Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

السبت 18 أبريل 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

صورة الإنسان الليبي من خلال قناة الجماهيرية
( 2 من 2 )

زعيمة بنت الوطن

بيّنا في الحلقة السابقة الوضع المزري الذي تعكسه قناة "الجماهيرية" فضائية النظام الجماهيري الذي يضخم ويغلّب ، بل ويفخر بالرداءة وتدني الأداء وضعف المهنية .. ورأينا الصورة الذي تظهر الإنسان الليبي رجالاً ونساء .. شيباً وشباباً .. أشخاص لا فكر لهم ولا وعي ولا ثقافة ولا فن .. سلب أغلبهم تدريجيا قدرتهم على المحاكمة العقلية ، ونظرتهم الإيجابية إلى ذواتهم ، وتطلعاتهم العقلية إلى المعالي .. إذ فقدوا مثلهم العليا واحتل المسرح غوغاء يدعون الثورية ويكذبون عقودا من الزمن حتى صدقوا أنفسهم وما زالوا يهذون بأن واقعهم المتردي هو حلم الإنسانية الذي يتحقق تحت مرأى ومسمع العالم ، وهذه القناة هي خير شاهد على ذلك .. وهي والله شاهد عليهم وعل الخراب الذي ألحقوه بالبلد.

تابعنا الشهر الماضي الإحتفالات بمولد النبي صلوات الله وسلامه عليه في مختلف القنوات العربية . ففي تونس تزامن احتفالهم باختيار مدينة القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية من قبل الإيسيسكو ، فكان احتفالهم بالغ الروعة ، بديع الترتيب ، ينم على ما يتمتع به المجتمع من تواد وتراحم ، ومن علم وتقدير للعلماء .. كما شاهدنا نفس الإحتفالات في المغرب بطرازه الفاخر وسمته الأندلسي العريق .. وفي دمشق بطابعه الشامي الأصيل الذي يعكس قيم المجتع الراسخة .. ويا ألطاف الله .. لقد شاهدنا في قناة "الجماهيرية" ، وحقيق بها أن تسمى بقناة "الجاهلية" ، خروج الفرق الصوفية والزوايا الدينية من أزقة المدينة القديمة بطرابلس ومن باب البحر ، فرأينا كيف تتقافز الكميرا من مشهد إلى مشهد ومن ركن إلى آخر ، ولم ندر إن كانت المشاهد من سنوات ماضية أم هو بث جديد .. خلاصة القول إن المتأمل في الجموع الخارجة مع هذه الزوايا يلاحظ بكل وضوح الفوضى والتدافع ونشاز الأصوات ، كما يلاحظ المظاهر المزرية التي تعكسها ملابس الناس المتنافرة الألوان والمسيئة حتى إلى اللباس القليدي الذي داسته الأعراب في شوارع بنغازي وطرابلس ودرنة ومصراتة .. كما يلاحظ أزقة المدينة القديمة المتهالكة والخرائب المنتشرة ، ويقرأ في وجوه الناس البؤس والكآبة ، فتنكشف لك أبعاد الخلخلة الإجتماعية التي تعيشها هذه المدينة المغبونة التي كان من سوء طالعها كونها عاصمة للبلاد منذ القرون الغابرة ، حتى نالها في هذا العهد مالم ينلها في العهود السابقة من تشويه اجتماعي ومعماري وثقافي. وماذا أقول عن بقية البرامج التي تبثها قناة "الجماهيرية" هذه؟

هل أتحدث عن نشرات الأخبار السمجة المسطحة ، ومذيعيها البائسين المتجردين من كل مواهب مقدمي الأخبار؟ إنهم لا يملكون صوتاً ولا مظهراً ولا مقدرة لغوية ، فالبؤس يسكن وجوههم ويعرقل حناجرهم حتى وهم يعددون ألقاب القائد ويرددون عبارات المديح التي حررها ثوريو وكالة الأنباء، ولسان حالهم يوحي بعكسها!هل أتحدث عن برنامج "صباح الخير أول جماهيرية" ؟ هذا البرنامج القميء والذي يزيد من قماءته كونه كشكولا غير متناسق ، يُتداول بين استوديوهات طرابلس ، وبنغازي (مدينة البيان الأول) ، وفزان (مدينة الشرارة الأولى) ومصراتة(شعبية المرقب) ، وسرت( مدينة الرباط الأمامي) ، مع إصرار على تشويه أسماء مدننا التاريخية العريقة، وكل مكان يبث منه يحمل عجائب المجتمع الجماهيري والإعلام الجماهيري ، القائم على تسطيح الذهن وتزييف الوعي وتأليه الفرد!

