Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bilal al-Libi
الكاتب الليبي بلال الليبي

الخميس 22 اكتوبر 2009

وقفات إيمانية بوجه الإلحاد والمادية

بلال الليبي

الحمد لله و كفى و سلام علي عباده الذين اصطفي

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه و عظيم سلطانه، له النعمة و له الفضل و له الثناء الحسن. له سبحانه الصفات العلي و الأسماء الحسني، تفرد بالجلال و الكمال، خالق الأكوان و ممسكها من الزوال، مبدع الأشياء و المخلوقات بغير مثال، تعالي في قدرته و علمه و حلمه. خلق الخلق من عدم و أوجدهم بلا معين و رزقهم من فضله العميم و تفضل عليهم برحمات ما لها من مثيل. تجلت سعة علمه في سعة ملكوته في سماواته ما يرهق العقل علي التصور. و تجلت قدرته و عظمته في أحجام الأجرام السماوية الهائلة السيارة في الأفلاك بلا تصادم ألا أن يشاء القدير العظيم. و تجلت قدرته في أصغر مخلوقاته من الذرات المتناهية في الصغر و مكوناتها التي منها ركبت المخلوقات و وجدت المدارك و المعارف و المأكولات و المشروبات و المركوبات و الطائرات و الأفلاك و البحار. فكل ما في الكون فهو مبني من تلك الدقائق الذرية التي تقاس بما لا يعلمه العوام من الناس بل تخصص فيها علماء نذروا أنفسهم لدراستها و الوقوف علي أسرارها فأفنوا أعمارهم في فهمها و سهروا الليالي لإماطة اللثام عن كنهها. فما أعظم الخالق الذي أوجدها من عدم و أحكمها بقوانين تسير عليها لا تزيغ عنها و لا تحيد بلا سبب و لا مؤثر خارجي.  فتناسق المتناهي في الصغر مع المتناهي في الكبر دل علي حكمة و قدرة و علم و إرادة و وحدة الخالق جل في علاه.

"قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"

و صلي الله علي نبينا محمد أفضل الخلق و علي آله و صحبه و أزواجه و تابعيهم و تابعي التابعين و عنا معهم إلي يوم الدين.

لنا في مقالنا هذا بحول الله و قوته وقفات:

1. الوقفة الأولي: حول فضل النبي و منزلته

فهو النبي المرسل المختار لحمل الرسالة، تنزل عليه من آيات الكتاب من تنهد له الجبال فحملها قلبه و وعاها عقله و نطق بها لسانه فكانت نورا و هدي و شفاء لما في الصدور. هدي به بعد ضلال و زيغ، و شفي به القلوب من الأسقام كالشرك و الكفر و الجحود و الحسد و الغل و البغضاء و الشحناء و الأنانية و العدوان و الظلم و الغش و النفاق و كل ما استقبحته الفطر السليمة. و دعا به إلي الهدي و الإيمان و الحب و التراحم و الصدق و المروءة و التزاور و اللين و الرفق و التعفف و الحياء و حسن الجيرة و صلة الرحم و بر الوالدين و كل خلق كريم و فعل حميد تحث عليه الفطر السليمة القويمة. فهذا الرسول كان سببا في إخراج الناس من الظلمات إلي النور فكفي بها من حسنة و خصلة أن كان الوسيلة إلي إنقاذ الأنفس البشرية من عذاب الله بعد عبادتها أصنام حجرية لا تضر و لا تنفع و ثم استبدلتها بعبادة أصنام بشرية لا تضر و لا تنفع كذلك إلا أن يشاء الله.

