Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

الأثنين 13 يوليو 2009

ماذا تريد المعارضة من النظام الليبي؟!

زعيمة بنت الوطن

لم يعد من الممكن إنكار وجود معارضة قوية ومتزايدة للنظام الليبي ، وللأسلوب الذي تحكم به ليبيا وتدار به شؤون البلاد ومصالح الناس. وإذا كان من الممكن إنكار المعارضة إبان القرن الماضي بسبب المكابرة وسياسة النعام ، فإن القرن الجديد الذي سادت فيه معطيات العولمة وأدواتها الخارقة قد قضى على تلك المكابرة وهذه السياسة ، بحيث أصبحت المعارضة على مرأى ومسمع العالم رغم جهود التضييق والمحاصرة وقطع الطريق. بل جعلت منها مؤثراً انتشربين نخب المجتمع في الداخل التي نقلته بدورها إلى غالبية الشعب. فلقد اتسعت الخروقات في عباءة النظام ولم يعد في الإمكان إخفاء التشوهات الواضحة في نسيج السياسة الليبية التي تزايدت على مدى أربعة عقود طوال.

ولعله لكي نتفق على تحديد هذه المعارضة علينا أن نبحث عن مظاهرها وتجلياتها في الواقع الليبي ، وهو ما يمكن تلخيصه في التالي:

* النقد العلني والمستمر للواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي وإرجاع التردي الذي وصلت إليه الأمورإلى منهج الحكم ونظرياته وتجاربه الهوجاء المتغيرة باستمرار.

* الطعن في الشعارات الثورية التي فقدت معناها على مدى أكثر من ثلث قرن ، وأولها شعار الحرية الذي يكذبه الواقع بكل حذافيره ، كما يكذبه سجل حقوق الإنسان وأحداث جريمة أبوسليم وغيره من السجون الأخرى، المكتظة بأسرى الرأي الآخر رغم مسرحية أصبح الصبح الهزيلة. كما تكذبه الممنوعات الكثيرة التي تشمل التظاهر السلمي والإعتصامات وجميع أنواع الإعتراض والإحتجاج التي هي من بديهيات حرية الرأي (والقضاء على الجهمي والتضييق على المنصوري والحجاجي وإدريس أبو فائد ورفاقه معروفة).

* تعرية الأكاذيب الأيديولوجية التي صار الناس يصرخون بزيفها وعدم جدواها من مثل "مؤتمر الشعب العام" و"سلطة الشعب" والأكذوبة الكبرى بأن "السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب" ، وأن ليبيا هي البلد الديمقراطي الحقيقي دون دول العالم الأخرى (هكذا دون أن يندى لهم جبين أو يرف جفن!!)

* إدانة التناقض الرهيب بين الدخل الوطني القياسي ومستوى دخل الفرد الزهيد ، والتعبير عن الحنق العظيم على الإسراف الذي يمارسه أمراء الأسرة الحاكمة المتنفذة قولاً وفعلاً وفي وضح النهار ودون خشية من الناس أو رب الناس. بالإضافة إلى تعرية الفساد المالي الذي عشعش بمعرفة النظام ومباركته لتوريط الأفراد بغية تملكهم ووضعهم تحت السيطرة.

* تصنيف المفسدين والمطبلين والمتلقين للرشاوى وسارقي المال العام وأعضاء اللجان الثورية الذين عاثوا في الأرض فسادا والذين ترعرعوا في بيئة "ثورية" موبوءة تعتمد على الموالين والعبيد وعديمي الضمير. وعليه فقوائم القتلة والمجرمين والسجانين ومخابرات السؤء مسجلة ومحفوظة تضم أسماءهم وقبائلهم وجرائمهم استعدادا ليوم الحساب الذي يرونه بعيدا ونراه قريبا.

