Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Bilal al-Libi
الكاتب الليبي بلال الليبي

الخميس 3 سبتمبر 2009

إلى الحيارى من قومي...

بلال الليبي

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام علي من لا نبي بعده ، و بعد

كتب من أطلق علي نفسه لقبا يدل علي حاله – حيران – رسالة يسعي من خلالها التشكيك في كتاب الله بإلقاء الشبه حول ما يعرف حديثا بالتفسير العلمي للقرآن. فسرد لنا مثالا حول مراحل تكون الجنين كما أوردها القرآن الكريم ثم أورد ما يقوله العلم – حسب فهمه و بدون الاسناد إلي المصادر – ليثبت لنا تناقض القرآن مع ما يقوله العلم – حاشا لله و تعالي الله علوا كبيرا أن يناقض حقيقة خلقه صحيح كلامه.

إن ما يسمي بالتفسير العلمي للقرآن اختلف فيه كثيرا بين أهل العلم من مؤيد بضوابط و من معارض لفتح هذا الباب. و العلة في ذلك أن هناك الكثير من النظريات التي يحاول البعض ربط آيات القران بها – بحسن نية أو بغيرها - لازالت في طور البحث و لم تصل إلي الحقيقة العلمية فلو تغيرت تلك النظريات أو تبين خطأها ، لكُذِّب القرآن و هذا تحميل للآيات ما لا تحتمل. كما يحصل اليوم مع نظرية الانفجار العظيم التي وضعها علماء لتفسير بداية أو نشوء الكون. فلا شك أن القرآن أورد قصة بداية التكوين في الآيات القرآنية العديدة إلا أن فهمها و تأويلها لا يجب أن يترك لكل حاطب ليل أو لكل من ساقته عاطفته و حبه لهذا الكتاب بدون علم و لا دراية بأصول و ضوابط التعامل مع القرآن من إلمام بالعربية و معرفة بأسباب النزول و ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه و غيرها مما يتعلق بعلوم القرآن مما صنفت له عشرات الكتب.

و من المعلوم أنه يستحيل أن يصادم عالمنا المادي و علاقاته الفيزيائية ما ذكره الله تعالي بشأنها لأنه هو خالق و موجد و مبدع كل هذا الكون الفسيح و ما فيه من قوانين تحكم حركته و ما فيه من مخلوقات و موجودات . فخذ مثلا ذكر الله تعالي للسحاب و المطر فلا تجد و لن تجد يوما مهما بحثت و تعمقت إي خلاف بين ما أنزل علي محمد صلي الله عليه و سلم من أربعة عشر قرنا و بين ما يعرف اليوم و إلي يوم الدين عنهما.

و من المعلوم أيضا أن القرآن الكريم لم ينزل إلي البشر ككتاب للكيمياء و الفيزياء بل هو كتاب في أساسه هدي كما قال الله تعالي "ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" و هو كتاب لتصحيح و تبيان العقيدة الصحيحة لهداية الناس إلي الله بعد أن ضلوا و شقوا و عبدوا آلهة من دون الله – فمنهم من عبد حجرا و منهم من عبد بقرا و منهم من عبد بشرا و منهم من عبد نفسه و ظن أن ليس له خالقا يحاسبه علي ما فعل في دنياه. فالقرآن كتاب يبين لقارئه الفهم الصحيح و التصور السليم لقضية مهمة و هي من أين أتي و لماذا و أين سيذهب و كل ذلك بالحجج و البراهين. القرآن كتاب يبين لمتدبره علاقته بربه و علاقته بغيره. القرآن يبين لقارئه ما يحل له و ما لا يحل ، ما يصلح له و ما لا يصلح. القرآن الكريم يظهر للمتفكر فيه أن هذه الدنيا ما هي إلا دار بلاء و إختبار و إمتحان محدود بزمن ، و لكل محدود نهاية و انقطاع ، و لكل إختبار حساب ، و بعد كل حساب إما ثواب و إما عقاب ، إما فوز و إما خسران ، إما سعادة و إما شقاء – فليس في الآخرة إلا الجنة أو النار . هذا ما جاء به القرآن من رب الارض و السماء و ما سبق من الكتب السماوية و الرسل الكرام. و القرآن كتاب عقائد و أخلاق أيضا فهو يحث علي حسن المعاملة و الرحمة و الصدق و التذلل للمؤمنين و حب الخير لهم و لسائر الناس. فتجد في القرآن آيات تحدثك عن معاملة الوالدين المعاملة الحسنة و الإحسان إليهما بل و وصل الأمر أن حثنا الرسول الكريم علي البر بهما بعد موتهما بزيارة صديقها و الدعاء لهما. و لمن شاء أن يعلم قيمة هذه التعاليم فليقم بزيارة خاطفة إلي إحدي الدول العلمانية المتحضرة و ليقم بإحصائية بسيطة حول عدد دور العجزة عندهم و من فيها.