هل أحدثكم عن برامج الشعر الشعبي التي تجمع أناس من صحارينا وبوادينا - وأنا هنا لا أقصد المس بقيم هؤلاء الإنسانية ولا كونهم مواطنين ليبيين كاملي الأهلية – يصرخون ويتأوهون ويقولون شعرا بعضه مفهوم ومقبول وأكثره غث غريب الألفاظ غير مفهوم للمشاهد العادي .. وأغلب هؤلاء إنما يؤتى بهم لهذه الشاشة العتيدة ليكونوا مداحين للقائد ونظريته وجماهيريته .. وهكذا يخرجونه من كونه شعرا يرقى بالمشاعر ويحمل الوصف والبوح ويعكس القيم الجميلة ، إلى كونه أداة دعائية غوغائية .. وهنا يتساءل الإنسان لماذا نطرب ونتسامى عندما نستمع إلى مسابقات الشعر الملحون التونسي ، أو الشعر العامي المصري أو اللبناني أوالشامي أوغيره ، ولا نطرب ولا نترقى مع شعرنا الشعبي؟ هل الأمر متعلق بالصورة البدوية المتخلفة وبالأسلوب البدائي الفج ؟ أليس هذا من ضمن خطة تغليب الرداءة وتكريس التخلف ؟

هل أحدثكم عن البرامج الثقافية والأدبية ؟ إنني من مشاهدي برنامج الدكتور عبد الله مليطان الذي يحاول فيه أن يوقد شمعة في حلكة بيئتنا الثقافية ، ولكنه طالما يتكلف في اختيارنقاد وباحثين لمراجعة إنتاج كتاب وأدباء أغلبهم مازالوا في عتبات الأدب الأولية .. وهو حين يستضيف بعض هؤلاء من الذين يدعون المقدرة والموهبة فينشرون ويقولون كلمتهم أمام الله والناس يهالنا العي والتأتأة وعدم القدرة على البيان ، حتى إذا أفلح أحدهم في الحديث رأيته يردد كليشيهات مدرسية قرأها في الصحافة الأدبية ، لا تنبي عن أديب ولا تبشر بمبدع .... هل أحدثكم عن شعرائنا وشاعراتنا الشباب الذين تستضيفهم "الجماهيرية" ، والذين لا يرتقي معظمهم إلى مستوى طلاب في صف تعلم الكتابة الأدبية في أي ورشة إبداعية في مجتمعات أخرى؟ هل أحدثكم عن نصوص هجينة هي خليط بين الخاطرة والنثر والسجع المرسل ، حيث المخيلة المحدودة والعبارة القاصرة والأخطاء اللغوية والأسلوبية؟ .. هل أحدثكم عن نقاد الحداثة الذين يخرجون علينا من الشاشة وهم يلوكون عبارات تعرف كلماتها ولا تفهم معناها؟!

هل أحدثكم عن الثقافة في بلادي؟ .. تلك الصبية التي شوهوها وغطوا عينيها ليمنعوا عنها رؤية أي أفق إلا أفق واحد غائم مدلهم؟ .. هل أحدثكم عما أصاب الثقافة والقيم والسلوك والأخلاق والعادات من عبث وهلاك؟ إنها جميعا معروضة على شاشة "الجماهيرية" التي تصور الإنسان الليبي باعتباره فرداً بائساً مغبونا يشعر بالضيم ولا يعرف كيف يرده .. يفتقد الأمان وفرص التقدم والتحصيل العلمي الرصين والكسب القانوني الحلال .. فكل فرص العيش الكريمة حكر على فئات وأفراد وقبائل بعينها يفترض ولاؤها ويؤمن جانبها ويثمن تعهدها بالدفاع عن النظام ، لأنها إنما تدافع عن نفسها وعن امتيازاتها التي اكتسبتها بدون وجه حق. الإنسان الليبي إنسان منخرط في تحصيل ما حرم منه وهو العيش بيسر ، ولذلك فلا وقت لديه لترف التحسين المستمر لملكاته العقلية والنفسية والروحية . فلقد حولته الظروف إلى إنسان لا يعير المناقب العليا ولا التطلعات السامية أي اهتمام ، ليس لأنها اختفت من المجتمع الجماهيري فقط ولكن لأن التمسك بها والعمل على تحقيقها أو تنيه الذهن إليها باهظ الثمن!.. ولذلك نجد أن الإنسان الليبي قد فقد حسه الجمالي فلا تراه يعير النظام ولا النظافة قيمة .. وكما يقال فإن النساء يتفانين في تنظيف بيوتهن وتنسيقها ربما دفاعا عن احترام الذات وتأكيدا لوجود المجتمع المتحضر القديم ، بينما يجتهد الرجال والشباب والأولاد وربما النساء أنفسهن في توسيخ الشوارع والحدائق والأماكن العامة ، ربما تنفيسا واحتجاجا على دولة اللا نظام .. وبذلك فقدت الأصول الإجتماعية العريقة مكانها في معادلة حياة الإنسان الليبي اليومية .. هذه هي صورة الإنسان والمجتمع في جماهيرية اللامعنى التي أوهمت نخبتها ، الأسيرة في خانة ضيقة من الشعارات الكاذبة ، بأنها المدينة الفاضلة وأنها نموذج السعادة البشرية على الأرض.

زعيمة بنت الوطن


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home