Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

السبت 29 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة

هوامش ليبية على متن الإنتفاضة التونسية : 2ـ3

المعارضة الليبية ورأس المال إجتماعي؟

زعيمة بنت الوطن

 

"لوكان الإستبداد رجلاً وأراد أن ينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة،

وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي:

فالمال.. المال.. المال"    (الكواكبي)                 

مازال  الشعب التونسي يتظاهر ويعتصم ويطالب ويعبر، في إصرار على قطع حبل الإنتفاضة السري من رحم نظام الإستبداد، فارضا على نخبته النقابية والحزبية والفكرية  السير على خطوات حدسه الثاقب، والإستجابة لنداءاته الملحة بعهد جديد في كل شيء.                                                   

وهاهو شعبنا في مصر يفجر بركان غضبه المحرق معلناً انطلاق المارد من قمقمه، ليزلزل الأرض تحت أقدام الأنظمة الإنقلابية العسكرية والبوليسية في المنطقة العربية والعالم الثالث برمته.               

وها هي تباشير التمرد والإنتفاض ومحاسبة الطغاة تنتقل من تونس إلى مصر، ومن مصر إلى اليمن،  ومنها إلى الأردن وموريتانيا .. والبقية تأتي ..

والسؤال الكبير الذي يجب أن نبحثه ونتدارسه هو: لماذا تخطت عدوى الإنتفاضة ليبيا إلى مصر؟

السطور التالية  لا تقدم وحدها إجابة ..إنها فقط تداعيات السؤال وانعكاسات الأوضاع المتلاحقة:

إن مأساتنا في ليبيا تختلف عن كل المآسي!                                                                

فوطننا مركز أكبر مصنع للأكاذيب السياسية والخطط المكيافلية وبرامج التزييف المتقنة.. تزييف الحقائق وتزييف العقول.. وتزييف التاريخ والوقائع والمقدمات والنتائج.. كل شيء في ليبيا كذب وادعاء وتزييف .. فبلادنا "العظمى" هي في الحقيقة من أحط البلدان في العالم:                                               

 إقتصادياً: بنشر الفساد، والتبييت لنهب وتبديد ثروات البلاد - بل وتقسيمها على عصابة معروفة - ونشر الفساد، وتدني مستوى المعيشة، وتفقير الشعب لدرجة أصبح معها خمس السكان تحت خط الفقر في بلد يفوق دخله التصور.                                                                                                 

وسياسياً: بإلغاء الدستور والقضاء على دولاب الدولة المنظم لشؤون الناس، وغياب القانون إلا ذلك الذي تمليه عصابة الحكم، وإفساد القضاء، وطعن أبجديات حقوق الإنسان، وإصدار القوانين التي تكرس حكم الفرد الأوحد(الذي يدعي دون خجل بأنه لا يحكم!)                                                              

 واجتماعياً: بخلخلة مقومات المجتمع، وتسهيل هجمة البداوة الفجة عليه، وتغيير ديمغرافية المدن  الحضرية، وخلق طبقة هجينة مترفة احتلت مقام النخب في كيان مشوه بكل المقاييس، هذا مع فتح حدود البلاد لسقط متاع الدول الأفريقية التي ساعد عاطلوها ومعدموها على انتشار الجريمة والمخدرات  وغيرها من الأمراض البدنية والإجتماعية.   

 وأخلاقياً: بنشر الكذب والإدعاء والإنتقام والإستلاء والرشوة والكيد .. وفي بيئة تختلط فيها المعايير والشعارات والأهداف، وتؤول فيها مشاريع التعليم والصحة والتجارة والصناعة، ومختلف أركان البنية التحتية إلى الفشل والإنهيار، تصبح كلمة الحاكم الفرد هي المرجع وهي القانون، وتصير دولة بكاملها وشعب بأجمعه، ووطن بحدوده مجرد حقل تجارب تحت تصرفه. والنتيجة أن يلتف به الجهلة والمرتشون  والوصوليون ليمنحوه البيعة ، ويعزفزن له ألحان التمجيد المسطر بمداد الغباء والتبعية.                  

