Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Taher Ben Taher
الكاتب الليبي طاهر بن طاهر


طاهر بن طاهر

Wednesday, 13 February, 2008

متواليات

طاهر بن طاهر

خبر التصفية لأستاذ التاريخ وصل إلى قلب الضيعة وأطرافها, في ليلة شتوية قاسية, تناقل الناس الخبر ورددوه في همس ودون استغراب, فلم يعد خبرا كهذا ذا بال, كذلك فإن ذويه وأقاربه يتوقعون مثل هذا, في كل مرة يغيب فيها بين دهاليز الأمن, واستجوابات المخبرين والدوائر والمربعات الأمنية.
كانت الوحيدة التي بكته بحرقة وفزع, متخفية في ظلمة الليل البهيم السرمدي, بعد أن سدت الأبواب وباب مطبخها بإحكام, وانطلقت في نشيج خافت مكبوت, أفرغت ما في جوفها من حزن وألم وحسرة, بكت فيه من سبقه من الخلان والأصحاب والأقارب.
في خارج البيت ساد صمت بحجم الكون, لم يستطع أي منهم البكاء أو العويل, رغم وصول النبأ والخبر, عبر منافذ البلدة, وأزقة المدينة وشوارعها, المفضية إلى مركز الحدث.
في اليوم التالي تقدمت عربة zastava بلون وديان الصحراء, وبدواليب علت قامات الكثير من الرجال الواطئة, تطلعت الأنفس,ازداد الترقب والمراقبة, الطريق الترابي الملئ بالحفر والمطبات .الحجارة تطايرت مع سرعة السيارة كانت علب الطماطم والحليب الفارغة تنسحق تحت العجلات, تنبه بعض المنشغلين في همهم اليومي إلى فعل السحق والطحن المنبعث مع فعل الاجتثاث, توقف الشارع, وساد الصمت والسكون, لم تكن العربة لتخطئ بيت المغدور, أو لتتوه عنه, الباب الحديدي الموارب منذ أن غاب عنه الأستاذ, المطلي بلون الدم المتيبس على جبين الزمن برائحة الموت, وحجم القهر. بحركة آمرة انفرجت أسارير الباب, وفكت عقدة أقفاله, صوت المزلاج الصدئ أحدث فوضى وضجة صاخبة, اقشعرت لها أبدان جمهور المتطلعين, صمت القبور وهدوء الثور الحامل لبقايا القول المشنوق, أكملت المشهد الدرامي ليحط الرحال في ساحة البيت الداخلية, أرضية السور الإسمنتية المشققة والمتهالكة, لم تقو على تحمل الثقل والثقلاء, استبد بها الجزع, فتفتت غيضا وكدرا, بحركة سريعة وخفة بادية ترجل المعاونان, وأنزل معهما الجثة الملفوفة في كفن أبيض, وقبل أن توضع على الأرض, تساءل المعاون ذي الملامح الجنوبية من يستلم, تقدم الأخ, بعد سؤال وجواب قصيرين, دفع إليه بورقة تفيد الاستلام آمرا إياه بالتوقيع, عندما شاهدت النسوة المحتشدات في ركن الباحة, والمراقبات خلف شبابيك الزمن المنسي, ارتفعت أصواتهن بالصراخ والعويل, صراخ ثقيل بحجم الحزن الساكن في جوف الوطن, توالت المصوتات والصارخات, اغتنم المعاونان الفرصة, وبسرعة خاطفة كانا خارج السور, متبوعين بأصوات الاحتجاج والتذمر والاستنكار, وبدعوات النساء عليهم وعلى من أرسلهم بالهلاك والبوار وسوء المنقلب.
عند المنعطف حيث بيت المختار توقفت السيارة, وأمطرت المختار بسيل من الأوامر والنواهي, قام بنقلها حرفيا وبكل أمانة, حملت مجموعة من اللاءات, تحرم إقامة العزاء والسرادقات ومظاهر الحزن, ولا حتى البكاء ناهيك بالنواح.
الجثمان يتحرك وسط صمت الجميع وحزنهم, إلى (المضافة) الصغيرة حيث الجو أكثر برودة ورطوبة, احتمالا لتأخر الدفن, على الجسد المسجى أزيلت بعض أكفانه تكشف الموقف عن خروقات لقوانين السماء والأرض, آثار اللكمات والجـَلد بدت على الجِلد, عند الصدر بدت آثار الرصاصات المخترقة للضلوع والجوانح لتستقر عند القلب, لقد تمت تصفيته بالرصاص, هكذا قال الأخ وبصوت متهدج.
في الخارج توافد القوم من كل صوب وحدب, الصبايا تأتي سريعا كحمامات فقدت الإلف والإيلاف ما إن يجتزن العتبة حتى ترخى السواتر والجلاليب,, وتنطلق جوقة العويل والندب, والندوب, لتعاود الأصوات الخفوت والذبول في انتظار إثارة جديدة وقادم جديد.
في المضافة الصغيرة تحلقت النساء من الأقارب والمحارم, أخته الكبرى باشرت مراسم الوجد, ندبت فيه الرفد والغوث والسند, بجسدها الثقيل, وآلام ظهرها المبرحة انحنت وقبلت منه الجبين, سمعت كلامه الصامت وفهمته, عيناه الشاخصتان نحو أفق مجهول, ينظر حيث الأمل الغائب بين صفوف الموتى والعسكر والمصلين, تيبست شفتاها عند ملامسة بدنه البارد برودة الصمت المطبق على الكون.