* كشف انهيارالنظم التعليمية والصحية والإدارية وانهيار البنى التحتية في جميع مرافق الحياة ، وانحسار الطبقة الوسطى مع ظهور طبقة من قاع المجتمع وسقط متاعه إلى أعلى المستويات التنفيذية والثوراوية ، وقفزها بفعل الثراء إلى قمة الهرم الإجتماعي، مع وقوع حوالي خمس السكان تحت خط الفقر.

* تعرية القبضة السياسية وسيطرتها على الساحة الثقافية وإضعاف الصحافة وتدجينها وتوزيعها على التابعين ، المدربين عقائديا الخاوين فكرياً ، وشحن دولاب الإعلام الأعرج بمواد شعارتية جوفاء .. وكفى بفضائية الجماهيرية شاهداً على الفقر الإعلامي والثقافي وتسخير برامجها للتسبيح بحمد حاكم البلاد منذ أربعة قرون في محاولة لتحويله إلى معبود ينافس لينين الجبار.

* التململ المعلن من غياب الدستور وامتهان القوانين حتى الفطرية منها التي تعارف عليها الناس منذ القدم ، وإدانة عدم استقلالية القضاء بل وتبعيته السافرة.

* الكشف على محصلة المحصلات في السياسة الليبية وهي قيامها على أهواء فرد بعينه وعلى مزاجه الخاص ورغباته الشخصية ، وهو وحفنة صغيرة يديرون أدق شؤون البلاد التي صارت تنتقل تدريجياً إلى أيدي أولاده الذين صنعهم على عينيه وعيني من له مصلحة في إبقاء ليبيا على هذا الحال.

هذه بعض الإدانات والمكاشفات والاحتجاجات التي تتداول في اللقاءات والجلسات والمناسبات الخاصة والعامة، بين النخب والجماهير من الرجال والنساء على السواء .. كما تظهر في كثير من الكتابات في الداخل والخارج .. نقد مستمر وشكوى متزايدة وأوضاع متردية تزداد تردياً. والغريب أن النظام لا يبدو جادا في معالجة وضع البلد المنهار ، ولا يملك خطة علمية ولا عملية لمواجهة وضع يقترب من الإنفجار. بل إن الأشخاص المعدودين المخولين بوضع رتوش هنا وهناك على قسمات السياسة الجماهيرية والذين يديرون الإجتماعات ويصدرون التصريحات يدركون جيداً بأنهم لايملكون حولاً ولاقوة ، لأن السلطة في يد شخص واحد .. ليس هو الشعب بالتأكيد.

وهكذا صارت المعارضة بما تقوله وتكتبه وتصرح وتهمس به جزءا من الرأي العام الليبي ، ولم تعد محصورة في تلك النخبة التي هاجرت من وطنها في السبعينات والثمانينات واختارت أن تمارس نقدها للنظام من منفاها.. فهؤلاء وإن كان لهم قصب السبق وفضل الريادة ، فإن المعارضة بالداخل قد أصبحت هي الجناح الأقوى ، لوجودها في قلب المعركة ولما تمثله من تحدٍ حقيقي لهذا النظام .. ومع ذلك فلا نستطيع أن نخرج من المعادلة أبناءنا المهاجرين ، فهم الجناح المكمل الذي لا تحلق أحلامنا في العودة بليبيا إلى درب المستقبل الزاهر إلا بهم . وعليه ، فإننا إذا تمعنا في توجهات المعارضين وجدنا أنه يمكن تصنيفهم على فئتين : معارضة جذرية ومعارضة إصلاحية.

