Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

السبت 22 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة

هوامش ليبية على متن الإنتفاضة التونسية : 1ـ3

أسئلة صعبة .. هل يمكننا الإجابة عنها؟

زعيمة بنت الوطن

ها أنا أمسك القلم بعد شهورطويلة غاب خلالها الشعور بجدوى الكتابة.. لأكتب مدفوعة بايقاع الملحمة التونسية الرائعة التي أحيت في النفوس موات الأمل، فوجدتني أدندن بلهجتي الدارجة:

تونس يا مشمومة

على صدر الأمـة المهمـومة

ياشمس العزة .. ياقمرة وطني ونجومه

إنت الشعلة وإنت القدوة

لباقي الناس المظلومة

وضع القدر شعبنا في تونس أمام إختبار إرادة الحياة فهبّ كأروع ما يهب شعب، وأبدى للأقدار التي لاترحم ولا تحابي عزيمة نافذة، ليس على ممارسة الحياة فحسب، وإنما على كتابة وقائعها بمداد الوطنية ومفردات الحرية وصيغ العزة،ر المنتفضة على البغي والإستبداد والتهميش .. فما كان للقدر إلا أن يستجيب.. ولليل إلا أن ينجلي .. وللقيد إلا أن ينكسر .. ولسان الحال ينطق فعلا لا قولاً:                   

إذا ما طـمحنا إلى غاية ركبنا المنى ونسينا الحذر

ولم نتجنب وعور الشعاب ولا كـبة اللهب المستعر

غامزاً لنا من طرف خفي علنا نفهم : 

ومـن لا يحب صعـود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر 

هكذا تغنى التونسيون غداة الرابع عشر من هذا الشهر..

فهل نحن معنيون بهذه الرسائل والمعاني والعبر التي بثتها وما تزال تبثها هذه الإنتفاضة الرائعة؟  هل نحن في مستوى تلقيها واستعابها والتجاوب مع ما تعكسه في نفوسنا وأذهاننا؟ .. هل تسمح لنا عقدنا وعيوبنا ونقائصنا، التي اسهمت فيها عقود أربعة من التجهيل والتدجين وامتهان العقل، بأن نفهم شروط التحرر وسنن الإنتفاض؟

هل يمكن لهذا الحدث أن يفتح أذان قلوبنا لتفقه معاني الوطنية الفاعلة - وليس مجرد العواطف التي يكنها حتى الفأر لجحره!- المؤسسة على الإتحاد والوحدة، وعلى التعاون والتضامن، وعلى الإلتقاء حول هدف واحد جامع واضح واسع، يضم تحت مظلته كل الليبيين ويربط بينهم برباط الإجتماع على الحق والخير، ونبذ الباطل بكل ألوانه وأنماطه القبيحة القميئة .. بقبليته وجهويته وعصبيته وضيق أفقه؟       

هل يمكنه أن يداوي فينا داء تضخيم الذات وتحجيم الآخر وسؤ الظن به وتهويل نقائصه.. ويبريء منا مرض ضيق الأفق، وحرج الصدور، ومحدودية التفكير؟                                                        

هل بامكاننا كليبيين – أينما كنا- أن ننهي تشرذمنا، ونتسامى على خلافاتنا، ونسد خلل صفوفنا، ونتجنب شكوكنا في بعضنا البعض، ونتوقف عن الهروب من عيوبنا المزمنة المركبة وذلك باسقاطها على الغير وايهام النفس بأننا منها براء؟

هل نملك الشجاعة على أن نتطهر من سمات وأوصاف المستبدين التي نحملها في خلايا عقلنا الجمعي ونطبقها في معاملتنا لبعضنا البعض، وداخل أسرنا وفي علاقاتنا الإجتماعية والوظيفية؟ هل بامكاننا أن نشفى من هذا الفصام النكد الذي نعيشه - وتعيشه النخبة المعارضة كعينة حية -  وهو أن ننادي بالحرية  وننكرها على الآخرين، وبالديمقراطية ولا نحتمل تطبيقها علينا، وبالتسامح ولاتزداد صدورنا في مختلف المواقف إلا حرجا وضيقا وتعصبا؟ 

