Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah

Friday, 30 June, 2006

 

السلطة والمثقف : الحالة الليبية... مجدَّداً(!!)
(1 من 2)

السنوسي بلاّلَه

مقدِّمة :
لقد تناول كثير من الكتّاب موضوع العلاقة ما بين المثقف والسلطة، وأسهبوا فيه، باعتبار أنه موضوع حيوي يمس حياة المثقف داخل مجتمعه، ويوضِّح انسحاب أثر هذه العلاقة على إنسان هذا المجتمع بعامة، ما يفيد في كثير من جوانبه، معرفة بعض الأمور الهامة التي من بينها درجة تمتع المواطن بحقوق المواطنة بمختلف أبعادها. فالمثقف هنا هو عين المجتمع، ورائد الجماهير وموجهها، على رأي المناضل المثقف علاّل الفاسي. والوضعية التي يرتضيها المثقف لنفسه عادة، هي تلك التي يقبل بنمطها وسمتها سائداً أو متفشياً ما بين ظهراني قومه ومجتمعه. ومن هنا يمكن القول بأن حال الجماهير هي غالباً انعكاس متوقَّع لحالِ أو وضعيةِ المثقف ذاته. ونحن نشير هنا، ولو بطرف خفي، إلى المثقف العضوي، أي ممثِّل غير الممثَّلين، الذي لا يحتاج إلى تفويض "رسمي" من الجماهير لتمثيلها أو للتعبير عنها، بحسب أنطونيو غرامشي.
السلطة، بما تنوء به الكلمة من حمولات ذات أبعاد مختلفة (نفوذ، جاه، سطوة... إلخ)، كانت ولا شك السبب الرئيس في تفتيت وتباين موقف المثقف بخاصَّة والجمهور بعامة، إزاء طبيعة العلاقة ما بين المثقف والسلطة. فمتى ما استحوذ المواطن على شيء من "السلطة" مال إليها ـ أي اتخذ جانب السلطة ضد خصومها مثل ـ ومتى ما نال المثقف حظوة "السلطان"، تناسىَ واقع مَن ينبغي أن يهتف باسمهم ويدافع عنهم. ومن هنا اكتسب معامَل خروج الراصد من "اطار الصورة" دائرة السلطة ومجال مغناطيسها، أهميتة التي تُفضي إلى التمعُّن في محتوى العلاقة برويَّة، وتُمكِّن من متابعة بدايات ونهايات خيوط نسيج تلك العلاقة، بكل يسر وسهولة.

ذلك يمكن أن يمثِّل الخطوة الأولى في التعامل مع العلاقة قيد الدرس، ويلي ذلك أهميةً تفادي وضع التضاد معياراً لتقويم أُسسها وحصر الأطراف اللاعبة فيها، بل إن الأسلم موضوعياً، هو أن نتأمل طبيعة هذه العلاقة داخل الواقع الذي نتحسس معالمه ونسعى لسبر غوره، ثم نحاول بعد ذلك جاهدين وضع تصور معيَّن لهذه العلاقة، يحدد وجودها ويوضح ماهيتها.

