Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bouzaid Lehlali

Tuesday, 6 March, 2007

الشرق الأوسط الجديد

بقـلم : رتشارد هاس
مجلة "الفورن أفيرز" ـ نوفمبر / ديسمبر 2006

The New Middle East; By: Richard N. Haass(*)
Foreign Affairs - November / December 2006

ترجمة : بوزيد لهلالي

نهاية حقبة
بمجرّد انقضاء قرنين من الوصول النابليوني الى مصر والذي نادى باستحداث شرق أوسط عصرّيّ ـ وبعد ثمانين عاماً من اختفاء الإمبراطورية العثمانية، وبعد خمسين عاماً من اختفاء الإستعمار، وبعد أقل من عشرين عاماً من انتهاء الحرب الباردة ، يجيئ العصر الأمريكي وهو الرابع فى تاريخ المنطقة لكنـّه ينتهي. الحلم بإقليم جديد، يشبه أوروبا،- سلميّ ومزدهر وديموقراطي- سوف لن يتحقـّق. أكبر الإحتمالات هو دخول شرق أوسط جديد يسبب أذى بالغ لنفسه ولأميركا وكذلك للعالم.
كل الحقب(التى مر بها الشرق الأوسط،) اتـّسمت بتفاعل قوى خارجية وداخلية متنافسة فى المنطقة، لكن الإختلاف كان في التوازنات وتأثيراتها. حقبة الشرق الأوسط القادمة موعودة بأن لايكون للأطراف الخارجية فيها سوى تأثير متواضع نسبيّاً أما القوى المحلية فستتمتع بوضع اليد العليا. اللاعبون المحليون سيكونوا من الراديكاليين، وسيحوزوا على القوة ويلتزموا بتغيير الوضع الحالي. تشكيل الشرق الأوسط الجديد بفعل القوى الخارجية سيكون أمراً صعباً إلى أبعد الحدود. لكنه- مع ترويض فاعل لآسيا- سيكون التحدّي الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة الخارجية لحقب قادمة.
الشرق الأوسط الحديث ولد فى أواخر القرن الثامن عشر. بعض المؤرخين يعتبر توقيع اتفاقية 1774 والتى أنهت الحرب بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا؛ القضية الأقوى التى جعلت من أهمية الدخول النابوليوني لمصر سهلاً نسبيّاً عام 1789 ، والتى بيّنت للأوروبيين أن المنطقة كانت جاهزة للإحتلال ودفعت المفكرين العرب والمسلمين لتساؤل ــ مازال يطرحه الكثير منهم حتى الآن – لماذا سقطت حضارتهم فى المؤخرة البعيدة لحضارة أوروبا المسيحية. سقوط العثمانيين وتزامن دخول أوروبا للمنطقة اعطى أحقية للسؤال " المشرقي" وهو كيف يتم التعامل مع تداعيات انهيار الأمبراطورية العثمانية ؟ لقد حاولت معظم الأحزاب المختلفة الإجابة على هذا السؤال بما يتفق ومصالحها منذ ذلك العصر.
العصرالأول انتهي مع الحرب العالمية الأولى واختفاء الأمبراطورية العثمانية، وقيام الجمهورية التركية، ثم تقاسم غنائم الحرب بين الشركاء الأوربيين الرابحين، فيما عقب ذلك حكم استعماري جديد قادته فرنسا والمملكة المتحدة. العصر الثاني انتهي بعد أربعة عقود تالية، بعد حرب كونية جدّت فأرهقت الأوروبيين واستنزفت معظم قواهم، لتظهر القومية العربية، وتبدأ القوتان العظمتان تناطحهما. "من يـُمسك بالشرق القريب يُمسك بالعالم؛ ومن له مصالح فى العالم فعليه أن يشغل نفسه بهذا الشرق القريب " هكذا كتب المؤرخ ألبرت حوراني والذي رأي بما لايتطرق إليه شك أن أزمة قناة السويس عام 1956 سجّلت نهاية عصر الإستعمار وبداية الحرب الباردة فى المنطقة.
خلال الحرب الباردة، وكما كانت القضية فى السابق، لعبت القوات الأجنبية دوراً مسيطراً في الشرق الأوسط. وقد أعطت طبيعة التنافس بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي مساحة تناورية واسعة للدول الإقليمية في المنطقة. لكنّ خط ارتفاع المياه حدّدته حرب أكتوبر 1973 ، في المنطقة ليتوقف الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدّة بشكل رئيسيّ عند ورطة، فيفسحا المجال لدبلوماسية واعدة، تمت باتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل.
