Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Thursday, 6 December, 2007

صفحة من كتاب الإنقلاب

بوزيد لهلالي

لقد كنـّا ونحن صغارنعرف البوليس. كنـّا نتندّر به أحياناً ونسميه كنداري طاقية اسنفزا محروقة. كان الشرطي له زيّ معروف، فهو كالشرطة فى كل أنحاء العالم، واضح المعالم والأهداف ومحدّد الواجبات. واجباته لاتخرج عمّا يطلبه منه القانون الذي كان موسوعة لأوامر عادلة وواضحة. أوامر ليست شفهيّة. الأوامر الشفهيّة لاتعرفها الدولة الدستورية. الدولة الدستورية أوامرها مكتوبة وتـنبع من روح الدستور الذي هو صوت الشعب. هكذا كانت المعادلة التى تحكم دولة ليبيا المملكة. وهكذا كان النهج الذي تسير عليه الشعوب في كل دولة ديموقراطية.
بعدها جاءنا القذافي بمشروعه الذي لم تأخذ تجهيزاته سوى الربع ساعة، زمن قطع المسافة باللاندروفر من معسكر قاريونس إلى مبنى الإذاعة فى شارع أدريان بلت ببنغازي. أتانا الملازم بانقلاب فانقلبنا معه. قال لنا الملازم بعد نجاح انقلابه، أنتم تعيشون عصور الظلام، عصور الخوف، عصور البوليس، تعالو معي كي أقودكم عبر هذا النفق المضيئ، آخذكم معي بعيداً عن عالمكم الثالث لأمرّ بكم على عالم رابع وخامس. تعالوا نبدأ رحلة التيه التى لاتعرف محطّة.
أطعناه في أمره فانفلت الأمر! أصبحنا مربوطون بأموار شفهيّة يتليها علينا الملازم كل يوم. أوامر أن لم يأتي بها هو، فإنـّها تأتينا من جهات أخرى غير واضحة المعالم. جهات تسمي نفسها لجان، وتسميّ نفسها أمانات، وتسمي نفسها مؤتمرات. لكنـّها في الواقع عصابات وميليشيات.
الدولة بكيانها تحوّلت بعد انقلابه إلى مايشبه التركيبة المفيوزية. أصبحت كيان سرطاني معرقل للنشاط الفردي والجماعي ولايمكن التعايش في ظله. أصبحت الدولة كيان تملئه الديدان والجرذان واللجان، أصبحت دولة للأجهزة والميليشيات.
وبدل أن يُبدّد الملازم خوفنا، عشنا نحن خوفه، ليس من الكنداري صاحب الحذاء الطويل، ولكن من ميليشياته التى تمشي على أطراف أصابعها عبر بهيم الليل. ميليشياته كانت كالأشباح لاتعرف لهاا زيّ! فهي تطارد وتشرّد وتقتل خيار القوم! ترمي جثثنا في أطراف المدن، (ضيف الغزال)! أشباح لاتحسن العيش إلاّ في ظلام غياب القانون.
دور المؤسسات تراجع وأختفى في غضون سنين قليلة. انحصر كيان الدولة في المؤسسة العسكرية التى أصبحت تنوب عنا فى كل شيئ. من إعلان الحرب إلى فتح الأستثمارات فى الداخل والخارج.
على هذا النحو، ومثلما تفعل الإنقلابات، تمت تصفية إرث الدولة القديمة ببوليسها وشرعيّتها الدستورية، ونشأت "دولة" جديدة قائمة على شرعنه جديدة. دولة في حلقة تطوّر إنحداري، تتقدّمه الميليشيات وتعمّه الفوضى. عصر تقهقرت فيه دولة المؤسسات بما فيها المؤسسة العسكرية، صاحبة الإنقلاب، ومهندسة تفكيك الدولة الدستورية.
تسلـّمت الميليشيات كل مسؤليات الدولة. صارت تقوم بكل أعمال العنف والسلام! من تصفية الخصوم إلى التحاور معهم. ولاتنسى أنـّها تنادي أحياناً بالإصلاح، وتدعو إلى الإجتماعات الموسّعة.
"الإصلاح" رغم مايمثـّله في حقيقته من نقيض لدولة الميليشيات إلاّ أنـّه في حالة الإنقلاب لايمكن له أن يقوم بدون حماية ميليشيات. (حاميها حارميها).
معركة الشعوب الحقيقية في دولة الميليشيات تبدأ بحماية الهوية ضد التشوّهات التى تحدثها الإنقلابات وتنتهي بترميم الدولة المدنية التى بدونها لاتوجد هوّية. الترميم هو محاولة للعودة للوراء! العودة للأصول! العودة للشرعية. ويبقى السؤال محيّراً؟ كيف يمكن للترميم أن يأخذ طريقه وماهو السبيل إليه مادامت الشعوب مفككة نتيجة غياب مؤسساتها المدنية والدستورية التى لايمكن بدونها أن يتمّ الترميم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home