تمهيد :
اشرتُ في مقالة سابقة بعنوان (...عن المثقف والسياسي) إلى موضوع (أو جدلية) العلاقة ما بين المثقف والسلطة. ومن ضمن ما ذكرت في سياق ما نحن بصدده: (... أن ملامح الفترة التاريخية المبكِّرة في علاقة المثقف بالسياسي في الفكر العربي تبدو واضحة بصورة ما "...خلال ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، حين كان الفقهاء أو العلماء يشغلون دور مثقف اليوم في علاقته بالسلطة. دور تمثَّل بالوساطة الإجتماعية، بين الخلفاء والناس. أما الفترة أو المرحلة الثانية فقد كانت مع بدايات القرن التاسع عشر، وتوطدت غداة استقلال البلدان العربية. وتكوّنت مجموعة تلعب دور مثقفي اليوم في علاقتهم بالسلطة..."). [موريس أبوناضر. المثقَّفون والمثقَّفون الجدد ـ الحياة 28/8/1994م.]. والواقع أن معظم هذه العلاقات الناشئة، تقوم في مجملها على تغليب المصلحة لأحد الطرفين، بمعنى تكريسِ مصلحةٍ ومغنمٍ لطرفٍ دون آخر، وقلّما كانت ذات فائدة متساوية ومتوازنة للطرفين معاً أو حتى متبادَلة ما بينهما أولمصلحتهما معاً. فهي غالباً لتغليب مصلحة السلطة، أياً كان من يمثّلها أو يرمز إليها. وهو ما أضعف، مع مرور الزمن وتقلّب الظروف، دور المثقف وأوهن حال وساطته ـ ما بين الجمهور والسلطة ـ إلى الدرجة التي أضحى المثقّف فيها في حاجة ماسة لمَنْ يتوسط له ـ هو ذاته ـ لدى السلطة. لا بل إن بعض المثقفين أعطوا المثل الأسوأ لفئتهم، وأوغروا صدر السلطة ضد جمهورها، وأفسدوا أجواء العلاقة ذاتها، بسبب مبالغاتهم وتهويلهم لواقع الحال المعيش، ما أدّى في المقابل إلى خلق أجواء النفور المتبادَل ما بين السلطة والجمهور، ناهِيك عن الأجواء التي لبّدت سماء علاقة السلطة بالصنف الآخر من المثقفين، الذي يمثله أو يرمز إليه المثقف العضوي.

كما ذكرت في تلك المقالة أيضاً، في سياق العلاقة ما بين المثقف والسلطة، التي يمثلها السياسي هنا، أنه "... وإذا كان المثقَّف ـ كما هو معروف ـ ينتج وعياً جمعياً بما يتركه من أثر (وإدراك باللحظة المعيشة بظروفها المختلفة) في الذاكرة الجمعية، فإن السياسي ـ رمز السلطة ـ ينتج وعياً تنظيمياً [يتعامل] مع مصالح و (براغماتيزم) إلى حدٍ كبير، تنزع في نهاية مطافها نحو تحقيق مصالح معينة، تقفز أحياناً فوق مصالح الفرد والأمة ـ وتنتهي ـ إلى اشباع رغبات أو حاجات محصورة في فرد (الذات) أو فئة محددة (رجال السلطة)، أو السلطة الحاكمة ذاتها (نظام الحكم)...".

الموضوع :
نقول بدايةً إن الإشكالية في علاقة المثقف بالسلطة، تبرز بشكلها السلبي عادة، داخل اطار النظام الشمولي. فبسبب القمع مثلاً ينتفض المثقف باحثاً عن دوره أو على الأصح ينهض المثقف ممارساً دوره المطلوب "المتوقَّع". فالمثقف خط دفاعي متقدم، يذود عن كل القيم النبيلة داخل المجتمع، إلاَّ أن سلطته تظل محدودة في مواجهة استبداد السلطة المواجهة له وتغوّل أجهزتها (الأمنية حصرياً).

قد يقول قائل أننا لو اتفقنا على تعريف المثقف.. والسلطة.. ـ كلٌ على حِدة ـ لأمكن لنا الإتفاق على تعريف معنى أو طبيعة العلاقة بينهما. ولكننا نقول بأن ما سنخلص إليه من هذا التعريف سيظل تعريفاً مسطّحاً ومحدد الأبعاد لمعاني الكلمات، فالمثقَّف سيمثِّل هنا "موقفاً" وأما السلطة فستمثِّل هنا "سلوكاً"، وهو ما لا يشير بصورة مباشرة ووافية إلى ما نريد، حيث يتطلب الأمر بعد ذلك دراسة وتحليل كل كلمة "مصطلح" على حدة، ثم دراسة الظروف الحاضنة لهما، وتأثيرها على طبيعة العلاقة التي تربط بينهما، وهو ما يزيد في تشعّب مقاصد فهم هذه العلاقة، ويزيد من صعوبة إدراك مغازيها.

