Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

الخميس 16 أبريل 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

صورة الإنسان الليبي من خلال قناة الجماهيرية
( 1 من 2 )

زعيمة بنت الوطن

كثيرون هم الذين كتبوا وعلقوا وسخروا من قناة "الجماهيرية" البئيسة المفتقدة لأبسط درجات المهنية الإعلامية والمتجردة من كل ما يمت إلى الذوق الجمالي والتناسق الفني.

والحقيقة أننا قي حاجة إلى إجراء دراسة علمية يشترك فيها إعلاميون مؤهلون وعلماء اجتماع وكتاب وفنيون في الإخراج والتحرير والتقديم والحوار؛ بحيث تخضع برامج موسم كامل أو أكثر للمراجعة ، فترصد القيمة الفكرية والإجتماعية والفنية لكل صنف من البرامج على حدى ، بالإضافة إلى استطلاع آراء الناس فيها بطريقة علمية. وإني أتمنى أن يتجرأ الطقم الإداري المسؤول عن هذه القناة بتشكيل فريق عمل متنوع الخبرات والتخصصات لإجراء مثل هذه الدراسة ، مع منحه الحرية الكاملة في تجميع الحقائق والوصول إلى النتائج بعيداً عن المحرمات السياسية والخطوط الحمراء التي قضت على مضامين جميع نشاطاتنا .

وإذا كان هذا أمراً مستبعداً ، فحريّ بالمجتمع المدني ـ إن وجد ـ وبالروابط والمؤسسات ، وبالأفراد المهتمين بالثقافة والإعلام أن يتنادوا لإجراء مثل هذه الدراسة والقاء الضوء على النقائص والعيوب التي تحفل بها هذه القناة ، وتقديم المقترحات العملية لتلافيها.. ذلك أن هذه القناة هي للأسف وجهنا المعروض للعالم وبها نقيّم ، ويقيّم إنساننا وثقافتنا ومستوانا الحضاري.

ورغم أنني لاأشك في أن ما تقدمه "الجماهيرية" من برامج واستطلاعات وتحليلات وتمثيليات إنما يعكس الواقع الليبي المنهار ، الذي هو حالة معقدة ومستعصية باعتباره لا يقوم على مسلمات التنمية الإجتماعية وخطط تنطيم الحياة البشرية وتطويرها ، وكل ما يتماشى مع العصر ، وإنما يقوم على أساليب مفروضة من التثوير والتحريض والزحف ، والتي أدت إلى التحلل من القوانين والمعايير والأصول التي اتفق عليها المجتمع كمرجعية له ، يمكن أن تتغير وتتطور ولكن في حدود إطارها الضابط ؛ واستبدلت بشعارات توهم بمضامين من مثل "الشعب سيد الجميع" و "القرآن شريعة المجتمع" و"السلطة والثروة والسلاح ...." وغيرها مما يكذبه الواقع ، ولا يختلف عليه إلاّ المتنطعون.

وحيث أن غرض هذا المقال هو التعرض لبرامج قناتنا الفضائية العتيدة ، البعيدة عن أصول المهنة والمكتظة بغير المؤهلين اللهم إلا في النفاق الثوري والغوغائية الجماهيرية ، والذين يفتقدون حتى المظهر اللائق والنطق السليم ؛ فلنبدأ بأسوأ البرامج وأثقلها على القلب وأسمجها في تصويرإنساننا وثقافتنا وهي التمثيليات الإجتماعية السخيفة التي لا تستند على فكرة نيرة ولا تمثيل بارع ولا إخراج فني .. تمثيليات يتبادل فيها الممثلون زعيقاً يسمونه حواراً ، يعتمد على (الكش والنش) والغضب وردود الفعل العصبية المبالغ فيها، والمعبر عنها بألفاظ سوقية منحطة ، فيقدمون صورة للأسرة الليبية والمجتمع الليبي في قالب من الهمجية والفوضى والتخلف ، وكأننا من سقط المتاع أو من بقايا قبائل انقرضت قبل أن يشرق فجر المدنية .. فتسمع وترى رجالاً يتحدثون بمنطق بعيد عن الرجولة والمروءة ، ونساء يتحدثن بلسان حال التفاهة والتهافت، ويخرج الأبناء والبنات عن حدود االأدب والحياء ، فتصدمك تلك اللهجة الهجينة والنبرة الممطوطة والحوار السخيف ، وتؤسفك الرداءة التي تتلبس الشكل والمضمون معاً.