وليست هذه المظاهر سوى نتائج جهود النظام المتواصلة لإحداث هزات جدرية في بنية مجتمعنا البسيط النقي الذي كان عجينة سهلة التشكيل، ومهيئاً بفعل عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية لأن يصبح في مقدمة الدول العربية، وأن يكون ثروة في رصيد الأمة.

مشكلة المشاكل:

والأنكى من هذا كله هو ما فعله هذا النظام بشبابنا.. بعقولهم وفكرهم وأخلاقهم . فلقد خطط لاحتوائهم وإلغاء أي قابلية للتفكير الحرعندهم، وحشو أدمغتهم بشعارته الفارغة ومقولات كتابه الأخضر التافه، فأنشأ لذلك المثابات الثورية، والمعسكرات الشبابية ومراكز التربية العقائدية، وجمعيات أنصار القائد، وأنصار الكتاب الأخضر، وأبناء الرفاق، ومواليد الفاتح .. إلى آخر التنظيمات الهجينة التي يصرف عليها من بيت مال الليبيين، والتي تفتح أبوابها لشباب ضائع محبط تربى في بيئة فاسدة كفساد رأسها، وصار مثلها الأعلى محصوراً في دائرة أعضاء اللجان الثورية التي كوفيء أعتى مجرميها بالمناصب الوزارية والحقائب الدبلوماسية والشركات الإستثمارية.. بينما رُمي المخلصون - بل وكل من اشتبه في إخلاصه لغير النظام - في غيابات السجون، وقطعت أصابع من كتب ضدهم قبل قتله، كما قضي على أكثر من ألف ومئتي شيخ وشاب وصبي في أكبر مذبحة بشرية في تاريخ ليبيا بعد جرائم ايطاليا، وصفيت شخصيات ذات قيمة قيادية في الداخل والخارج.

وهكذا أصبح أعضاء اللجان الثورية المتنفذون هم المثل الأعلى لعدد كبير من شبابنا بعد أن غابت القدوة المقابلة، حيث قضى النظام على من يخالفه بالقتل أو السجن أو النفي، وقطع الطريق على كل من تخول له نفسه حمل رأي مخالف، ناهيك عن التعبير عنه. وليس غريبا على منطق الأشياء ولا على علم الإجتماع أن يستجيب آلاف الشباب ذوي المستوى التعليمي المتدني والضحالة الفكرية، والتغذي المستمر على مدى أربعة عقود على تفاهات "الفكر الثوري" وديماغوجية "السلطة الشعبية"، ليس غريبا أن يستجيبوا لمغريات النظام ويصدقوا أكاذيبه، ويقعوا في شراكها ويدافعون عنها.. خاصة إذا تذكرنا حقيقة جوهرية وهي أن النظام قد وضع المجتمع كله تحت الحصار الفكري المفروض والمدبر بدعوى "الثورة الثقافية" فمنع دخول الكتب والصحف والمجلات، وفرض رقابته المشددة على كل كلمة حرة، متعمدا التجهيل والتسطيح واغتيال عقل الإنسان الليبي، ولم يفك هذا الحصار إلا بعد قرابة ربع قرن، عندما حدث هذا الإنفجار الهائل المسمى بثورة المعلومات، وصار من المستحيل عليه الوقوف أمام الطوفان.           

هذا الوضع أنتج لنا جيلا من الشباب حرم من التعليم الحقيقي، والتكوين المهني، والوعي السياسي و الإجتماعي .. شباب لا مثل عليا عنده ولا طموح.. ولا ثقافة ولا قدرة على المحاكمة أو المقايسة حتى لأبسط الأشياء. وبرامج قناة الجماهيرية تعرض علينا نماذج حية تثبت هذا عندما يتحدث عبرها مسؤولون وثوار و"مثقفون"و"شعراء"و"كتاب" لا لغة لهم ولا فكر.. يُتأتون ويرطنون ويلفون ويدورون، ولا ينطلق لسانهم إلا عند الإشادة بالنظام و"القائد" في عبارات محبوكة محفوظة، امعانا في  الإستهانة بعقول المشاهدين ووقتهم.. ولا عجب .. فهذه هي مخرجات التعليم "الجماهيري"، وهذه هي آثار نظامنا المأساوي في ليبيا ..                                                                                  