فكفاه، صلي الله عليه و سلم، أن مدحه ربه و أثني علي خلقه في أول سورة القلم فقال

"ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  (4)"

و أقسم بعمره في سورة الحجر فقال بعد ذكر شأن قوم لوط

" لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ"

و أثبت له الذكر فقال في سورة الشرح بعد أن من عليه بعد بشرح الصدر و وضع الوزر

" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)"

فلا يذكر الله إلا و يذكر رسوله و اقترنت الشهادة باسمه مع اسم الله تعالي كما اقترن معه في الآذان الذي يرفع خمس مرات في ملايين مساجد الأرض و صارت الصلاة و السلام عليه من الخصال التي ترفع الدرجات و تحط السيئات و صار يذكر في تشهد الصلوات و عند افتتاح الخطب و الدروس و في مقدمات الكتب و حين عقد القران و غيرها من المواضع التي لا تحصي، فأي رفع للذكر خير لو كنتم تفقهون؟

و غفر له الله ما تقدم من ذنبه و ما تأخر فقال في سورة الفتح

 " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2)"

و مع هذا كله يقول لبلال الحبشي الصحابي الجليل الذي لم يكن شيئا مذكورا قبل مجئ الدعوة الإسلامية بل كان يباع و يشتري فأصبح بعد الإسلام صحابي جليل و مؤذن المسلمين و ينقل عنه حديث النبي و يحبه الصغير و الكبير من المسلمين فسموا أبنائهم علي إسمه تيمنا و محبة و صاروا يترضون عليه عند ذكر اسمه. أتي بلال يؤذن بصلاة الفجر فوجد النبي يقوم الليل باكيا تتفطر قدماه من القيام و تسيل دموعه لربه و يخشع قلبه و جسمه و يظهر عليه التأثر، و لتعلم ما الحدث و ما القصة و ما الذي أبكي الحبيب المصطفي فأقرأ أخي الحبيب هذا الحديث العظيم لتعلم أن هذا و الله ما يكون من فعل و قول الكذابين و لا من يطلبون الدنيا و وجاهتها.

عن عطاء قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال عبد الله بن عمير : حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت : قام ليلة من الليالي فقال : يا عائشة ! ذريني أتعبد لربي قالت : قلت : والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت : فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال : يا رسول الله ! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ ! قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها : {إن في خلق السماوات والأرض} رواه ابن حبان و صححه الألباني.

فهل من يعشق النساء أو متع الدنيا و لذاتها، كما يريد لنا الملاحدة أن نظن بنبينا، هي مبتغاه و هدفه يفعل هذا؟ أفلا تعقلون؟

و في الأيات التي توعد الرسول من قرأها و لم يتفكر فيه ورد ذكر الفكر و طالبت القارئ أن يتفكر في خلق السماوات و الأرض فيكون من ثمرة ذاك أن تسبح قلوب و ألسن العباد و تسلم لله تعالي أن هذا الخلق ما كان باطلا و لا لعبا و لا لهوا، بل الحكمة في كل شئ تدل علي الحكيم الذي لا يلعب و لا يلهو، بل لابد من حكمة و هدف من كل هذا الخلق.

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)

و هذا يقطع الطريق علي الملحدين الذين وصل بعضهم في غيه أن أصبح يشك في حقيقة وجوده هو نفسه، و أن الوجود ما هو إلا خيال ينسجه العقل و أن هذا الحياة كلها تصور باطل و خداع عقلي و أن أحداث الحياة ما هي إلا أحلام و كوابيس لا حقيقة لوجودها. نعوذ بالله من الخذلان. فالإيات السابقة من سورة آل عمران تطالبك بالتفكر و التدبر و أن تحلل ما تراه و ما تسمعه و ما تعقله فالنتيجة الحتمية أن هذا الخلق ليس بخلق باطل. يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله عن التفكر:

"أصل الخير والشر من قبل التفكر ؛ فإن مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض ، وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها...ورأس (هذا) القسم الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما ، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة ، فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها ، وفي الدنيا وخستها وفنائها أثمر له ذلك  الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا ، وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت.وهذه تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والناس في واد. وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب اكثر الخلق.كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه،ولا أعطي الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع، كالفكر في كيفية ذات الرب مما لا سبيل للعقول إلى إدراكه".