و القرآن الكريم كتاب تشريع فاحتوي علي آيات تبين الحلال و الحرام و تبين العلاقات بين البشر سواء إجتماعية أو سياسية أو حربية أو إقتصادية ، و كل ذلك بالقسط و بالعدل – " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ"

و القرآن الكريم ربط الاولي بالآخرة و ربط آدم بأبناءه إلي يوم الدين و ربط الرسالات بعضها ببعض من أولها لآخرها لأن مصدرها واحد و هدفها واحد. فقص علينا قصص الأولين لتكون لنا عبرة و عظة و ليبين لنا ما آل إليه أولئك الذين كذبوا الرسل و أحوالهم –" إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا – وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا- رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا".

و في ثنايا هذا الكتاب العظيم و النور المبين ترد آيات تتحدث عن آيات الله في الكون لتبين عظمته و قدرته علي خلقه و أنه المستحق للعبادة وحده لأنه خالق كل هذا الأشياء التي ترونها بأعينكم و تحسونها بأحاسيسكم و تفهمونها بمنطقكم و عقولكم. فتحدث عن الأرض و السماء و عن الشجر و النبات و الجبال و البحار و الحيوان و الانسان و الكواكب و النجوم و الشمس و القمر و غيرها كثير.  فالاستدلال في القرآن بهذه المخلوقات من باب الحجة و البرهان فقال تعالي " قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ" . و اقرأ تفسير إبن كثير حيث يورد في تفسيره -- يُرْشِدُ تَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ وَمَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ لِذَوِي الْأَلْبَابِ ، مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ كَوَاكِبٍ نَيِّرَاتٍ ، ثَوَابِتٍ وَسَيَّارَاتٍ ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَاخْتِلَافِهِمَا ، وَإِيلَاجِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، حَتَّى يَطُولَ هَذَا وَيَقْصُرَ هَذَا ، ثُمَّ يَقْصُرَ هَذَا وَيَطُولَ هَذَا ، وَارْتِفَاعِ السَّمَاءِ وَاتِّسَاعِهَا ، وَحُسْنِهَا وَزِينَتِهَا ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ مَطَرٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَأَخْرَجَ فِيهَا مِنْ أَفَانِينِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالْأَزَاهِيرِ ، وَصُنُوفِ النَّبَاتِ ، وَمَا ذَرَأَ فِيهَا مِنْ دَوَابٍّ مُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَالْمَنَافِعِ ، وَمَا فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَسُهُولٍ وَقِفَارٍ وَعِمْرَانٍ وَخَرَابٍ . وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْأَمْوَاجِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا [ مُسَخَّرٌ ] مُذَلَّلٌ لِلسَّالِكِينَ ، يَحْمِلُ سُفُنَهُمْ ، وَيَجْرِي بِهَا بِرِفْقٍ بِتَسْخِيرِ الْقَدِيرِ لَهُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. انتهي كلامه رحمه الله.

أما بخصوص الإعجاز العلمي فيكفي إي عاقل ، سليم الفهم ، باحث عن الحق ، متجرد من الهوي و الاحكام المسبقة أن ينظر في مسألة أو اثنتين مما أوردهما الله تعالي في كتابه لتبين له أن هذا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فوالله إن هذه الآية لكافية لمن كان له قلب أو ألقي السمع و هو شهيد حيث يقول ربنا جل و علا " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا-- وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ -- وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ -- وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنِ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ -- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ". فبالله عليكم هل يتصور متصور أن بشرا في صحراء قاحلة و مجتمع أقرب إلي البداوة لا يقرأ و لا يكتب جل همه الكلأ و المرعي و الثأر و التفاخر بالأنساب و الأحساب منذ أربعة عشر قرنا ، هل يتصور متصور أن يقرر أي بشر في ذلك الواقع كل هذه الحقائق و بكل هذه الثقة و هذا الإعجاز في اللفظ في ثلاثة أسطر!

