتشكل جرائم فى بلدان العالم الحرّ. ولا أن تـُستخدم للقضاء على حياة البعض منهم داخل السجون. لقد صارت العدالة الجماهيرية، من يومها، محلّ تندّر وشكوك، وقد فقدت مصداقيّتها وإلى الأبد، ليدفع القضاء الجماهيري ضريبة تلاعبه بالعدالة، وتنصبّ التكاليف على رأس السلطة نفسها، التى خسرت، نتيجة هذا التلاعب، كل قضاياها مع العالم الخارجيّ وليس أقلـّها قضية ( لوكربي وقضية أطفال الإيدز).
لقد نال شاعرنا من السجن اثنتى عشرة سنة ويزيد، وخرج مع إخوانه عام 88. بقرار من قِـبَـلِ صاحب السلطة، أصدره وسط كاراكوز مليئ بالرّياء أسماه ب "أصبح الصبح". ليعود الشاعر من حيث أتى، بعد أن قضي عنفوان شبابه قابعاً بين ظلـَم الزنازن ووحشة المعتقلات، فلا شهادة علميّة منحت له، ولاوظيفة يأكل من وراها عيشه بكرامة، حتى الجامعة، التى خرج من أجلها، أصدرت قراراً بحرمانه من مواصلة الدراسة فيها، بعد أن أصبحت مملوكة بالكامل للسلطة وانكشارييها.
وهكذا عاد الشاعر بعد أيام قليلة من فك أسره، إلى عزلة أخرى، أبعدته هذ المرّة عن المدن ومؤامراتها. لقد ذهب إلى واحته هون، ليستأنس بأبيات شعره القديمة ويباعد عن قلبه كوَم الجليد التي تجمعت بفعل سنين القهر والإعتقال.
وفيما غاب الشاعر بعيداً عنـّا، ظلّ بعض من شعره يملأ ذاكرتنا، فأبياته الطرّية ظلت ترافقنا على نحو موصول.
سأورد بعضاً من أبيات شعره التى جمعتها قصيدة له، نشرت عام 75 ، فى مجلة جيل ورسالة. أتمنى أن يجد القارئ في بعضها ما ينير الطريق، لمعرفة صدقيـّة هذا الشاعر وعمق تصويره لما كان يجري في تلك اللحظة، وماجرى لاحقاًً جرّاء انقلاب سبتمبر الخاطئ.

يقول مطلع القصيدة :
تعانقين لحظة الإبداع
تبحث النهدان والكفـّان والعينان
عن صحو وعن وطن
تسائلين كل عابريك
عن بيادر القمح التى تعبث فيها الريح
وعن شعب يموت حين تمطر السماء
جائعاً وضائعا
وصابراً خنوع

تنتفضين بالشفاه يا إله
طال انتظارنا لموسم الحصاد

بوزيد لهـلالي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home