فأين موضعنا في خارطة التغيير الكاسح الذي تقوده مئات الالآف من إخوة الجوار؟.. وما العمل في ضوء هذه المتغيرات الجذرية التي تشهدها المنطقة؟                                                            

أليست الصورة قاتمة؟.. أليس النظام متحكما في معطيات مستقبلنا؟.. ألم نصبح مقيدين بقيود أخرى غير القبضة الأمنية وكلاب السلطة؟.. بلى .. إنها قيود نسجها النظام على مدى أربعة عقود طويلة في عقول كثير من  شبابنا ومن أهلنا البسطاء في القرى والواحات والبوادي. ولا ننسى خطط النظام في احتواء رؤساء القبائل وأعيان العشائر والعمل على إغرائهم لتأمين اصطفافهم وراءه،  وأغلبهم غافلون عن الإنهيار الحقيقي الذي تعانيه البلاد...  بالإضافة إلى ذلك فإن أولادنا الذين يدرسون في المدارس قد عُلموا (وفق منهج الكذب التزييف) أن ليبيا كانت قبل 69 وطنا مستعمراً يحكمه الأمريكيون والبريطانيون والجالية الإيطالية، وأن النظام الملكي كان مجرد غطاء على ذلك الوضع..وعليه فإن المحرر الحقيقي الذي أتى للوطن بالإستقلال وبالحرية هو "القائد الأوحد"!                                                      

هل تصدقون؟ .. هذه هي المعلومات التاريخية التي يتلقاها أبناؤنا ويرددونها! فماذا ننتظر من شبابنا ومن أجيالنا الفتية إذا افترضنا أن عدوى التمرد والإنتفاضة التونسية، أو المصرية هذه الأيام، قد تصيبنا؟             

المعارضة ورأس المال الإجتماعي:

بالرغم من أنني أحاول ألاّ أكون متشائمة عند استقراء واقعنا الليبي المعقد، فإنني أيضا أحاول ألاّ أكون رومانسية حالمة. ولذلك فمن الواجب علينا أن نعترف بتفاصيل مأساتنا، وأن نسلم بأن "حركة" المعارضة سواء في جناحها الداخلي الرابض في ميدان المعركة الحقيقي، أو جناحها الخارجي من منظمات ومستقلين، وهي الجناح الأضعف، لا تمتلك ما يمكن تسميته بـ "رأس المال الإجتماعي" داخل ليبيا، وهو القاعدة الشعبية التي يمكنها أن تقوم بالمبادرة أو على الأقل بالإستجابة لما قد تشهده البلاد من تطورات وهزات بفعل رياح الخماسين التي هبت على حدودها الغربية والشرقية على التوالي ..       

كلنا يعلم أن المعارضة الأصلية ولدت ونمت في الداخل بعيد الإنقلاب، ثم ما لبثت أن حُجمت بعد ذلك عن طريق السجن والشنق والتصفية الجسدية .. وبالتهديد والتخويف والتجويع والتفقير .. ولكن وبعد أن ظن النظام أنه قد قضى على مناوئيه وخلت له الساحة ، قيض الله نخبة من شباب ليبيا المثقف في الخارج فوضع أسس معارضة شرسة ذات نفس جديد، ولكن جهل الليبيين، للأسف، بالحياة النقابية والحزبية وبأصول العمل الجماعي والتطوعي، ولجهلهم بأساليب السياسة ودهاليزها، جعل هذه المعارضة تقع في شراك الإضعاف والتفكيك والممارسات غير الديمقراطية .. وهو الموضوع الذي دعوت في الحلقة الأولى إلى الإقدام على بحثه بموضوعية وصراحة وفي إطار من الجرأة والنقد الذاتي .. ومازال الوضع العام للحركة الوطنية الليبية يستدعيه ويفرضه ، وما زلنا في الإنتظار.                                             