الجذرية: وهي ، في رأيّ ، ليست محصورة في خارج البلاد بين المهاجرين ، بل إن كثيراً من معارضي الداخل مقتنعين بأن الوضع لن ينصلح إلا إذا عادت البلاد أدراجها إلى العقد السابع من القرن الماضي . وعلى الرغم من أن هذا يبدو عكس المنطق السليم لإستحالة الرجوع إلى الزمن المنقضي ، فإن القصد هو العودة إلى المربع الأول الذي تلا إلغاء الملكية والإستيلاء على الحكم ، بحيث يشترك الناس في تأسيس دولة حقيقية جديدة تقوم على مقومات دستورية وسياسية واقتصادية وثقافية وقضائية ثابتة وواضحة ومدروسة ومتفق عليها ؛ نابعة من خصوصية شعبنا الليبي وتراثه ونسقه القيمي والأخلاقي ، ومبنية على تجارب حضارية ثبتت فاعليتها تاريخيا ، تكفل تداول السلطة واختيار المسؤولين ومراقبتهم ومحاسبتهم بوسائل قانونية.. وهذا معناه ألا تكون قائمة على رؤية فردية أو حسب تصور فئة قليلة تفرض نفسها بالقوة وتدعي إشراك الناس معها. فالناس هنا ليسوا مفهوماً هلامياً وإنما هم أولئك المنخرطون في منابر ومجالس وتنظيمات مشروعة ، ينتمون إليها ويصيغون برامجها ويختارون لقيادتها من يرون من المؤهلين والأكفاء وأصحاب الخبرة.

ويطالب بعض هؤلاء الجذريين بتنحي الحاكم الفرد عن السلطة وتسليم شؤون البلاد للجنة وطنية مؤقتة ليتم إشراك الناس جميعا في العملية السياسية بعد العودة إلى الدستور المعطل وتنقيحه والإستفتاء عليه. وبالرغم من أن هذا المطلب في جوهره مطلب مثالي يختصر الطريق نحو تغيير الواقع بحذافيره ، إلاّ أن أصحابه لا يملكون في الحقيقة الأدوات والوسائل التي تمكنهم من متابعة هذه المطالب وفرضها للتنفيذ ، فتبقى لذلك أحلاماً رومانسية مجنحة في سماء الأماني الجميلة التي قال عنها الشاعر:

أمانٍ إن تكن حقاً تكن غاية المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا حلوا

الإصلاحـية: ويكوّن أغلب هذه الفئة معارضو الداخل ، هؤلاء الذين تعلقوا بمعارضي الخارج في السبعينات والثمانينات وتوسموا في جهودهم النتائج التي يرجونها ، فلما طال عليهم الأمد ، وغلب النظام في معركته ضد معارضي الخارج بفعل إمكاناته الفائقة وتسلل عناصره إلى صفوف المعارضة لتشتيتها ، خاب أملهم وانكبوا على واقعهم واحتضنوا معاناتهم ورضوا بالأمر الواقع على مضض وتربص. ثم ما لبثت الظروف العالمية المتشابكة التي شهدها مطلع القرن ، والتي صارت تهدد الأنظمة الديكتاتورية ،أن فتحت باب الأمل على مصراعيه لهذه الفئة بأن التغيير الذي بدأ يجتاح العالم بعد أحداث سبتمبر لا محالة واصل إليهم. كما أن النظام - المحافظ على وجوده بكل الأثمان – اضطر إلى أن يكون أكثر مرونة وتنازلاً تجاه الغرب ، وأن يعمل جاهداً على تحسين صورته، والتي كان من أبجدياتها فتح كوة صغيرة للهواء والضوء خرج من خلالها سيف الإسلام ، الفتى المتحمس العامل على تمكين النظام من الإستمرار في القرن الجديد ، متأثراً بما لمسه في الغرب من حرية وسيادة قانون وحقوق الإنسان ؛ فتهيأت بذلك الظروف المناسبة للجانبين : جانب المعارضين الذين اتضح لبصائرهم المصير الرهيب الذي تسير نحوه الحياة في ليبيا بفعل سياسة النظام ، والنظام الحاكم الذي وجد نفسه مضطراً للسماح بهامش بسيط من الحرية : حرية الكلام والإنتقاد وأحياناً الكتابة التي بدأت بانتقاد الأنظمة العربية والحكام العرب وتعرية الواقع السياسي العربي المزري ، دون الإلتفات إلى ما يعتري النظام الليبي نفسه من نقائص وعيوب ؛ ثم ما لبث أن اضطر إلى السماح بنقد الواقع المحلي الذي بدأ به سيف وتبعه فيه غيره .. وهو وإن جعل أباه "خطّاً أحمر" جنباً إلى جنب مع الإسلام ومقدسات الأمة!! ، فإن الموجة التي بدأت بتعرية الفساد والمفسدين والرشوة والمرتشين والثوار المنتفعين ، لم يمكنها إلا أن توميء من بعيد إلى صانع النظام وقائده كسبب رئيسي لكل ما يجري في البلاد. لكنّ الشعار مع ذلك قد بقي في حدود الإصلاح.