2. الوقفة الثانية: من معجزات القرآن

هذا الكتاب المعجز الذي أودعه الله أسراره و جعله منهاجا و دستورا و هدي و شفاء للمؤمنين و أنزل فيه من الدلائل و البراهين العقلية و البلاغية و الفكرية و الفقهية و التشريعية و العلمية مما لا يدانيه شئ في ماضي و لا حاضر و لا مستقبل. و لك أن تقلب في صفحاته أين ما شئت و أبدأ من أي سطر شئت، و أقرأ سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين فستعلم أن هذا كلام مهيمن مسيطر ليس له مثيل و مع هذا فهو سهل سلس تتفدق كلماته إلي العقل كأنه يعرفها دون سابق قراءة، كيف لا و هو كلام من خلق العقل و فطره. و هذه القوة في اللفظ القرآني ملازمة له دائمة مستمرة من أوله لآخره سواء كان موضوع الآيات يدور حول الجنة و النار أم حول الميراث و الطلاق أم حول الخلق و التكوين أم حول الحيض و النفاس أم حول الحدود أم حول النحل و العنكبوت و الطير و الشجر أم عن قصص الأولين. فالقوة هي هي و إن اختلف تأثرنا نحن بتلك الآيات التي تهدد و تتوعد و تزجر و التي تبشر و تعد و تفرح و تسر.

حكي الشيخ محمد العريفي قصة وقعت معه في نيوزيلاندا حيث تقدم إلي رجل و امرأة طاعنين في السن ممن يقومون بالتبشير في الشارع و يعرضون ما لديهم من كتب و قال لهما إدعوني إلي دينكما، فقالا ديننا دين المحبة و المسيح يحبك، فقال و ماذا بعد، قالا انتهي أحب المسيح يحبك المسيح. فعرض عليهما أن يسمعا منه فوافقا، فرتل عليهما في الأولي من سورة مريم، ذكر رحمة ربك عبده زكريا ... ثم قرأ عليهما في الثانية كلاما من عنده و ليس بقرآن و لكنه رتله ترتيلا كترتيله الأول، ثم سألهما هل هناك فرق؟ فقالا نعم المقطع الأول كلام فيه صدق و قوة و جاذبية و أن القلب يتأثر به بطريقة خاصة ثم قالا إنه كلام الله، و هما لا يفهمان العربية.

و لك أخي الكريم مثل بسيط، أختار لك أيات من سورة الطور لا تفوت قرائتها و اسأل نفسك ما الأثر الذي تركته في نفسك. هل تشعرك برغبة في البحث و السؤال أم تصدك عن إعمال عقلك و فهم عالمك؟ هل تشدك و تلفت انتباهك تلك الغزارة في المعاني و المعارف في كلمات معدودة ببلاغة لا مثيل لها و بساطة و يسر و سلاسة يعييك معرفة كنهها؟ فأقرأ معي يا رعاك الله و أجب عن هذه الأسئلة بنفسك لنفسك و مستقبلك.

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (40) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)

هل علمت الأن أخي الحبيب ما نعنيه حين نقول أنه معجز لا يستطيعه بشر و لا جان؟ و خذ هذه الأيات التي تتحدث عن موضوع مختلف و قد اخترتها بصورة عشوائية من سورة البقرة التي تعد من السور المدنية التي يغلب علي آياتها الحديث عن التشريع و الحدود و الفقه، فتفكر

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)

هل شعرت أن قوة اللفظ القرآني أقل من الأولي يا أخي المنصف الكريم؟

و أما المعجزة القرآنية التي أحببت أن أحدثك عنها فهي معجزة ظاهرة و بينة، و هي حفظ القرآن الكريم من الضياع و التبديل و التغيير و التي تكفل بها منزله جل جلاله فقال

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

فهذا الكتاب اليوم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان و في خضم كل تلك الأحداث و المؤامرات و اتساع رقعة أرض الإسلام و اختلاف الألسن و تباعد المسافات التي لم تطوي بسهولة إلا حديثا، لازال الوعد الرباني لم يخلف و لن يخلف لأنه رباني. رغم ضياع العربية كلغة متحدث بها بين الناس في شئونهم اليومية إلا أن هذا الكتاب لم يتبدل فيه حرف و لا كلمة و لا سطر، فهو يقرأه القراء كما نزل علي النبي أول مرة. فكما نطق الفم الشريف بكل آية أوحاها الله تعالي له عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، فأنت أخي الكريم تنطقها تماما كذلك النطق. حرف واحد لم يتبدل أو يزحزح عن مكانه أو يغير فيه لا رفعا و لا نصبا أو جرا. و هذه الحقيقة الماثلة للأعين كانت سببا في دخول العديد من الناس إلي الإسلام لمعرفتهم باستحالة أن يحدث هذا مع أي كتاب إن لم يكن هناك قوة إلهية تحفظ هذا الكتاب.