اقتربت الزوجة بذهول وصمت, عندما التقت عيناها الجسد الممدد, استعادت سيل الذكريات, وتعجبت من داخلها, وهي تعرف جيدا من يكون, رقيق كنسيم الصباح الندي, عذب كماء زلال فرات انبجس من عين سحرية تستمد لذتها من عالم لم يخلق بعد, خجول إلى درجة الارتباك, لطيف المعشر, لا يصر ولا يتشبث برأي, همه الإقناع لا المواجهة, والمفاهمة لا المخاصمة, كيف اتخذه النظام عدوا, وصنفه من الخطرين, معادلة لم تقبل التوازن, أو حتى الافتراض, خاطبته بشفتين ذابلتين, وعينين دامعتين: أكان لزاما أن تقول ما تعرف! وأن تعلن ما تعتقد!, ألم يكن أفضل وأجدى لنا ولك أن تلوذ بالصمت وتطبق فاك أسوة بملايين الأفواه المسدودة؟ قولك أسكتني, ونطقك أبكمني, أردت خيرا يفيض عطاؤه على الآخرين فكانت النتيجة أنني وأولادك فقدنا الخير كله, وهؤلاء ممن دفعت روحك ثمنا لصمتهم, منهم الشامتون, ومنهم دون ذلك يدعون الشفقة والرحمة, أما الطامعون المشتهون لبقايا جسدي المتعب, الداقون لقضبان الذل في بقايا جثتك المحنطة في بيتك المنكوب, ستكبر فاطمة دون عين تحرسها, وترمم سيرها وتقيل عترثها, وتحنو عليها, تحسست شعر لحيته المجعد, ألقت نظرة على الجسد وغادرات بصمت.
في الخارج وعلى عكس ما رتبت السلطات جموع المعزين من الطفيليين من الأقرباء والأصدقاء والأباعد والأعداء تتوافد, تدور في أروقة المكان تعلن عن وجودها, وتختفي بسرعة البرق والهاتف, يتمتم الجميع بشائعات مختلفة ومتباينة عن سبب الوفاة:
ـ إنه مع الذين تحركوا داخل السجن وقد أصابته رصاصة في القلب.
ـ لا ليس هذا صحيحا إن الخبر اليقين أن الآمر كثيرا ما يتضايق من الأستاذ, فهو يمقته ويزدريه, ويوقع به أشد العقوبات, ويعذبه شر العذاب, وينذره بعذاب الهدهد, ويبدو أن الكيل قد طفح وفاض, وفي لحظة غضب أمسك الآمر مسدسه شاهرا إياه, ولكن الأستاذ رمقه بنظرة سخرية, وضحكة ازدراء, كانت كافية لتخليص الأستاذ من عذابه الأبدي .
ـ لقد أخبرني من أثق فيه وبه, أن القيادة العليا, أرسلت أسماء المساجين من الدرجة (أ) ـ حسب تصنيف البطاطا ـ وأمرت بإعدامهم بعد إجراء ما يلزم من روتين المحاكم.
اختلفت الروايات والرواة, ولكن الحقيقة الواحدة والمؤكدة أن الأستاذ قد غادر هذه الفانية ولن يعود.
السيدة المتخفية داخل المطبخ الباكية لم تعد بقادرة على كبث انفعالاتها, فكان أن خرجت صارخة مولولة بصرخات مدوية مرعبة, نبهت الجميع, خرجت بشعرها المجعد, وعينها الصدئة, اختلط اللعاب بالمخاط بالدموع, تجر رداءها دون انتظام أو ترتيب, شقت ثوباها حتى بدا ثدياها الضامران ضمور ماعز جزيرة العرب.
لم تكن النائحة من ذوات القربى أو الصداقة العائلية, فهي منذ عشرين عاما تردد ـ اللي ما يدخل يده في المغاغـير ما يلدغـنه الهوايش ـ عندما يأتي ذكر ولدها القتيل, بل تبرر موقف السلطة, وتتهم ولدها بالجهل والحماقة, وأنه دفع نفسه لما قدمت يداه, وتعلن أن من يسلك مسلكه ظالم لنفسه, فما الذي حدث وتغير؟
من يوم مقتل ابنها البكر حرصت كل الحرص على العناية بالآخر, تعليما حتى تخرج, ورتب لنفسه خروجا آمنا من البلاد, وافق يوم خروجه مقتل الأستاذ, ورأت أن الأوان قد حان لتفصح عما في خاطرها, وتندب ابنها الصريع, كانت تمقت الأستاذ لأنها تدرك أنه سيسبب لوعة وحزنا, مثل حزنها لآخرين يشبهونها تماما, لكنها كانت تجله وتحترمه في داخلها.
توسطت جموع النساء وهرولت في الاتجاهات الأربع, دون هدف حاولت تسلق الجدار, ولم تفلح, اقتربت من فوهة الماجل تريد غمر جسدها المتقد بنيران الحزن المتراكم, علها تطفي حرقتها, توقف المجموع في انتظار ما يكون.
بصرخة الحزن وما تحمله واو الندبة من رهبة, تتابعت واواتها وتلاحقت, متبوعة بآهاتها اللاهثة المتعبة, تبكي فلذة كبدها, تعلن تمردها: فليأتوا الآن ويخلصوني من جحيمي, أيها الأستاذ! يا من تبحث عن أحداث التاريخ, وتعتبر من قصصه قد صرت حكاية تحكى, وسطرا في سفر الحق والجنون.
بكت بلوعة وحرقة فقيدها وكأنه لم يغادر إلا منذ ساعة أو دون ذلك قليلا, تمددت فوق سرير الحزن, وتلحفت بلحاف الوله والشجن, وأسلمت صمتها لزوجة الأستاذ.

طاهر بن طاهر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home