Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

السبت 23 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

ملاحظات حول النشاط السياسي والتنظيمي

 في ليبيا قيل الاستقلال

(1 من 2)

السنوسي بَـلاَّلـَه 

ليبيا العثمانية تنظيماً وسياسةً:

مرَّت ليبيا في تاريخها السياسي بمراحل عدّة مهمة ومتقدمة، كان من شأنها وضع اللبنات الأولى لترسيخ الروح التنظيمية السياسية بمختلف اشكالها.

ونحن نثبت هنا، اعتماداً على المصادر التاريخية المختلفة، وجود الوعي السياسي عند الليبيين، بل وسبقهم التاريخي في مجال العمل التنظيمي على الكثير من الدول، وبخاصّة دول المنطقة العربية والعالم الثالث. ومن ثمَّ فإننا نرد بذلك على كل الدعاوى التي يكررها البعض، والتي تتردد أحياناً، قائلة أن الشعب الليبي جاهل متخلِّف، ولن يكون قادراً على ممارسة الديمقراطية، بما تتطلبه من وعي ونضج سياسي. 

تفيد أغلب المصادر والمراجع التاريخية الخاصة بأوضاع النشاط السياسي والتنظيمي في ليبيا أنَّ البدايات الأولى للتوجهات السياسية – التنظيمية اتضحت وتبلورت إبّان فترة حكم العهد القره مانلي، حيث كانت الدولة القرة مانلية - وهي أسرة تركية الأصل، ليبية النشأة والموطن - حكَمت ليبيا بين سنتي 1711م. و 1835م. وقيل إلى ما بعد 1836م. حُكماً ذاتياً مستقِّلاً عن الأستانة والباب العالي، باستثناء تلك السيادة الإسمية ذات الطابع السياسي الديني، الذي يبدأ وينتهي بفرمان توليةٍ يُصدره السلطان.

ويبدو تاريخياً، انه خلال فترة استقلال وتفرّد بعض الولاة بالولايات التي يحكمونها، حدث نوع من النشاط او الانتعاش السياسي الوطني، المحلي، الذي رأى فيه أولئك الولاة نوعاً من التنفيس عن الرغبات المكبوتة للمواطنين والرعايا من ناحية، كما رأوا فيه تعزيزاً لمكانتهم وسلطتهم. 

ومن هنا انتعشت في ليبيا، تبعاً لذلك، بعض التوجهات السياسية والتنظيمية وأصبح للدولة رجالها المسيسون.  وبرزت بعد ذلك بعض التنظيمات والأحزاب خلال حكم يوسف باشا القرة مانلي (بداية عام 1800م.) في طرابلس، مثل:

1-  حزب القول أغلية، أو الكراغلة كما عُرفوا فيما بعد، برئاسة رئيس الوزراء آنذاك الحاج محمد الشيلابي بيت المال، ويمثّل هذا الحزب السلطة القوية القائمة في الولاية، وعليه تعتمد سياسة يوسف باشا.

2- حزب الأهالي الذي يرأسه السيد النبيل حسونه الدغيس، وزير الخارجية وصهر ولي العهد الأمير علي باي بن يوسف القره مانلي. وعلى الرغم من أن هذا الحزب يُعدُّ من حيث القوة والأهمية أقل من الحزب الآخر، إلاَّ انه كان مع ذلك قوة يُحسب حسابها. 

وعلى الرغم من اعتقادنا بأن تلك التنظيمات أو الأحزاب تُعتبر إلى حدٍ كبير تجمعات "أو تنظيمات قبلية عشائرية" أو جهوية معيَّنة، إلاَّ انها كانت في واقع وجودها (المحسوس والمؤثِّر آنذاك)، علامة مضيئة في تاريخ النشاط التنظيمي أو الحزبي في ليبيا. 

لقد تركَّز أغلب النشاط السياسي لهذه الأحزاب خلال الفترة بين 1825م. و 1829م. فحسونة الدغيِّس غادر البلاد سراً في شهر أغسطس من عام 1829م. بعد اتهامه بالتورّط في إحدى المشاكل السياسية التي كان يوسف باشا والقنصل الانكليزي فردريك وانغتون أطرافاً فيها، وهي المشكلة التي عُرفت بمشكلة اغتيال الميجر غوردون لاينغ، البريطاني الذي قُتل وهو في طريقه إلى أواسط أفريقيا.

