Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zaima Bint al-Watan
الكاتبة الليبية زعيمة بنت الوطن

الخميس 3 ديسمبر 2009

عودة

زعيمة بنت الوطن

لم تستطع أن تضبط أنفاسها المتلاحقة ، ولا نظراتها المتقافزة في تشعبات الطرق والشوارع وعلى شرفات البيوت والمباني .. كل شيء قد تغير هنا.. هي لا تعرف طريق المطار جيدا ، فقد غادرت البلاد في الأسابيع الأولى لافتتاحه ، ولم تعد بعدها أبداً.
الشمس مزهوة بشعرها الذهبي ، والهواء يغازلها بخجل ، وهذا الضحى المنعش يذكرها بشيء ما يشبه أحلام طفولتها وصباها .. ( وبطعم القهوة في شرفة بيتها عندما كانت تلاحق أمانيها الهاربة منها إلى النجوم) .. حتما هذه ليست الشمس التي تراها كل يوم في سماء البلاد التي التهمت شبابها .. أحقاً هي هنا؟ .. أوقد عادت بعد كل تلك السنين؟ .. تتسع حناياها وتشعر كأنها تحتضن الدنيا وتغفر لها عقودا من الاغتراب والاشتياق .. تتسابق دقات قلبها ويختلط الفرح بالوجل حيث يعكر لذة العودة خوف من مجهول.
يا إلهي! .. ماذا لو يتعقبني الآن أحد؟ ماذا لوتبعني ذلك الضابط الذي حملق في جواز سفري طويلاً قبل أن يدخل به إلى المكتب المقابل ويغيب وقتا خلته دهراً؟ .. لكنه ختم الجواز وسلمه إليك بلطف متكلف تسلل من وراء عبوسه. السيارات قديمة متربة.. واجهات البيوت تقشرت وكأنها كانت تندب ماضياً جميلاً اغتيل على عتباتها .. ووجوه الناس عليها غبرة من هم ثقيل ووهن .. لماذا تلتقطين هذه اللوحة القاتمة بينما يزدحم صدرك بفرح طفولي دافق يطرد عنك ذلك القلق والخوف من مجهول؟
من المرآة الجانبية على يسار السائق لمحت سيارة حمراء تذكرت أنها رأتها قبل أن تستقل التاكسي من المطار. لقد لفت نظرها أنها جديدة ولامعة ومختلفة عن السيارات المصطفة هناك شعرت بتوتر خفي .. أهي تتبعني؟ أيكون ذلك الضابط ؟ شخصاً من الأمن؟ من اللجان الثورية ؟ ياإلهي ..!!
تسارعت دقات قلبها وشرعت في قراءة آية الكرسي وبعض الأدعية التي تدفقت من ذاكرتها حارة متوسلة. اختفت السيارة فتنفست الصعداء واستعاذت من وساوسها.. قبل أن ينبثق في داخلها ينبوع من مشاعر فياضة وصوت عبد الحليم ينبعث من راديو التاكسي وكأنه يعبر عنها : " هي دي هي فرحة الدنيا .. دق يا قلبي غني يا عنيا ".. رمت بها الأغنية إلى عالم سحري تعرفه ، اندست في أعطافه متلذذة بالشمس التي تفترش الأرض والسماء في هذا الضحى الطازج .. تمنت لو يطوي الله الأرض لتجد نفسها في بيت أسرتها الذي فارقته عقودا طويلة.. ياه!.. لقد اشتاقت إلى كل ركن فيه ، لن تسع أهلي الدنيا فرحاً بقدومي .. لكم ابتهلوا من أجل هذه اللحظة ..
وفجأة .. ظهرت السيارة الحمراء في المرآة تزحف مسرعة فتملكها الخوف من جديد ، فلم تعد تستطيع أن تتذكر شيئا مما في جعبتها من قرآن ودعاء.. توقفت السيارات عند إشارة المرور وتوقفت السيارة الحمراء بمحاذاتها تماما.. فتح الباب ببطء ، وخرج منه شخص بملابس زاهية الألوان غريبة التصميم .. يا إلهي ! .. إنه هو .. هو بدمه ولحمه .. بوجهه القبيح ،وشعره المنكوش ، وابتسامته الماكرة المستهزئة ، وعيونه التي تشبه عيون التمساح تقطر حقدا وظفراً وتشفياً .. اتجه نحوها بخطوات ثابتة ونظرات مصوبة.. إنه يقصدها هي .. ارتجفت وتصببت عرقا ، فكرت أن تندس في الكرسي وتنحدر إلى قاع السيارة .. واصل خطواته نحوها فصرخت بأعلى صوتها ، علّ أحداً يسمعها فينقذها منه ..

هزها زوجها المنزعج بقوة : زهرة .. زهرة .. استيقظي .. ما بك؟

زعيمة بنت الوطن


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home