ومع هذا فمن الخطأ النظر إلى هذه الحقبة الثالثة على أنها ببساطة مثلت زمناً أدير فيه التنافس بين القوتين العظميين بشكل جيد. حرب يونيو 1967 غيّرت وإلى الأبد ميزان القوى فى الشرق الأوسط. استخدام النفط كقوة سياسية وإقتصادية خلال حرب أكتوبر عام 1973 فى الشرق الأوسط أيقظ الولايات المتحدة للحساسية العالمية التى يشكلها نقص الطاقة وارتفاع أسعارها. فالتوازن المتعادل بين القوتين العظميين، خلال الحرب الباردة، فرض جواً من الأستقلالية لدول المنطقة كي تتبع أجندتها الخاصة. ثورة 1979 في إيران والتى أسقطت بأحد أهمّ الأعمدة بالنسبة للولات المتحدة فى المنطقة، بينت بأن الغرباء لايمكن لهم التحكم فى أحداث المنطقة. الدول العربية رفضت محاولات الولايات المتحدة التأثير عليها بالتحالف ضد مشاريع السوفييت. إحتلال اسرائيل للبنان فى عام 1982 فرّخ حزب الله. والحرب بين إيران والعراق تمّ فيها استهلاك البلدين لحقبة كاملة من الزمان.

الراعي الأميركي
نهاية الحرب الباردة واختفاء الإتحاد السوفييتي جاء بقدوم الحقبة الرابعة فى تاريخ المنطقة، خلال هذه الحقبة تمتعت الولايات المتحدة بتأثير غير مسبوق، وحرية لفعل ماتشاء. الحدث الأبرز في هذه الحقبة الأمريكية هو تحرير الكويت، وهو أطول محطة للقوات الأمريكية البرية والبحرية فى شبه الجزيرة العربية، حيث رافقته دبلوماسية نشطة، كانت لصالح الولايات المتحدة، وكانت لحل المشكل العربي الأسرائيلي مرة وإلى الأبد ( والذي كان أبرزه محاولات إدارة كلينتون المكثفة في كامب دافيد والتى لم تنجح فى نهايتها). لقد مثلت هذه الحقبة، أكثر من أي شيئ آخر، ما يذكرنا الآن " بالشرق الأوسط القديم" الحقبة تميزت بعراق عدواني وخائب، وإيران راديكالي ولكنـّه منقسم وضعيف نسبيّـاً، ودولة إسرائلية تتمتع بالقوة وتتفرّد بالسلاح النووي فى المنطقة، كذلك عدم استقرار لأسعار النفط، إضافة إلى أنظمة عربية قيادية تتبنى قمع شعوبها، عدم القدرة على التعايش بين إسرائيل والفلسطينيين ومن ثم العرب، وبشكل عام سيطرة أمريكية.
عوامل كثيرة ساعدت على انتهاء هذه الحقبه بعد أقل من عقدين، بعضها بنيوي وبعضها الآخرفرض نفسه. الأهم في هذا كله هو قرار إدارة بوش الهجوم على العراق عام 2003 وأسلوبها في إدارة العملية حتى انتهت إلى إحتلال. لقد كان أحد كوارث الحرب هو هيمنة السنـّة على العراق والذي كان من القوة والتحفـّز لأن يصبح كافياً لتحريك مايعادله من الجانب الإيراني. الحساسية الشيعية السنية التى كانت راكدة بعض الوقت، ثم عامت على السطح فى العراق وفي كل المنطقة. لقد تحصل الإرهابيون على قاعدة فى العراق وطوّروا من أساليبهم الفنية ليعيدوها للتصدير، فيما أصبحت الديموقراطية في كل المنطقة تعني الفوضى وفقدان النظام العام كما أرتبطت بنهاية سيطرة السنـّة. شعور الكراهية للولايات المتحدة والذي كان يوجد بشكل لابأس به أعيد تأصيله من جديد. ومع قوة حربية لبأس بها، معسكـِِِِرة هناك، قللت هذه الحرب من نفوذ الولايات المتحدة فى العالم بأجمعه. إنّ من دواعي سخرية التاريخ أن تسجّل أول حرب فى العراق، وهي حرب ضرورة، بداية الحقبة الأمريكية فى الشرق الأوسط ، فيما سجّلت الحرب الثانية على العراق، وهي حرب اختيار، نهاية لهذه الحقبة.