الدرس التونسي:

لقد تعلمت من الإنتفاضة التونسية أشياء كثيرة ، أولها أن الفارق الحضاري والفكري والتنظيمي بين التونسيين والليبيين جد شاسع وواسع ومثير للحسرة.                                                          

صحيح أن تونس دولة راسخة الأركان – بغض النظر عما تحمله هذه الدولة من عيوب – وأنها مؤسسة على دستورعريق يسنده برلمان وأحزاب ونقابات مهنية..                                                     

 صحيح أن مؤسساتها تديرها كوادر مدربة وطبقة تكنوقراطية مؤهلة، وأن معاهدها تزهو بأجيال متنوعة الإتجاهات لم تفلح خطط التغريب في سلخها عن أمتها.                                                         

صحيح أن التونسيين قد تثاقفوا مع الفرنسيين – فلقد كانت تونس تحت الحماية الفرنسية ولم تكن مستعمرة- واطلعوا على ثقافتهم وتشربوا علومهم واستعملوا قيمهم الحضارية في الدفاع عن ثقافتهم وتطلعاتهم وقيمهم  الخاصة .. ولذلك فقد تمرس التونسيون بالنضال السياسي عقودا طويلة، فأنشأوا الأحزاب والتنظيمات، وكونوا صحافتهم الوطنية الحرة، ونظموا أنشطتهم الفكرية والأدبية، ومارسوا التظاهر، وكانت ولا زالت عندهم حركة حقوقية ونقابية عريقة، فكانوا منذ القدم شعبا ينمو ويتطور ويستجيب لمختلف التحديات بديناميكية رائعة.                                                                   

هذا كله صحيح..                                                                                                  

 وهو من العوامل التي جعلت هذه الإنتفاضة تأخذ شكلها الذي أخذته .. ولكن لنقف قليلا عند واقعنا ..   

إن الظروف التي عاشها شعبنا في العقود الأربعة الأخيرة على الخصوص هي ظروف غير مسبوقة في تاريخ بلدان المغرب العربي، بل والعربي. ولقد بقيت البلاد قبلها تعاني على مدى عدة قرون ظروفا قاسية من التخلف والفقر: قبل الحكم العثماني وأثناءه، وخلال العهد القرهمانلي وما بعده، وأثناء الإحتلال الإيطالي، وبفعل الحربين العالميتين، وأثناء الإنتداب البريطاني والفرنسي بعد ذلك.                         

 خلال كل هذه المراحل تعرض أهلونا لمختلف الإبتلاءات والمحن والأزمات، وحرمت أجيالنا الأولى من فرص التعليم المتقدم سواء التقليدي منه أو الحديث، وظلت النخبة الليبية محدودة العدد والإمكانات والتأثير. ولم يكد البلد يلتقط أنفاسه في عهد دولة الإستقلال ويتدرج في ممارسة الحكم لإخراج شعب من أنقاض الحرب والفقر والجهل والتخلف، حتى فاجأتنا "الثورة" فخنقتنا تحت عبائتها الثقيلة أكثر من أربعة عقود .. ومنذئذ ما انفك شعبنا يعاني نوعا جديدا من المحن والإبتلاءات، ربما أشد قوة وتأثيرا باعتبار اختلاف الزمان وتغير العالم، وباعتبار تسارع معدلات التطور وانتشار التعليم وانكماش المسافات الفاصلة بين البشر، وكل ماجعل معظم الشعوب تعمل مسرعة على الإلتحاق بركب الأمم المتقدمة ، وقذف بنا نحن في المقابل في قاع التاريخ وهوة الإنحدار والتخلف.                                                   