فحدثتنا الآيات عن أصل السماوات و الأرض أنها كانت شيئا واحدا ثم فصلت و هذا قد عرف بعد الرحلات إلي الفضاء التي بينت أن أصل المواد التي يتركب منها القمر و الارض و بقية الكواكب شئ واحد. بل و بقياس الاشعاعات الواردة من النجوم البعيدة تمكن الإنسان من التعرف علي مكوناتها ما أظهر أنها و شمسنا أرضنا إنبثقت من مصدر واحد. ثم حدثتنا الايات أن بعد هذا الفلق أو الفصل وجدت الحياة و أن الحياة لا توجد إلا بالماء. و سبحان الله فالباحثون عن الحياة خارج الارض من علماء الفضاء اليوم أول ما يبحثون عنه هو وجود مياه من عدمه. فإن وجد الماء صار الطريق إلي وجود حياة أيسر. و حدثنا عن الرواسي الأوتاد الجبال التي جعلت لحفظ توازن الارض مع وظائفها الكثيرة الاخري. ثم حدثنا عن أن السماء جعلت كالسقف الذي يقيك البرد و الحر و الأذي فيقرر العلم اليوم أن السماء تمتص كما هائلا من الاشعاع الكوني الذي لو وصل الينا لتسبب بما لا حصر له من الامراض للبشر و أضر بالنبات و الحيوان. فحدثونا اليوم عن ثقب آخذ في الإتساع في طبقة الأوزون و أقاموا الندوات و المؤتمرات لمحاولة إيقاف هذا الشر القادم. و اليوم تثار ضجة ضخمة حول الاحتباس الحراري نتيجة تراكم الغازات بجو السماء مما أصبحت أثاره ماثلة للعيان ، و سبحان الله الذي قدر مقادير الأشياء فلا تطغي و وزن كل شئ فسار لملايين السنين بلا تخبط و لا ارتباك ثم جاء البشر ليفسدوا خلق الله فسبحان الله القائل في كتابه " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ". بل و أن السماء تحفظ الارض من عدد لا يحصي من الشهب و النيازك الصغيرة التي تحترق بمجرد دخولها المجال الأرضي الذي حفظ الله به الحياة علي هذه الارض من هذا القصف الجوي. فقل بربك كيف سيهنأ لك عيش و أنت تترقب في كل لحظة سقوط صخرة فوق بيتك أو تنتظر خبر تسوية بيت قريب لك بالأرض بصخرة سماوية ، فهل تشكرون ربكم؟

ثم تحدثنا الآيات عن خلق الليل و النهار و يا لها من معجزة و يا لها من رحمة ، فالليل سكن و راحة للابدان و النهار عمل و طلب للرزق ، فالشكر للخالق علي النعمتين العظيمتين تطلب تعبده بصلوات في الليل و في النهار. و قد بدأ بالليل فالليل سابق علي النهار في الوجود و الأصل أن الكون مظلم و الضوء مزيل للظلمة. ثم ذكر الشمس و القمر لارتباطهما بالليل و النهار و لكنه - و له العزة و الحكمة - بدأ بالشمس و ليس بالقمر علي خلاف ما بدأ به ما قبله من ذكر الليل قبل النهار ، فلعله – و هو أعلم و أحكم – كما أن الليل سابق علي النهار في الوجود فكذلك الشمس سبقت القمر في الوجود. ثم قرر القرآن حقيقة لا يماري فيها إلا مكابر أنها من دلالات نبوة محمد – فكيف له أن يعلمها في ذلك العصر – فذكر الله تعالي أن الشمس و القمر كل منها في فلكه سابح ، فالله أكبر الله أكبر الله أكبر. فأثبت أن الشمس و القمر متحركة غير ثابتة و أن لكل منهما مساره و سماه فلكا. و من العجب أن المفسرين الأوائل عندما تحدثوا عن هذه الآية ذكروا أن الشمس و القمر تسير في مسارات مستديرة منحنية – و هم لا يعلمون شيئا عن علم الفضاء الحديث و مدارات الأجرام السماوية المنحنية ، إنما اللغة العربية دلتهم فما أدراهم أن الشمس تسير في مسار مستدير حول مركز المجرة.