العوامل الأخرى التى كانت لها نفس الأهمية. كان من بينها موت عملية السلام فى الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تمتعت بدور تقليدي وقدرة خاصة للتعامل مع العرب والإسرائيليين، لكنّ محدودية هذه القدرة تعرّت فى كامب دايفد عام 2000 . فمنذ ذلك الحين، تبيّن ضعف خلفاء عرفات وظهرت حماس، فيما تبنى الإسرائيليون سياسة آحادية الجانب، كل ذلك ساعد في وضع الولايات المتحدة على جانب الطريق حيث ساعد فى تعزيز هذا الموقف، تردد إدارة بوش الحالية للعب أي دور دبلوماسي فاعل.
عامل ثاني ساعد هو الآخر فى إنهاء الحقبة الأمريكية فى المنطقة وهو فشل أنظمة الحكم التقليدية العربية في منافسة بريق الراديكالية الإسلامية. فقد وضعت الجماهير أمام خيارين، إما قادة عرِفوا بأنـّهم معزولون وفاسدون سياسياً وإما متديينين فاعلين، معظم المنطقة مالت للخيار الثاني.
الحادي عشر من سبتمبر هو الذي جعل قادة الولايات المتحدة يربطون ما بين المجتمعات المغلقة والميل للتطرّف. وهذا ماحث القادة الأمريكيين بالتسرّع فى الإندفاع نحو الإنتخابات فى المنطقة، بغض النظر عن مناخ المنطقة السياسي والإقليمي وما يوفـّره من فرصة للإرهابيين ومؤيديهم للتقدّم أكثر من أي وقت مضى.
ثم أخيراً، العولمة قد غيّرت المنطقة. فقد أصبح من السهل على المتطرفيين الحصول على أسلحة ودعم وأفكار وكذلك استخدام الغير. كذلك ظهور الإعلام الجديد وعلى وجه الخصوص الفضائيات التليفزيونية التى سيّست العالم العربي وقلبته إلى " قرية صغيرة". رؤية مشاهد العنف والهدم فى العراق وغزة والضفة الغربية والآن فى لبنان ساهمت أكثر في ابتعاد كثير من الناس فى الشرق الأوسط عن الولايات المتـّحدة الأمريكية. والنتيجة أنّ كثيراً من الحكومات فى الشرق الأوسط تجد الآن صعوبة العمل بشكل مفتوح مع الولايات المتـّحدة فتأثير الولايات المتحدة في المنطقة صار يتضاءل.

ما هو المطروح أمامنا :
إن الخطوط التى تحدّد ملامح الشرق الأوسط فى عصره الخامس لازالت قيد الرسم، وقد تأخذ شكلها طبيعيّاً مع نهاية الحقبة الأمريكية. أشكال عديدة سترسم أحداث الوضع اليومي.
أولاً، أنّ الولايات المتحدة ستستمر فى التمتـّع فى التأثير على المنطقة أكثر من أي قوة خارجية. ولكن تأثيرها سيتضاءل على ماكان عليه سابقاً. هذا بالطبع سيعكس تنامي حزمة من مؤثرات خارجية وداخلية، تعتمد على محدودية القوة التى تعانيها الولايات المتحدة وكذلك سياستها فى المنطقة.
ثانياً، التحديات للسياسات الخارجية للولايات المتحدة ستستمر من أطراف أخرى خارجة عن المنطقة. الإتحاد الأوروبي سيتقدم بمساعدة ضئيلة للعراق ومن المحتمل أنـّه سيدفع بحل مختلف للمشكلة الفلسطينية. الصين أيضاً سترفض الضغوطات على إيران وسوف تبحث عن ضمانات لتوفير مصادر للطاقة. روسيا هي الأخرى ستقاوم الأصوات المنادية بفرض حصار على إيران وستبحث عن فرص لممارسة استقلاليّتها عن الولايات المتـّحدة. الصين وروسيا ( بالإضافة إلى كثير من الدول الأوروبية) سينأو بأنفسهم بعيداً عن الجهود التى ستبذلها الولايات المتحدة لتشجيع الإصلاح في دول الشرق الأوسط غير الديموقراطية.