ومن مظاهر حفظ هذا الكتاب من التحريف و التبديل أن هيأ الله له قوما نذروا حياتهم لخدمته و حفظه من أوله إلي أخره عن ظهر قلب و تعليمه لغيرهم. فتجد مئات الألاف من الحفاظ في شتي بقاع الأرض من مختلف الأعراق و البلدان و اللغات. تجد ذو الثمان سنوات يحفظه و تجد ذو الثمانين يحفظه كاملا. تجد من يتكلم العربية و من لا يتكلمها يحفظونه كاملا عن ظهر قلب، بل ويحفظون مواضع الوقف والوصل وأحكام التلاوة من مد وغنة وإدغام وإخفاء وترقيق وتفخيم وغيرها. ويكفي في هذا الصدد ما كتبه الشيخ محمد خليل الزروق مقالا حول مسابقة دبي الدولية لحفظ القران الكريم مقالا جاء فيه : http://www.almanaralink.com/new/index.php?scid=4&nid=18040

كان المشاركون من أكثر من ثمانين بلدًا ، بعضهم من بلدان لم أسمع بها من قبل . سبحان الله ! ما هذا الكتاب المنتشر في قارات الدنيا الست ؟ يتعبد الناس بألفاظه وإن لم يفهموا معانيها ، ويتلوه ويحفظه الصغار والكبار ، والذكور والإناث ، والعرب والعجم ، والأغنياء والفقراء ، والمتعلمون وغير المتعلمين ، وأهل الحاضرة وأهل البادية ، وأهل الشرق وأهل الغرب ، وأهل الشمال وأهل الجنوب ، لا يملون تلاوته ، ولا يسأمون ترداده ، ويُبلون في تعلمه أعمارهم ، وزهرات شبابهم ، ويهبون له أبناءهم وبناتهم ، وينفقون في سبيله أغلى أموالهم ، وأنفس ما عندهم ؟ هل هناك كتاب في الدنيا يحفظه الملايين لا يسقطون منه كلمة ، ولا يخرمون منه حرفًا ، ولا ينقصون منه غنة ولا مدة ، ولا حركة ولا شدة ؟ أيجوز أن يكون هذا كتابًا بشريًّا ؟! انتهي كلامه حفظه الله

و حسب بديهتنا فإن الإعجاز و القوة اللفظية تتطلب التعقيد و الصعوبة في التعامل مع ما بين يديك، و هذا قد يكون صحيحا مع كل الكتب إلا الكتاب الذي بين أيدينا و هو كتاب الله.

فهذا الكتاب مع إعجازه البلاغي و قوته التي تعني بالضرورة صعوبة حفظه و المحافظة عليه مما يؤدي إلي تبديل بعضه ونسيان البعض الأخر، لو لم يتعهد الله بحفظه، إلا أنه مع هذا يسره الله للذكر. فمن يستطيع أن يجمع بين هذه الأضداد و هي القوة البلاغية و التركيب اللغوي الفريد و سيطرة النصوص بهذه الطريقة العجيبة ثم يكون ذات النص ميسرا للذكر و سلسا و متناسقا لا اختلاف فيه و لا تناقض. من يستطيع إلا الذي لا يعجزه شئ في الأرض و لا في السماء.

وقد قرر ربنا جل و علا برحمته و فضله و منه تيسره هذا القرآن علي الذاكرين في سورة القمر حين ذكرت و كررت مرات عديدة الآية الكريمة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ

و لنا وقفة ثالثة نؤجلها بحول الله و قوته إلي مقال لاحق حول شخصية أكاديمية غربية اعتنقت الإسلام بعد إلحاد فلعل ملحدينا يعقلون أو يتفكرون.

فالحمد لله أولا و آخرا، و ما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتي يبين لهم ما يتقون، و الله حسبنا و هو مولانا فنعم المولي و نعم النصير. 

بلال

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home