لا أظن أننا نحتاج إلى سرد تفاصيل الزلزال أو الكارثة التي حلت بنا كشعب ودولة ومجتمع وأفراد .. كمنظومة قيم، وكمنحى أخلاقي ، وكثقافة وسلوك ... كنسق في التفكير والتحليل ، وكمنهج في فهم العالم ورؤيته والإسهام في التعايش مع باقي البشر فيه.                                                               

لا أظن .. وعليه .. ورغم ما تقدمه المقارنة من فوارق .. أليس الشعب الليبي أدعى للثورة على مستبديه  من شعب تونس؟ ألسنا أحق في أن نشعلها تحت أقدام جلادنا الذي منانا بالحرية فألبسنا القيود.. ووعدنا بالإشتراكية فأوقع بأكثر من مليون شخص تحت خط الفقر؟.. أما أكذوبة الوحدة فتعرف الأجيال تفصيلاتها المكتوبة بحبر الفتنة والتفتيت وشق الصف العربي والإسلامي .. وللأسف .. فقد طبق كل هذا على الليبيين أنفسهم إذ أحيا فيهم التعصب القبلي والتمييز الجهوي والكراهية والتشكيك، بما بث في صفوفهم من عملاء وما أدار به دفة صراعه مع المعارضة من سياسة ميكيافلية ماكرة.     

لقد أدت مقولة رأس النظام الخرقاء في أواخر السبعينيات "من ليس معنا فهو ضدنا" والتهديد بالتصفية الجسدية وتنفيذها علنا وبالصوت والصورة، إلى نشؤ حركة معارضة قوية، بدأت حذرة مترددة، ومالبثت أن شاهدت زخما مده بها ثلة من الشباب الذي ابتعثوا للدراسة في الخارج وصارت العودة بالنسبة إليهم في تلك الظروف من قبيل رمي النفس إلى التهلكة .. زهقت أرواح ، وعلق على المشانق شباب في عمر الزهور، واغتيل سياسيون وكتاب ومفكرون .. وقضى النظام على كل من يمكن أن يتجرأ لرفض فكره أو أسلوبه السياسي، وفر كثيرون بأرواحهم وأولادهم وعقولهم وكرامتهم ..  

هل يجدر بنا أن نتساءل هنا ماذا حدث للمعارضة بعد ثلاثة عقود؟ وماهو المنهج الذي اختطته؟ وماهي النتائج التي حققتها في الماضي؟ وماذا يمكنها أن تحقق في المستقبل؟                                       

إن هذا لهو جحر الدبور .. ولأنني أبعد ما أكون عن الإلمام بتفاصيل هذا النشاط، ومعلوماتي مستقاة من قراءات ومتابعات .. وهي جميعها لا تعطينا صورة مشرقة ولا تزودنا بمؤشرات إيجابية .. فإنني أتمنى أن يتجرأ غيري ممن تمرس بهذه التجربة المشرّفة على ولوج عالم النقد الذاتي الذي بدونه لن نصل، ويشرح لنا بمنهجية وموضوعية ماذا حدث ولماذا وهل يمكن وضع خطة ما نتجاوز بها واقع هذه المعارضة التي لم تحقق معه هدفها الجوهري طيلة أكثر من ثلاثة قرون؟       

هذا هو ما يجب أن نفعله الآن وما يجب أن نتدارسه بكل موضوعية وتقبل للحقائق واعترافا بالحقائق .. وذلك لنعد أنفسنا للإ ستفادة من التجربة التونسية التي قامت على عقول وقدرات وقيادات استطاعت أن تعزف أجمل لحن للكرامة في زمن المهانة العربي.                                                              

الخطوة التالية التي تطرح علينا أيضا تساؤلات ملحة ومحرجة أخرى لا مهرب من مواجهتها ستكون موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.                                                                                                            

زعيمة / بنت الوطن


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home