ثالثاً، إيران ستكون أحد قـوّتين فى المنطقة. الذين ظنوا بأن إيران كانت قاب قوسين أو أدنى من التغيير هم خاطئون. إيران التى تتمتع بثروة هائلة ستبقى أكبر القوى الخارجية المؤثرة فى العراق فلديها قدر كبير من تحريك موقف حماس وحزب الله. إيران أيضاً قوة إمبراطورية كلاسيكية لها طموحات لصنع المنطقة على شاكلتها ولها أيضاً إمكانيات لترجمة هذه الأهداف إلى حقيقة.
رابعا، إسرائيل ستكون القوى الثانية فى المنطقة والبلد الأوحد الذي يملك اقتصاداً عصرياً له القدرة على التنافس في عصر العولمة. والبلد الوحيد الحاصل على ترسانة من الأسلحة النووية، والبلد الوحيد فى المنطقة المالك لأقدر قوة عسكرية تقليدية. لكنـّها ستتحمّل ثمن احتلالها للضفة الغربية، وستتصارع مع عدة جبهات كما ستتعامل مع أبعاد أمنية متعدّدة. إسرائيل تعدّ من ناحية استراتيجية، فى وضع أضعف مما كانت عليه قبل أزمة الصيف الماضي مع لبنان. وموقفها، إذا استطاعت إيران تطوير سلاحها النووي، سيضعف أكثرـ كالولايات المتحدة.
خامساً، أي شيئ يماثل سلام حقيقي فى المنطقة سوف لن يكون فى المستقبل المرئي. فبعد العملية التى قامت بها اسرائيل في الصيف الماضي، سيكون حزب أكاديما والذي يترأس الحكومة ، في موقف ضعيف لايستطيع تحريك الرأي العام الداخلي لتأييده في سياسة قد تكون خطرة وقد لاتجني سوى العنف. الدخول فى انسحاب آحادي من لبنان وغزة لم يأت بثماره( من قبل) بعد مالحق إسرائيل من اعتداءات بعد الأنسحاب. ليس هناك شريك واضح من الجانب الفلسطيني له القدرة والرغبة في البحث عن حلول وسط وهذا ماسيمنع فرص التقارب فى المباحثات. الولايات المتحدة فقدت الكثير من موقفها كوسيط سلام يوثق به، على الأقل فى هذا الوقت بالذات. في الوقت نفسه، اتساع المستوطنات الإسرائيلية وإنشاء الطرق سيستمر فى تسريع تعقيد الجهود الدبلوماسية.
سادساً، العراق، الذي يعتبر تقليدياً مركز القوة العربية، ستستمر الفوضى فيه لسنوات قادمة، مع ضعف الحكومة المركزية، وسيتبعثر إجتماعياً، وسيستمر العنف الطائفي فيه. وفي أسوأ الأحوال سيفشل في أن يصبح بلداً، فقد حطـّمته الحرب الأهلية التى سيجرّها لجيرانه.
سابعاً، أسعار النفط ستبقى مرتفعة، نتيجة للطلب المتزايد من الصين والهند، وفشل الولايات المتحدة فى تخفيض إنتاجها. لذا سيستمر نضوب المصادر. أحتمالية إزدياد أسعار النفط إلى مافوق المئة دولار للبرميل الواحد هي أكثر قرباً من إحتمالية هبوطه الى ماتحت الأربعين دولار للبرميل. إيران والسعودية وكذلك كبريات دول التصدير ستستفيد من هذه الزيادة بدون حسبان.
ثامناً،" التميلش" أو صناعة الميليشيات سيستمر ويزداد. جيوش ذات طبيعة خاصة موجودة الآن فى العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية وهي تنمو بشكل أوسع. تفريخ الميليشيات هو سبب ونتيجة لضعف الدول، الميليشيات تدخل أينما كانت سلطة الدولة وقدراتها في حالة ضعف. التصادمات الأخيرة فى لبنان سترفع من هذه النزعة، مادام حزب الله قد ربح لعدم تعرضه لخسارة كاملة وإسرائيل خسرت لعدم تحقيقها لإنتصار كامل، فهذه النتيجة ستزيد من تهوّر حزب الله كما تزيد من تهوّر من يحاكونه.