وعاودت تلك الاحزاب نشاطها السياسي بعد ذلك، ولعبت دوراً فعّالاً ومؤثِّراً خلال النصف الأخير من عام 1832م. حيث كانت من ضمن أهم العوامل السياسية - بالإضافة إلى العوامل الإقتصادية الأخرى - التي ساهمت في مسألة إرغام يوسف باشا القره مانلي على التنحّي والتنازل عن العرش لإبنه وولي عهده علي يوسف القرة مانلي يوم الأحد الثاني عشر من شهر أغسطس من عام 1832م.

وحوالي عام 1882م. قامت في مدينة طرابلس تجربة تنظيمية واعية، تعتبر في عداد أوّليات التجارب التنظيمية التي قامت في ليبيا. حيث تم إنشاء جمعيَّة سرّية، ذات أبعاد سياسية وعسكرية، برئاسة إبراهيم عبد القادر سراج الدين ومعاونه أحمد حسين النائب وحمزة ظافر المدني. ويتضح من الوثائق والروايات أن بداية هذه الحركة كانت في مستهل ولاية أحمد راسم بعد احتلال بريطانيا مصر.

وهدفت الجمعية منذ إنشائها إلى تنبيه الجماهير إلى خطورة المدّ الإستعماري - الإنكليزي والفرنسي - المحدق بالمنطقة، وإلى ضرورة التدريب العسكري وأهميته.

وعلى الرغم من بروز الإهتمام والتفكير التنظيمي المتقدِّم في هذه المرحلة بالذات في اقليم طرابلس، إلاَّ انه لم ينل على ما يبدو، الحظوة نفسها من الإهتمام الشعبي والرسمي في بقية أقاليم ليبيا، حيث لم تُشر المراجع التاريخية بوضوح إلى مثل هذا الإهتمام التنظيمي، اللَّهم إلاَّ الإشارة الخاصة بتكون وبروز أحد الأندية الأدبية في مدينة بنغازي من أعمال إقليم برقة عام 1908م. الذي عُرِف باسم نادي الإتحاد والتّرَقّي، قُبيل ثورة كمال أتاتورك، وضَمَّ الكثير جداً من الشباب الليبي والتركي الرافض "للإستبداد"، والموالي للحركة التركيَّة المناهِضة لحكم السلطان عبد الحميد. وكانوا جميعاً يهدفون إلى استقلال برقة الذاتي، ولم يلبث هذا النادي أن حُلَّ بعد قيام الثورة في تركيا.

لقد استمر النشاط السياسي في عموم ليبيا بعد ذلك متمحوِراً حول ما عُرِف وقتذاك بمجلس المبعوثان في الأستانة، الذي مثَّل السلطة التشريعية في دولة الخلافة العثمانية، وكانت معظم الأنشطة والتحركات السياسية والتنظيمية (العشائرية أو الإقليمية/المناطقية) تعتبر انعكاساً طبيعياً ومباشراً لنشاط وفاعلية ذلك المجلس حتى حلول عهد الاستعمار الايطالي لليبيا عام 1911م.

الحياة التنظيمية والنشاط السياسي في العهد الإيطالي وعهد الإدارة البريطانية:

1) مرحلة العهد الإيطالي:

كان الاستعمار الإيطالي لليبيا عام 1911م. استيطانياً، يحمل بين يديه كل المؤثِّرات وعوامل التغيير التي أراد ان يقلب بها أرض الواقع الليبي بالكامل، ويهدف من خلال جبروته إلى احتواء كل القوى البشرية والمادية للوطن. فكان يستولي على الأرض بشتى الطرق والوسائل، وكان يهيمن على الفكر ويستلبه علانية، وكان يفرض ثقافته وتقاليده، الواردة على البلاد، قسراً، ويعمل جاهداً على ربط مسار الإقتصاد الليبي بعجلة الإقتصاد الإيطالي مباشرة، لتتم له بذلك السيطرة الكاملة على البلاد وعلى مجريات الأمور فيها. 