وجذير بالذكر أن هذه الفئة التي تعرف حدودها وإمكاناتها وأدواتها ، وتعترف بعدم قدرتها على إحداث تغيير شامل وحقيقي ، تعتبر أن إجراء أي إصلاح في أي جانب من أطراف الحياة المصابة هو مكسب للشعب وبرهان للنظام على أخطائه التي طالما أصر على نكرانها. وبذلك يظهر هؤلاء في صورة مجموعة براجمتية عملية ، تحاول جاهدة أن تؤثر وأن يسمع صوتها وتنتشر دعوتها ، دون أن تمتلك أي ثقل تنظيمي لإنتفاء إمكانية ذلك في الوضع الحالي.

ويسند هؤلاء المعارضين (الجذريين والإصلاحيين معاً) أغلبية الشعب الليبي الذين اكتووا بنار النظام فكما نعلم لا توجد تقريبا عائلة ليبية لم تلسعها تلك النار أو يناوشها لهيبها إما بقتل عزيز أو سجن قريب أو تهجير ابن أو بنت أو حرمان من فلذات أكباد وحفدة وأصهار.. وهؤلاء في الحقيقة كارهون للوضع معارضون له من كل قلوبهم ، ولكن أربعة عقود من الإفساد والتسيّب والتجارب العشوائية قد فتت من عضدهم وأصابتهم بالغبن واليأس والتبلد واللامبالاة ، بعد أن حرمتهم من المؤسسات الأهلية والنقابات الحرة وأي نوع من مؤسسات المجتمع المدني .. بل حرمتهم حتى من الصحافة المستقلة.

إن السؤال الذي طرح كعنوان هو ماذا يريد هؤلاء؟.. وماذا يريد غيرهم من الساخطين على الوضع بقلوبهم ، والمناهضين له بفكرهم ورؤاهم؟

إنهم يريدون شيئاً واحداً لاغير .. شيئا بديهياً في هذا القرن ، وهو قبل ذلك حق للأفراد والشعوب .. حق حري به أن يفرض بقوة القانون الدولي والهيئات الدولية .. هذا الشيء الذي يطالب به كل المعارضين، والذي يكوّن البؤرة التي تتجمع حولها أفئدة كل الليبيين بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم هو دولة القانون .. فلقد مارس النظام الليبي سياساته تحت جنح ظلام دامس ، وتحت مظلة الأحكام الثورية والمحاكم العسكرية وقوانين الظلم والإجحاف المتعددة الأشكال والألوان في مراحله الفارقة المتعددة.

ولابد من التأكيد هنا على عنصري المصطلح المتلازمين : الدولة و القانون ، حيث لا يمكن أن يحدث في هذا الشأن أي اجتهاد ثوري من أي جهة.. فللدولة مواصفاتها السياسية والإدارية ، وللقانون أركانه وركائزه التشريعية. وإذا تحققت دولة القانون هذه بكامل شروطها وعلى أتم وجوهها فذلك هو الهدف والغاية التي يسعى إليها المعارضون وغالبية الشعب المغلوب على أمره ، والذي ينطبق عليه قول الشاعر:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنّن أن الليث يبتسم

إن الوقت يمر .. والتاريخ يسجل .. والله يشهد ، وهو ولي الصالحين.

زعيمة بنت الوطن


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home