تاسعاً، الإرهاب والذي تمّ تعريفه على أنـّه استخدام القوة ضد المدنيين للحصول على أرباح سياسية سيبقى هو السمة الظاهرة فى المنطقة. وسيبقى فى المجتمعات المنقسمة كالعراق وفى المجتمعات التى تحاول فيها الجماعات المتطرفة البحث عن ضعف يضع الحكومة فى موقف حرج، كالسعودية ومصر. الإرهاب سينمو بشكل أكثر تطوّراً وسيبقى الأداة التى ستستعمل ضد إسرائيل وضد الوجود الأمريكي وضد القوى غير المتجانسة في المنطقة.
عاشراً، الإسلام سيملأ الفراغ السياسي والثقافي في العالم العربيّ، وسيقدم قاعدة للأغلبية السياسية لسكان المنطقة. القومية العربية والإشتراكية العربية ستكون أشياء من الماضي والديموقراطية ستنتمي لعالم المستقبل البعيد، هذا فى أحسن الأحوال. الوحدة العربية ستبقى شعاراً وليس حقيقة. تأثير الجماعات الموالية لإيران سيزداد، والجهود لتطوير العلاقات بين الحكومات العربية والولايات المتحدة وإسرائيل ستتعقـّد. في نفس الوقت، التوتر بين السنـّة والشيعة سيزداد هو الآخر وسيعم كل الشرق الأوسط، وسيتسبب في خلق المشاكل فى كل البلدان التى توجد فيها مجتمعات منقسمة، كالبحرين ولبنان والسعودية.
الحادي عشر، الأنظمة العربية ستبقى في أكبر الإحتمالات شمولية غير متسامحة دينيـّاً وضد الولايات المتحدة.مصر والسعودية ستبقى الزعامتان. فمصر التى تشغل ثلث سكان العالم العربي قدمت بعض الإصلاحات الإقتصادية البنيوية لكن إطارها السياسي فشل فى محاكاة إصلاحاتها. وبالمقابل، فالنظام يبدو وكأنـّه يريد الدفع بما يطالب به بعض الليبراليين فى البلاد لكنـّه يقدّم للشعب المصري خياراً بين الشموليين التقليديين وحزب الإخوان المسلمين. الخطر هو أنّ المصريين سيختارون يوماً الإخوان، ليس لأنهم يؤيّـدونهم فى الظاهر ولكن لأنهم تعبوا من النظام. ولذا فالنظام سيضطرّ للبس جبة معارضيه الأسلاميين فى مسعى لكسب نفس التعاطف الذي يحضى به خصومه ولهذا سيبعد نفسه عن الولايات المتحدة. السعودية ستعتمد فيها الحكومة، وكذلك النخبة المالكة، على تسخير نسبة كبيرة من عائدات الطاقة لإرضاء المطالب الداخلية الساعية للتغيير. المشكلة أن معظم الضغط الذي تتجاوب معه السعودية يأتي من اليمين الديني وليس اليسار الليبيرالي، وهذا ماسيساعد على تبني أجندة القيادات الدينية.
أخيراً، المؤسسات فى المنطقة ستبقى ضعيفة، وتقع فى مؤخرة المؤسسات الأخرى فى أماكن أخرى. فأكثر المؤسسات شهرة فى الشرق الأوسط هي الجامعة العربية ، التى تستثني من عضويّتها أكبر قوّتين في المنطقة، إسرائيل وإيران. الخلاف العربي الإسرائيلي سيستمر لمنع مشاركة اسرائيل في تعزيز أي علاقة بالمنطقة. التوتر الإيراني مع معظم الدول العربية سيخيب الآمال في الدخول في تحالف إقليميّ في المنطقة. التبادل التجاري فى منطقة الشرق الأوسط سيكون متواضعاً، لأن القليل من دول المنطقة له سلع وخدمات يطلبها الآخر، أو يتوق لشرائها على نطاق واسع، وهكذا ستبقى السلع المتقدّمة تصنيعياً تأتي من الخارج. قليل جداً من مزايا العولمة الإقتصادية سينسجم وهذا الجزء من العالم بالرغم من الحاجة الماسة اليها.

