Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الإثنين 20 ديسمبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

كلمات في الثـورة الشعـبية

(دراسـة نظرية لمقدِّمات الثورة الشعبية)

(4 من 4)

السنوسي بَـلاَّلـَه 

توقفنا في الحلقة الماضية من هذه الدراسة عند التساؤل الذي يقول:

... فهل يمكن لنا وفقاً لذلك (العرض السابق) أن نجزم فعلاً بإمكانية قيام الثورة - في ليبيا - في هذه الظروف التي يواجه العمل المنظَّم فيها منتهى الصعوبة والقمع، الذي يحول دون انتشاره أو تأثيره بصورة مباشرة وسريعة وقوية ؟ ... نقول ونؤكد هنا – إضافة إلى كل ما سبق ذكره – إمكانية قيام الثورة الشعبية وفقاً للمعايير والإعتبارات التالية:

#  العقيدة (والقيم الأخلاقية والإجتماعية): حيث لا يخفى على أحد إدراك مواقف العقيد القذافي من العقيدة الإسلامية، وما قام به من تطاول مزرٍ في حقّها وفي حق ثوابتها ورموزها. أضف إلى ذلك ما أصاب كثيراً من دُور العبادة من خراب وإهمال (وتدمير أحياناً) على أيدي لجانه الثورية عبر السنوات العجاف الماضية، لا بل وما قامت به هذه اللجان الإرهابية في حق المشائخ والدعاة والمريدين من تعدٍ سافر إلى اعتقال إلى تعذيب ثم قتل، حتى أصبح الإلتزام الديني وارتياد المساجد من الأمور التي تورِد صاحبها مورد الهلاك، في ظل صولة تلك اللجان، وهيمنة مقولات كُتيِّب القذافي الأخضر. ناهيك بالطبع عمّا أصاب العلم والتعليم والثقافة من ازدراء وتحقير وحكر مرير، أضرَّ بالواقع العلمي وأبان عن تأثيره السلبي الخطير على مستوى عِلم وتعليم وثقافة الأجيال القادمة، حيث أدى انعكاس تلك السياسات غير السوية على صفحتها إلى  تغيُّر كثير من القيم والمفاهيم المفتاحية داخل المجتمع.

ومما تقدَّم - وعلى تلك الصورة الموجزة – فقد أضحت الحاجة ملحّة بالفعل إلى التطلّع نحو التغيير والقيام بثورة شاملة تكفل عودة الإحترام والتقدير لكافة المقدسات والحرمات والأخلاق الطيبة، وتعمل صادقة من أجل النهوض بالعلم والتعليم والثقافة، في ظل الدستور والقانون والديموقراطية المتوخاة.               

# التلقائية العفوية الثائرة (التي تأتي كرد فعل لأي حدث وطني مناهض للسلطة): ونعني بذلك الشعور الذاتي أو الداخلي الكامن في ذوات الأفراد، المعبِّر عن الثورة والمتطلِّع نحو التغيير، ذلك الشعور الذي قد يخَلِّف كَماً معيناً من العطاءات الفردية التلقائية التي قد لا تتطلب تنسيقاً مع آخرين، أو تلك التي قد يقوم بها الفرد بوازع تلقائي ذاتي محض، أو تلك التي تأتي على صورة تفاعل الفرد (العفوي الإيجابي) مع الأحداث التي تجري أمامه دون علم مسبق بها من طرفه. فهو بتعبير آخر ردّ الفعل الفجائي أو التلقائي للفرد تجاه الأحداث الوطنية، ولعل ما حدث من تفاعلات وعمليات إضافية فردية خلال أحداث معركة معسكر باب العزيزية، يعدُّ خير مثل على معنى التلقائية المعنية هنا، إضافة إلى ما صاحب عمليات تنفيذ الإعدام من تعبيرات أو تصرفات عفوية مناهضة لإرادة السلطة، أتت كردّ فعل  (شعبي) عفوي ساخط، تجاه ما يحدث من أمور وأحداث.