فيا عزيزي القارئ إن هذا الكتاب العزيز قد نزل منذ الف و أربعمائة سنين و قد تعرض للتمحيص و الدراسة و البحث من كل الجوانب و لا يعلم كتاب قد صنفت لأجله التصانيف و ألفت الكتب و شدت الرحال لتعلمه مثل ما حصل مع هذا الكتاب. و يكفيك أن تراجع عناوين التفاسير و عدد مجلداتها لتعجب كيف استطاع الاوائل أن يكتبوها بأدواتهم البدائية. و يزداد عجبك حين تعلم أن هؤلاء الذين قد قضوا جل حياتهم في العلم و القراءة و الكتابة قضوها في شرح و دراسة و فهم كتاب جاء به أمي في بيئة صحراوية طاردة للعلم و الفكر بطبيعتها القاسية. فكيف يتسني لأنسان أن يأتي بكتاب فيه كل هذه المعارف المتنوعة و القصص التاريخية و القوانين التشريعية و اللطائف القلبية و البشائر الإلهية و تفاصيل الحياة الأخروية كل هذا في كتاب بين أيدينا لم يتغير و لم يتبدل و لم يزل هو كما هو ، بل و يرشدك علي طريقة للتحقق من صدقه فقال تعالي " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا". و كل ما سبق في نص معجز تحدي به الإنس و الجن إلي يوم الدين أن يأتوا بمثله و للإمام فخر الدين الرازي كلام لطيف حول هذا التحدي فقال:

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَرَاتِبَ تَحَدِّي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقُرْآنِ سِتَّةٌ

فَأَوَّلُهَا : أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِكُلِّ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  

وَثَانِيهَا : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ قَالَ تَعَالَى : ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ )

وَثَالِثُهَا : أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَالَ : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ )

وَرَابِعُهَا : أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ فَقَالَ : ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ )

وَخَامِسُهَا : أَنَّ فِي تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُعَارَضَةِ رَجُلٌ يُسَاوِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَدَمِ التَّتلْمَذِ وَالتَّعَلُّمِ ، ثُمَّ فِي سُورَةِ يُونُسَ طَلَبَ مِنْهُمْ مُعَارَضَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ ، سَوَاءً تَعَلَّمَ الْعُلُومَ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا.

وَسَادِسُهَا : أَنَّ فِي الْمَرَاتِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَحَدَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَحَدَّى جَمِيعَهُمْ ، وَجَوَّزَ أَنْ يَسْتَعِينَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فِي الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ ، كَمَا قَالَ : ( وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وَهَهُنَا آخِرُ الْمَرَاتِبِ ، فَهَذَا مَجْمُوعُ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ.

إنتهي كلامه رحمه الله.

ختاماً أدعوا كل الحياري أن يتجردوا من أهوائهم و يقرؤوا كتاب الله بتدبر فالأمر ليس بالسهل و لا بالهين و ما هو بالترف الفكري أو من باب الأدب العالمي فما هو باللعب و لا بالهزل بل هو أجل و أعظم. فخلاصة كل هذا التدافع و الحوار حقيقة سنعاينها ، فهي إما جنة و إما نار ، نسأل الله لنا و لكم الجنة و نستعيذ به من النار و نسأله الهداية و الثبات.

وإلي كل الحياري هذا التحذير فمن سمع و وعي فقد نجي و من استكبر و أبي فقد هوي و خسر:

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 30 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ( 31 ) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 ) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 33 ) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 34 ) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 35 ) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 36 ) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)

و لا يفوتني في هذا المقام أن أحيي كل من ينافح عن هذا الدين العظيم و جعله الله في ميزان حسناتهم كالأخ الفاضل المحمودي الذي قيضه الله بتلك الصوارم في خصر كل ملحد عنيد فكشف عوارهم وبين زيف دعاواهم و سوء طويتهم. والاخوة سالم بن عمار والسليني والصلابي وعقوب والسعيطي وغيرهم ممن لا يحضرني إسمائهم، مهما تباينت مشاربهم وتوجهاتهم. فجزاهم الله عنا خيرا فهم علي ثغر من ثغور الإسلام قد لا يعلم كثير من الناس خطره و أثره.

فما كان من صواب وحق فمن الله وما كان من خطأ و شطط فمن نفسي ومن الشيطان.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أخوكم : بلال الليبي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home