أخطاء وفرص :
بالرغم من أن معظم سيمات هذه الحقبة، وهي الخامسة في شرق أوسط جديد، تبقى بشكل واسع غير جذابة، لاينبغي أن يدفعنا هذا لتقبّل القدرية. فمعظم المتغيرات ستكون بدرجة. هناك فوارق جوهرية بين شرق أوسط محروم من اتفاقية السلام وآخر يـُعرّفه الإرهاب وآخر به مشاكل داخلية وحروب أهلية. هناك أيضاً فوارق بين من يسمح بإيواء إيران قوية وبين من تسيطر عليه إيران؛ وبين من توجد بينه وبين الولايات المتحدة علاقة غير منسجمة وبين من تملأه الكراهية اتجاهها. الزمن كفيل بالتغيير. الحقب قد تستمر فى الشرق الأوسط، فقد تستقر لقرن من الزمان أو قد تبقى لعقد ونصف فقط من الزمان. من الواضح أنـّه من صالح الولايات المتحدة وكذلك أوروبا أن تكون الحقبة الداخلة أقصر حقبة ممكنة، وأن تتبعها حقبة حميدة.
لضمان ذلك، يجب على صنـّاع القرار فى الولايات المتحدة أن يتجنّبوا خطئين، كما عليهم التمسك بفرصتين. الخطأ الأول الذي يجب تجنـّبه هو اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على القوة العسكرية. فما تعلـّمته الولايات المتحدة من التكلفة العظيمة فى العراق- وكذلك ماتعلـّمته إسرائيل فى لبنان- هو أنّ القوة العسكرية ليست الدواء لكل الأمراض. فهي ليست فعالة بشكل جدّي ضد ميليشيا منظمة بشكل مفتوح كما أنـّها ليست فعـّالة ضد ارهابيين على قدر عال من التسليح، يمتازون بتأييد محليّ من السكان، ولديهم الأستعداد للموت فى سبيل قضاياهم. تنفيذ ضربة وقائية ضد المنشأت النووية الإيرانية سوف لن يأتي بكثير من المزايا. ليس فقط لأن الضربة قد لاتلحق دماراً بكل المنشأت بل لأن الضربة قد تحمل طهران لتنسيق برنامج نووي علني، وأن تدفع الإيرانيين لأن يلتفوا حول نظامهم وأن تجبر إيران على الثأر من الولايات المتحدة،( فى الغالب عن طريق حلفاء لهم) من شأنها أيضاً أن تزيد من سخرية العالم العربي والإسلامي للولايات المتحدة، وتبعث على الإرهاب والعمل ضد مناطق حيوية للولايات المتحدة داخل أفغانستان والعراق وربما داخل الولايات المتحدة نفسها. العمل العسكري ضد إيران من شأنه أن يرفع أسعار النفط أيضاً، يرفعه إلى أسقف عالية جديدة ويزيد من فرص الأزمات الإقتصادية العالمية وكذلك عولمة الكساد الإقتصادي. من أجل هذه الأسباب يجب اعتبار العمل العسكري هو آخر الحلول التى قد يُلجأ إليها.
الخطأ الثاني (الذي يجب تجنـّبه) هو الظنّ بأنّ دخول الديموقراطية للمنطقة سيجعلها أكثر أمناً. صحيح أن الديموقراطيات الناضجة تميل لعدم شن الحروب على بعضها البعض. ولكن لسوء الحظ، أن خلق ديموقراطية ناضجة ليس بالعمل السهل وحتى لو نجحت الجهود فى النهاية ، فهذا سيأخذ عقوداً من الزمان. الولايات المتحدة عليها فى الفترة المؤقتة أن تستمر في العمل مع معظم الحكومات غير الديموقراطية في المنطقة. الديموقراطية ليست حلاًًَ للإرهاب أيضاً. من المعقول التصديق أن جيلاً جديداً من النساء والرجال حين يترعرع منتمياً إلى عصر توجد فيه ضمانات اقتصادية وسياسية يبقى بعيد العلاقة بالإرهاب. ولكن الأحداث الأخيرة بيّنت أن حتى هذا الجيل الذي يولد فى ديموقراطيات ناضجة، كالتى فى المملكة المتحدة، هو غير محصن من الميل نحو الراديكالية. حقيقةُ أنّ حماس وحزب الله نجحا فى الإنتخابات وأقدما على تنفيذ هجمات عنف، يؤكد نقطة أن الإصلاحات الديموقراطية لا تضمن الهدوء. كما أن الدمقرطة قليلة الحيلة حين التعامل مع برامج الراديكاليين التى لاتسعى إلى أمل تأييد الأغلبية. المبادرات النافعة يجب أن تترّكز على أعمال مصممة لإصلاح النظام التعليمي وتشجيع الإنفتاح الإقتصادي وتحريره، وفتح أسواق حرة، ثم دفع الحكومات العربية والأسلامية للتحدّث بصراحة عن عدم شرعنة الإرهاب وإلصاق العار بمن يشجعونه وكذلك مناقشة القضايا والأهداف التى تدفع الرجال والنساء لممارسته.