ولعل قائلاً يقول : ما الغريب في هذا ؟ إنما تعكس هذه البرامج ما يجري داخل بيوت كثير من الأسر الليبية وفي شوارع مدننا وقرانا وبوادينا .. أحقاً غاب العقل والحكمة والإحترام بين الناس وبين أفراد الأسرة الواحدة ؟ أحقاً غاب العقل والحكمة والإحترام بين الجيران والأصدقاء وأفراد الأسرة الواحدة ؟ أهكذا تهافت الناس وتسطح الفكر وساءت الأخلاق؟ .. أين ذهبت الأعراف الليبية الجميلة التي كانت تنضح بكل فطرة وسجية بأخلاق الإسلام المبنية على حسن التعامل والتكافل وعلى أجمل شعبة من شعب الإيمان .. ألا وهي الحياء؟ ..

وعلى ذكر الحياء .. كيف تسمح قناة "الجماهيرية" بعرض النساء الليبيات على شاشتها بالزي التقليدي الذي لا يلبس إلا في المناسبات الكبرى والأفراح ، والذي لا ترتديه المرأة إلا أمام بنات جنسها أو محارمها من الرجال ، وأكثرهن يخجلن من ذلك مع جوازه شرعاً ؟

كيف تقدم هذه القناة العرجاء بناتنا بكامل زيهن وزينتهن ، وفي أي صورة؟ .. في صورة الغانيات المتمايلات مع العازفين والمغنين وجوقات الأناشيد .. هكذا أمام الكميرات وعلى مرأى ومسمع من الشعب المحافظ الذي قُصد - وفق خطط جهنمية وطويلة المدى- تهجينه وإماتة النخوة والغيرة والكرامة فيه .. وإلا كيف تعتبر "الجلسة" التي تعرضها هذه القناة فناً وهي التي تفيض بالخلاعة ، حيث تتمايل الحسناوات (ولعلهن فتيات بريئات أوقعهن العوز ودفعهن النظام الجماهيري) على أكتاف شباب مهجن - كي لا نرميهم بأي أوصاف أخرى- أخرج عن الطوق واستهوته الأضواء .. وفي هذه "الجلسة" يصعق الليبي المحافظ من هؤلاء "الفنانات" اللاتي يعرضن لبساهن وغنجهن في أسلوب لايمت لثقافة مجتمعنا بأي صلة ، بل يتنافر معها. وهنا يمكننا أن نسأل: لماذا تعمدت هذه القناة إظهار المرأة الحضرية بلباسها التقليدي في كل البرامج الغنائية؟ أليست هذه خطة موضوعة ومدبرة ومخطط لها ؟ إنها إن لم تكن كذلك لحدثت عرضا ولأقتصرت على بعض اللوحات التي يستدعي موضوعها ذلك .. أما أن تظهر في كل أغنية وبهذا الشكل المائع فشيء يدعو إلى التساؤل.. ويثير الشكوك !

ولعلنا نحتاج إلى تذكر شيء هام وهو أن هذا لم يحدث دفعة واحدة وإنما حدث بالتدريج ؛ فكلنا يتذكر عندما تلقت القناة أمراً من أعلى سلطة في البلاد ، وهو العقيد القذافي ، بأن ترتدي المذيعات لباسهن الليبي وهن يقرأن نشرات الأخبار .. حدث ذلك منذ عقود ، وكانت المذيعات يرتدين اللباس الليبي اليومي وليس لباس الأعراس ، ولكن تلك كانت المقدمة.

هذا بالنسبة للباس المرأة الحضرية في المدن ، أما لباس البدوية ونساء القرى والصحارى فحدّث ولا حرج. فنحن لا نراهن إلا وهن في أسوأ صورة من التخلف.. إنني عندما أشاهد المرأة من باديتنا الشرقية ترقص حافية وتهز عجزها بطريقة منفرة ، وهي تغطي وجهها بخرقة سوداء بينما يمتد أمامها سطر من الذكور يصفقون ويهدجون بكلام لايفهمه المشاهد العادي ، متقافزين في فوضى وهياج ، مثيرين التراب من تحت أقدامهم .. فإن الدموع تقفز إلى عينيّ ...