# الدور النقابي المؤثِّر: ونعني هنا على وجه التخصيص المؤسسات التي تضم قطاعات أو فئات كثيرة ومؤثِّرة في سير الأحداث، كالإتحادات العمالية والطالبية باعتبارها من أهم ركائز الإطار النقابي داخل البلاد. فَعلى الرغم من محاولة القذافي الاعتماد على زخم القوى العمالية في بداية حكمه، إلاَّ أنه سرعان ما تنكّر لأفضالها ورصيدها الوطني المشرِّف، بل وزجَّ بالكثير من قيادتها إلى غياهب المعتقلات والسجون، وسفَّه التاريخ النضالي للحركة العمالية بعامّة، وعمل على احتوائها والتحدث باسمها، ولكن المواقف الوطنية المشرِّفة لمنتسبي هذه الحركة، في مختلف المواقع، دلّت وأكّدت من جديد على أصالة معدن رجال هذه الحركة، وعلى اعتزازهم بتاريخهم وبمواقفهم الوطنية المشرِّفة ماضياً وحاضراً. واستناداً إلى تاريخ هذه الحركة واستشهاداً بمواقفها الوطنية من الأحداث واسهامها إلى حدٍ ملحوظ في بعض المواقف المناهضة للسلطة الحاكمة والمندِّدة بها، فإن امكانية نقل جهودها الثورية الرافضة، إلى مواقع المبادرة والتنفيذ المحكم في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب، يعدُّ أمراً وارداً ومحتملاً، وقد يكون ذلك أيضاً بالتنسيق بين هذه الحركة وبين أي قطاع من القطاعات الوطنية المناضلة على أساس اطلاق الشرارة الأولى بطول البلاد وعرضها عبر اجنحة هذه القوى العمالية الفاعلة. 

وأما اتحاد عام طلبه ليبيا بفروعه المختلفة، فإنه يعتبر المؤسسة الوحيدة (المنظّمة) ذاتياً بحكم طبيعة تكوينه المتجددة دائماً. فعلى الرغم من كل ما قام به القذافي تجاه هذا القطاع الطلابي من محاولات تمزيق وتشتيت، وعلى الرغم من ما أصاب قياداته وعناصره النشطة من مآسٍ ومحن، بدءاً بالسجن والتعذيب، وانتهاءً بالتشريد والقتل العلني وسط الساحات العامة وداخل حرمات الجامعات، فإننا نقول أنه بطبيعة تكوينه المتميِّز بتجدد فعّالياته عاماً بعد عام، وبخبراته المتنوعة – محلياً وعالمياً – عبر فروعه المختلفة، والمتميّز أيضاً برصيده النضالي الناصع والمليء بالتضحيات والمواقف الوطنية المشرِّفة عبر السنين، ما يزال، إلى حدٍ بعيد، يمثِّل مصدر قلق وخوف القذافي وحذره، وذلك باعتبار انه الكيان الذي تدرك عناصره جميعها بأنها عصب قوة هذا المجتمع من ناحية، وبأنها تمثّل مختلف فئاته وشرائحه من ناحية أخرى، اضافة إلى كونها الفئة الواعية والمثقفة والتي تقع عليها بالتالي مسؤولية تقويم مسار سياسات الدولة بعامّة والأوضاع السياسية بخاصّة، التي تنعكس آثارها ايجابية كانت أم سلبية على الوطن ككل. ومن هنا كان مؤشر تصاعد مناهضة هذا القطاع للسلطة الحاكمة، ورفضه وتصدّيه لممارساتها القمعية، علامة من علامات الثورة الشعبية.

وعلى الرغم من تعذيب واعتقال وقتل العديد من رموز وقيادات هذا القطاع كما أشرنا، فإن الثأر لكل المعذبين والمنفيين والشهداء لا زال كامناً مضطرماً في أعماق هذا الكيان الوطني، خاصة وأن الطلاب من أكثر القطاعات العامة احتكاكاً بمعاناة الجماهير وإدراكاً لأحاسيسها ومشاعرها وميولها وتطلعاتها.