فيما يتعلق بما يجب اغتنامه من فرص، فى البداية يجب التكثيف من التدخل فى أمور الشرق الأوسط بأدوات غير حربية. أما فيما يتعلق بالعراق، فبالإضافة لانتشار القوات الأمريكية يجب تدريب القوات المحلية والشرطة، كما يجب على الولايات المتحدة إقامة منتدى إقليمي لجيران العراق (السعودية وتركيا على الأخص) وكذلك بعض الأطراف الأخرى ذات المصلحة، وهي من الذين ساعدوا فى أحداث افغانستان، عقب التدخل هناك فى عام 2001. عمل كهذا يتطلب أيضا دعوة سوريا وإيران. سوريا ستؤثر فى مجرى سير المعارك وحركة المقاتلين فى العراق ودخول الأسلحة الى لبنان. يجب أن تـُجبر على قفل حدودها وبالمقابل تعطى لها وعود بالإنفتاح وكذلك مزايا اقتصادية ( من العرب والأوروبيين وكذلك الولايات المتحدة) وتوعد ببداية مباحثات السلام، على مستقبل الجولان. فى الشرق الأوسط الجديد هناك خطر من أن تعمل سوريا مع طهران بدل العمل مع واشنطن. ومع هذا فسوريا شاركت فى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة فى حربها الأولى فى الخليج وكذلك شاركت فى مؤتمر مدريد للسلام فى 1991، إيماءتان يمكنهما العمل بعقد صفقة مستقبلية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

إيران أكثر القضايا تعقيداً. فمادام تغيير النظام في طهران بات من الأشياء التى لانتوقعها فى المستقبل القريب، وكذلك خطورة الضربة للمنشأات النووية الإيرانية بأنـّها قد لاتحمل ضمانات قد تكون مانعة، الأفضل هو الدبلوماسية، فالدبلوماسية خير خيار متاح لواشنطون. الولايات المتحدة عليها بفتح باب التباحث الكامل مع إيران، بدون شروط مسبقة، لمناقشة برنامجها النووي وكذلك بحث مناصرتها للإرهاب والمليشيات الخارجية. إيران يجب أن تعطى غطاء من الحوافز الاقتصادية والسياسية وضمانات أمنية. ويسمح لها بمواصلة برنامج تجريبي، محدود التخصيب لليورانيوم، في حالة قبولها بدخول فريق لفحص برنامجها النووي. هذا العرض من شأنه أن يفوز بقبول دولي واسع، وهو شرط لابد منه إذا كانت الولايات المتحدة تريد دعم عالمي أو اضطرّت لفرض عقوبات أو التصعيد من موقفها لخيارات أخرى، فى حالة فشل الدبلوماسية. بنود هذا العرض يجب أن تكون معلنة، مما يزيد من فرصه الدبلوماسية فى النجاح. الشعب الإيراني عليه أن يدرك مقدار الثمن الذي سيدفعه جرّاء السياسة الخارجية الراديكالية لحكومته . حكومة طهران إذا خشيت موقفاً شعبياً معاكساً لها ستكون فرص قبولها لعرض الولايات المتحدة محتملاً.