وإذا كانت هذه وضعية الأمور جميعها من ثقافة ولغة واقتصاد، فمن باب أولى، منطقياً، ان يكون الوضع أو النشاط السياسي المحلي، إن وُجِد، مُستغرَقاً بالكامل في النظام الإيطالي الحاكم. ولكن على رغم ذلك نجد أن هناك بعض الجهود الوطنية التي حاولت قدر إمكانها أن تثبت وتصمد، ولو لفترات معيَّنة، في مواجهة الإستيطان الإيطالي من خلال استنادها إلى معطيات العوامل الثقافية والشعور الوطني، وفوق هذا وذاك النزعة الدينية (الإسلامية)، التي تبلورت جميعها داخل نفسية الجمهور في كثير من ارجاء البلاد، وتمثّلت في بعض الصور الجهادية والمواقف المناضلة، وفي تكوُّن بعض الخلايا والجماعات والتكتلات، التي كان يكتنف معظمها، بكل أسف، انعدام النضج والوعي، إضافة إلى ما كان يطبع نشاطها أو تحركها من الحماسة المرحلية المؤقتة، التي سرعان ما كانت تتلاشى لتنطفئ بعدها مباشرة جذوة تلك الحماسة. 

ولعله من ضمن الجهود الوطنية العلنية التي عُرِفت في هذا السياق قيام نادٍ أدبي ثقافي في مدينة بنغازي حوالي عام 1919م. برئاسة عمر فخري المحيشي، إلاَّ أنه لم يلبث أن حُل من قِبل الإدارة الإيطالية نظراً إلى ميوله السياسية الوطنية التي لم توافق التوجّهات الإيطالية الإستعمارية. وكان لهذا النادي نشاط وطني جيِّد وتحرّك فاعل وجريدة خاصّة به. 

ظلت البلاد بعد ذلك في حال من الركود السياسي التام، عدا صور من النشاط السياسي الملحوظ للمؤسسات الإيطالية الرسمية، وبخاصّة بعد تولّي الحزب الفاشيستي للحكم في إيطاليا عام 1922م.

وفي عهد الوالي الإيطالي دي مورتيونو في برقة، أسست الحكومة الإيطالية البرلمان البرقاوي عام 1920م. والذي كان مقره في مدينة بنغازي، ولكنه لم يدم طويلاً بحكم تغيير الولاة واستمرار المعارك الليبية – الإيطالية. ولذا أصبحت البلاد محكومة بحكم السلطة العسكرية والمدنية الإيطالية في آن. 

وفي بداية تشرين الأول (اكتوبر) 1926م. قرر الزعيم الإيطالي (الدوتشي) بينيتو موسوليني إلغاء كل الأحزاب السياسية الإيطالية المستقلّة، وانسحب ذلك القرار بالتالي على فعالية ووجود المناشط والتحركات التنظيمية السياسية في شتى المستعمرات الإيطالية آنذاك، بما فيها ليبيا. وبعد ذلك تكونت بعض السكرتيريات أو المكاتب الفاشستية - أي التابعة للحزب الفاشيستي - في كل المدن الليبية، ثم تطورت إلى فيديراليات فاشستية قامت بانشاء وتكوين بعض التنظيمات الشبابية والسياسية والنقابية الخاصة بالمستوطنين الإيطاليين فقط، ثم تكونت بعض كوادر هذه التنظيمات من فئات الشيوخ ( الكهول) والشباب والفتيان والأطفال ( الباليلا)، والتي كانت تعتبر في مجملها منبثقة من نشاطات وتحركات الحزب الفاشيستي الحاكم. 

في 1935م. أنشأ الحزب الفاشيستي تنظيماً مستقلاً يضم الليبيين، وعُرِف باسم "شباب ليبيا الفاشيستي" وكان في واقعه واجهة للإستعراضات والإحتفالات والمناسبات فقط. 

وفي 1938م. تم انشاء تنظيم ليبي للكهول والشباب الموظفين في الحكومة الايطالية، واُطلق على هذا التنظيم اسم "الأمل" ولم يكن لهذا التنظيم دور سياسي يُذكر على الإطلاق، إذ كان واجهه سياسية دعائية كغيره من التنظيمات الأخرى التي تضم بعض اللبيين بين صفوفها.

وحاول بعض الشباب الليبي، خصوصاً الذي تلقّى علومه وثقافته في مصر والشام وتركيا، أن يقوم بانشاء وتكوين جماعات أو روابط سياسية، إلاَّ ان تلك الجهود والتطلّعات جميعها باءت بالفشل بسبب التشدّد الإستعماري وعدم توفّر عوامل الوعي التنظيمي، وقِلة أو عدمِ نضج الوعي السياسي بالشكل المطلوب. 

وعلى رغم ذلك تكونت بعض الجماعات العمالية، في طرابلس وبنغازي خصوصاً، إنضوت كلها تحت لواء الحركة العمالية الايطالية، نظراً إلى عدم سماح الإيطاليين بقيام نقابات أو تنظيمات عمّالية وطنية مستقلة.

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home