وحين أشاهد بنات الجنوب السمراوات بأرديتهن الفاقعة وحليهن الفضية وهن يطحن ويرحين بأذرعهن المعروقة ، أويتمايلن في حركات مفتعلة تنضح بالتخلف والنشاز، فإني أشعر باغتيال البراءة وتشويه الفطرة النقية وبالإساءة إلى كل النساء الليبيات .. أما الرقصات التي يدّعون بأنها شعبية والتي ابتكرها أشخاص لا يمتون إلى الفن والإبداع بأي صلة ، أشخاص ليس لديهم من مؤهل سوى الثورية المتزلفة ، فهي لوحات لا تحمل مسحة من جمال ولا ملمحا من فن.. ولذلك فكثيرون يترحمون على بدايات هذه الفرقة في الستينيات وعلى تجلياتها التراثية الرائعة ، ومن نسي فليعد إلى فرقة المالوف بنظامها القديم بقيادة حسن عريبي والتي حصدت أكبر الجوائز في المشرق والمغرب ؛ وليتأمل البدلة الليبية في أجمل صورتها .. أما الآن فإن قناة "الجماهيرية" قد أسهمت في تشويهها بطريقة كأنها مقصودة .. تفحصوا بالله الفرق الغنائية التي تعرضها القناة ، سواء التي يفترش أعضاؤها الأرض ، أو "المنادير" أو الكراسي .. إنهم فنانون حقا ، فهم يتفننون في امتهان البدلة الليبية سواء كانت الجبة أو الجرد أو السورية والسروال .. وغني عن القول الإشارة إلى ديكور اللوحة أو الأغنية و طريقة تصفيف الفرقة و فنية التصوير ووضوح البث ، فالمقصود هو التركيز على الصورة نفسها لما لها من دلالات إجتماعية ونفسية وسياسية أيضاً ..

إننا إذا شاهدنا صلوات الجمعة التي تبثها القناة اتضح لنا ذلك التنافر في الألوان والأزياء والسحنات ، فترى بأم عينيك زحف القرى والصحارى على المدن بحيث أصبحت البلاد كلها أرض بدو وأهل صحراء. فبدل أن نرتقي بأهالينا الطيبين في هذه المناطق ونرفع من مستواهم شكلا ومضمونا ، فنوفر لهم جميع الخدمات وننقل لهم مزايا المدن ؛ بدل أن يحدث ذلك حدث العكس، وذلك بتشجيع أهالي تلك المناطق على الهجرة للمدن بغية إحداث خلخلة إجتماعية "ثورية" تقضي على التوازن السكاني وتهدد الإنسجام الإجتماعي بين الأفراد والعائلات .. وبدل أن يتعلم البدو من الحضر ويقتبسوا منهم ويتشبهوا بهم حدث العكس .. وكأن بقاعدة ابن خلدون تتحقق ؛ إذ أصبح المغلوب يقلد الغالب والغالب هنا هو من يملك تأييد السلطة التي صار نهجها العام نهجا هجينا بعيدا عن المدنية والذوق الراقي والنسق الجمالي .. وهذا ما تنطق به قناة الجماهيرية فيما تنقله للعالم عن الإنسان الليبي والمجتمع الليبي .

وهنا لايملك الإنسان إلا أن يتساءل : كيف وصل بنا الأمر إلى هذا المستوى المتدني؟ لماذا يكون واقعنا بهذا الشكل المزري كما تعكسه قناتنا التلفزيونية ، بينما يكون واقع الدول الخليجية مثلا(الذين لاينكرون ماضيهم المتخلف ولا بداوتهم) واقعا يعكس كل مظاهر التنظيم والتنسيق الذي ينم عن مجتمعات مستقرة تنعم بالحياة وتأخذ من التحضر والتقدم بنصيب في الشكل والمضمون معا .. ولماذا يكون ماضينا أكثر إشراقا من حاضرنا ، ولماذا تتسم مظاهر حياتنا بالفوضى والتخلف وغياب الذوق والجمال؟ ولماذا يعاني إنساننا الليبي من تعليم متهالك، ورعاية صحية منهارة، ومستوى دخل متدني؟ لماذا زحفت على حياتنا البداوة والتخلف وصرنا نعاني من الجهل والفقر والمرض من جديد؟ أيحدث هذا لليبيا ، وفي القرن الواحد والعشرين؟ .. ياللأسف ويا للمأساة..

زعيمة بنت الوطن


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home