الدبلوماسية في حاجة إلى إحياء بالعلاقة للخلاف الفلسطيني الإسرائيلي. فهو المسألة الرئسية التى تساهم فى تشكيل الرأي العام ( وتطرّفه) فى المنطقة. الهدف هذه المرّة لايكون مجرد دعوة للأطراف كي تلتقي فى كامب دايفيد أو ماشبه ذلك، ولكن البدء فى خلق شروط تمكن الدبلوماسية، مرة ثانية، من العمل بشكل فعّال. الولايات المتحدة عليها أن تضع هذه المبادئ التى من شأنها أن تؤدي إلى تسوية نهائية والتى من ضمنها إنشاء دولة فلسطينية تقوم على حدود 67. ( حدود 67 لابد من إعادة رسمها بما يضمن مرعاة الأمن الإسرائيلي وكذلك أن يكون التعديل انعكاساً للتغيرات الديموغرافية الحاصلة، الفلسطينيون يجب تعويضهم فى حالة أي تعديل) فكل ماكان العطاء كريماً والمخطط مفصلا كلما صعب على حماس رفض المباحثات ومنعها من العودة للتصادم. وتمشيا مع هذه المقاربة يجب على المسؤولين في الولايات المتحدة الجلوس مع المسؤولين في حماس مثلما فعلوا مع قادة الشنفين الذين كان بعضهم يقود الجيش الجمهوري الإيرلندي. هذه المتغيرات يجب النظر إليها ليس على كونها انحناءات لتكتيكات الإرهاب ولكن لكونها أدوات تحمل من القوة سلوكا يتمشى وسياسة الولايات المتحدة.
الفرصة الثانية هي تحصين الولايات المتحدة لنفسها من فوضى المنطقة بالقدر الممكن. وهذا يعني التخفيض من استهلاك النفط وعدم الإعتماد على الشرق الأوسط كمصدر للطاقة. الأفضل أن تتحقق الأهداف عن طريق تخفيض الطلب (وتخفيض الضرائب على بمبة البانزين والتعويض برفعها فى أماكان أخرى- وتشجيع سياسيات تسرّع من البحث عن مصادر أخرى للطاقة) واشنطون عليها أخذ الإحتياط أيضاً، وأن لا أن تكون عرضة للإرهاب. فالقابلية للتعرّض للإرهاب هو كالقابلية للتعرض للمرض، لايمكن التخلص منها بالكامل. ولكن الكثير يجب أن يـُفعل من أجل واقية جيدة لأراضي الولايات المتحدة وكذلك لتحضير جيد عند وقوع أحداث لايمكن دفعها، إذا مانجح الإرهابيون.
تجنّب هذه الأخطاء، والإمساك بهذه الفرص، من شأنه أن يساعد، لكن الأهم أن ندرك أن ليس هناك حلول سهلة لمشاكل المرحلة القادمة فى الحقبة الجديدة والتى تفرض نفسها. الشرق الأوسط سيبقى متأزماً ومؤزماً لغيره في شتى بقاع العالم، لحقب كثيرة قادمة. وفي هذا مايكفي لأن يبقى الواحد منـّا في حنين إلى شرق أوسط قديم.
________________________

ـ لقد بعث لي الزميل سالم الحاسي بهذه المقالة في عيد الأضحى، فاعتبرتها هدية للعيد، وقد أرفقـها لي ببطاقة معايدة قال فيها " يمكن ـ في تقديري ـ لمن يطـّلع (على المقالة) أن يستشرف مخاطر تهدّد وجودنا على الخارطة السياسية وليس فقط شكل النظام السياسي" عبارته عن استـشراف المخاطر شغلتـني، فلم أحاول قراءة المقالة، وقد تركتها في صندوقي الأكتروني قرابة شهر من الزمان، لكنـّني حين سنحت الفرصة اندفعت لقراءتها بشكل نهم.
المخاطر التى تحدّث عنها الزميل سالم الحاسي موجودة بالفعل، وقد تكون على بعد مقربة منـّا، وقد يكون بعضها قائم الآن وصرنا نعايشه. هذا بالطبع ما دفعني لترجمة المقالة، وقد ذكرت له ذلك فى رسالة لاحقة فردّ الزميل بالقول " لقد أثلج صدري عزمكم على ترجمتها ونشرها على الصفحات الليبية، فلعلكم بذلك تستفزون عـقـولاً نيّرة فـتتجرأ على النظر خارج القمقم، وتخرج من دائرة الآني، لتستشرف المستقبل، وتستنكف عن التعاطي مع الشأن الليبي وكأنـّه وحدة منعزلة فى فراغ" لقد صدق الزميل فيما قال ونأمل أن تدفعنا هذه المقالة، التى نشرت فى عدد نوفمبر/ديسمبر من العام الماضي في مجلة وزارة الخارجية الأمريكية ، إلى النظر في الشأن الليبي على كونه حلقة في منظومة عالمية تسير بنا دون وعيّ.
المترجم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home