ولعل ما يدعو إلى الإرتياح أن نبض الحياة قد عاد إلى معارضة الداخل من جديد، وأن وسائل الإتصال الحديثة وثورة المعلومات العولمية قد قطعت الطريق على النظام، وذلك بإدخال عنصر جديد لم يأخذه في الحسبان، وربما لذلك يحاول باستمرارالتشويش على وسائلها وإسكات صوتها بطرق سمجة غير أخلاقية. لقد بدأنا نقرأ ونسمع أصواتا عديدة أجهرها وأبلغها صوت أمهات سجناء أبو سليم الثكالى وزوجاتهم وآبائهم وأسرهم. نسمع تعليقات المعذبين ونقرأ ذكرياتهم ونفثات قلوبهم في الشعر والقص والمقالة والتعليقات والتسجيلات والرسوم .. وأصحاب هذه الأصوات يشكلون خمائرمهمة للتغيير الذي نسعى إليه ونعد له.. فلقد ظلت الحركة الوطنية لعقود تفتقر للرأسمال الإجتماعي المهم في كل معادلة تغيير، والذي يكونه المعلمون والموظفون والمحامون والطلاب والمثقفون والعمال بل والعاطلون الذين همشهم النظام وأهملهم .. رجالاً ونساء شيوخاً وشباباً من كل الفئات.                                         

ولكن وجود معارضين في الداخل يتصدون عزلاً لأعتى نظام عربي لايكفي إن لم يكن في إمكان هؤلاء تجميع ذلك الرأسمال الإجتماعي وتنميته والبحث عن كل الوسائل لتنظيمه واستثماره وتهيئته لظروف التغيير القادمة. وإني إذ أوجه خطابي لهذه الأسماء التي أشرقت في سماء ليبيا محاولة بكل ما اوتيت من طاقة وهامش أن تصدع بالحق وتعبر عن الحقائق مقابل الزيف .. إلى جمال الحاجي وعبد الرزاق المنصوري وإدريس بوفايد وفتحي تربل، وغيرهم عشرات لا تحضرني أسماؤهم الآن، وخاصة سجناء الرأي الذين عانوا عذابات السجون عام 73 وما بعدها .. وإلى الصحفيات الجريئات وعلى رأسهن غيداء التواتي وفاطمة الفسي والمحامية عزة المقهور.. أنكم أنتم العصبة التي نتطلع إليها بكل الأمل، وعلى عاتقكم تقع مسؤولية المبادرة إلى تجميع ما يمكن تجميعه وتنظيم ما يمكن تنظيمه في بيئة تحتلها السلطة بالكامل وتحرم فيها إنشاء أي جمعيات أو منظمات لا تخرج من عباءة "الثورة" الغاشمة" و"القائد" المستبد و"نظرية الحكم الجماهيري".

إن ما حدث في تونس، ويحدث الآن في مصر، لجدير بأن يدفع الليبيين – كل الليبيين – الذين يتطلعون إلى انتفاض شعبنا ضد جلاديه، أن يبحثوا عن طريقة أخرى للتعامل مع مشاكلهم المعقدة، وأولها كيف يلتقون على مباديء مشتركة تشملها قيمة جوهرية هي حب الوطن والسعي إلى إنقاذه من مأساته، وذلك بعيدا عن جميع النعرات والمؤاخذات والتشكيكات، وجميع السلبيات التي فرقتنا والتي انتفع بها النظام وعزف على وترها واستفاد منها في استمراره كل هذه السنين يتغذى على انقساماتنا وتناحرنا، وعلى خوفنا وسلبيتنا.  ولكن من المهم جدا أن نبتدع برنامجا جديدا يختلف عن ويتجاوز البرامج التقليدية التي تبنتها حركة المعارضة في الثمانينات من القرن الماضي، والتي لا شك أن الزمن قد تخطاها. ولنا في ثورة تونس المفاجئة دروس وعبر. 

وهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة إن شاء الله.             

زعيمة / بنت الوطن


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home