معلومٌ أن سلطة المثقف هي سلطة معنوية بالدرجة الأولى، وفي المقابل، فإنه عندما يتباهى المثقف بأنه أصبح ذو سلطة تتجاوز "حدود" سلطته كمثقف، عندها يكون قد انسلخ عن دور المثقف الذي يبدو هنا أنه كان متقمصاً له لفترة ما وربما لغرض ما أيضاً، وتجنح به الصورة هنا إلى تجسيد صورة المثقف التقليدي، برأي غرامشي. ومن هنا فنحن "...لا ندعو المثقف إلى امتشاق السلاح" على رأي الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري، ولا نطلب من المثقف انضباطاً تنظيمياً معيناً أو انتماءً مذهبياً/ايديولوجياً ـ إذا لم يكن منضبطاً أو منتمياً ـ بل إن كل ما ندعو إليه هو أن يمارس المثقف دوره. وهو الدور الذي نتوقع منه الكثير، وأبرز هذا الكثير هو التفاعل مع الجمهور، والتعلق بقضايا الوطن، واتخاذ المواقف المنصفة وقت لزومها.

وحتى لا يُقال أن هناك قصوراً في الفهم أو خلطاً بين المفاهيم، نودُّ على الصعيد المقابل، التأكيد على أحد المفاتيح المفاهيمية التي لاحظنا أن بعض الكتّاب لم يقف عندها بما فيه الكفاية. ومثال ذلك أن المثقَّف نتاج مجتمعه ولسان حاله أيضاً. فمن يفرِّق بين المثقَّف وبين التزاماته الأدبية والأخلاقية تجاه مجتمعه ـ بأية حُجّة من الحِجج ـ يفتأت ولا شك على كثير من أبعاد المفهوم والمعنى، في علاقة المثقف بالمجتمع، والمدى البعيد الذي قد يصل إليه أثر وتأثير هذه العلاقة بينهما. فإذا لم يهُب المثقَّف ويترجم مشاعر وطنه ومواطنيه في الضرّاء، فلا حاجة لهم به في السرّاء ورغد الحياة. ومَن يصنِّف المثقَّف في خانة الرّاصد لحركة المجتمع والموثِّقِ لها فقط، فقد نأ بالمثقَّف عن الواقع وحرَمه، في المقابل، ممارسة قدرته على تفعيل قدرات قومه واستنهاض هممهم وقت محنهم.

السلطة والمثقف : أو على الأصح كيف تعاملت السلطة "في ليبيا" مع المثقف في الماضي؟
ولكي لا نطيل في الإجابة على هذا السؤال فيكفي أن نشير إلى أن العلاقة ما بين الطرفين كانت منذ حوالى عام 1970م. مشفوعة بسوء النية، ومحفوفة بالإتهامات ومحكومة بالقوانين والمحدِّدات المجحِفة، وملبَّدة بغيوم الريبة وعدم الثقة باستمرار. ومن النتائج المبكِّرة لتلك العلاقة كان التخوين والإعتقال والإقصاء والتحجيم، واستصدار القوانين القامعة للحريات، التي كان المثقف من أبرز ضحاياها على الدوام وعبر السنوات. ويحدث ذلك في الوقت الذي تعجز فيه السلطة عن تقديم البديل المادي والمعنوي (البشري) الذي يستطيع أن يملأ أو يسد فراغات وانكسارات تلك العلاقة، ما زاد لاحقاً في حجم هُوّةِ فجواتها وشروخها وأعجز، لا بل أبطلَ، حتى محاولات رأب صدعها وعلاجها، حيث سبق السيف العذل، واتسع الخرق على الراقع، بكلِّ المعاني والأبعاد.

من النتائج السيئة لتلك العلاقة أيضاً أن دُفع المثقف إلى عدم الثقة بنفسه دفعاً، نظير ما أصابه جراء تلك العلاقة من يأس وإحباط، وتوقُّف عن اتخاذ المبادرات وإبداء الرأي والنصح، بل ومعايشة المفارقات بمختلف صورها. فشعر بالإقصاء وهو مع الحشود، وتألم من عذابات السجن وهو طليق، وما بالك وهو سجين فعلاً. وذاق مرارة الغربة وهو داخل الوطن.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home