ولعل معاناة ومأساة الوضع العلمي والتعليمي والثقافي بخاصّة، وتدهور القيم وضياع الثروات البشرية والمادية بعامّة، يجعل عزم وتصميم هذا القطاع المناضل على المساهمة في التغيير الآن أكثر اصراراً ومضيّاً من ذي قبل. ومن هنا فإن تحرُّك هذا القطاع بفروعه المختلفة معلناً حالة التمرد والرفض والعصيان داخل البلاد، في هذا الوقت بالذات، يعني بالدرجة الأولى إعلان الثورة الشعبية ضد السلطة الحاكمة، لما لهذا التحرك من تبعات ايجابية ومن ردود افعال وتجاوب جماهيري متوقَّع، تتفاعل من خلال زخمة الثائر كافة القوى والقطاعات المناضلة الساعية إلى إحداث التغيير واسقاط حكم الجهل والتخلُّف. 

# أثار الإنهيارات الاقتصادية، ومردوداتها على المواطنين (الحرمان): لقد كان الفعل الثوري أو الشعبي دائماً هو مسؤولية الجميع، كل حسب امكانياته وعطائه وتفكيره. وقد وضح الآن أكثر من أي وقت مضى مدى التآكل والاهتراء الذي اصاب الكيان الاقتصادي للبلاد، تحت حكم القذافي، من خلال مختلف مؤسساته ودعائمه. وهذا العجز والشرخ الكبير – في البنية الإقتصادية للدولة – يُعدّ في كثير من مواضعه مشكلة كبرى تنعكس أثارها السلبية بشكل خاص على كافة شرائح الشعب، وبخاصة تلك التي تعاني الفاقة والعوز والحرمان. وقد كان السبب المباشر والرئيس لهذه الطامة الكبرى هو سوء التخطيط والتخبط والإرتجال وسوء الرقابة الذي تعانيه السلطة الحاكمة، والذي كشف عن قصورها البيِّن وعجزها عن إيجاد واتباع سياسات علمية دقيقة ومدروسة، يكون من شأنها البناء والتقدّم والإزدهار وليس الهدم والتخلّف، والجري وراء مشاريع دعائية فارغة ومهترئة، أضرّت بالإقتصاد وأنهكته، وتسببت مع نظائرها من ثمَّ في تداعيه وانخفاض مستوى معدلات إنتاجه في شتى المواقع والميادين، ما أصاب الضمير الشعبي بالغبن والقهر، وبأن كل ما تدّعيه السلطة من برامج ومخططات ومشاريع، لا يعدو كونه عبارة عن برامج جهنمية أُريد بها إهدار الثروات الوطنية وتبديدها، وتضييع فرص امكانية استغلال هذه الثروات واستثمارها في مختلف أوجه المنفعة الوطنية والتقدم والإزدهار، وفقاً للخطط الإنمائية القائمة على العلم والدراسة المعمَّقة.

ولما كانت مشاريع القذافي ومخططاته وبرامجه الاقتصادية، مبنية على باطل ومنطلقة من فراغ الأهواء الشخصية القاصرة، وجنوح التصورات المزاجية المتخلّفة، فقد تسببت بالتالي – وبالإضافة الى الموقف الشعبي منها – في هذه التراكمات الفوضوية، وهذا الفشل الذريع لجميع السياسات الاقتصادية، وما نجم عنها من انهيارات مريعة على صعيد مختلف مواقع الصناعة والإنتاج، بالإضافة إلى تلاعب القذافي وأسرته وأبناء عمومته بمصائر وثروات البلاد، وسحب وبيع الكثير من ارصدة واحتياطي الدولة من الثروات الوطنية المختلفة، بمعزل تام عن المحاسبة والمساءلة، ومعرفة أسباب وأوجه الإنفاق التي اقتصر العِلم بها فعلياً على أفراد العائلة الحاكمة فقط لا غير.

وقد أثّر كل ذلك التدهور والانهيار الإقتصادي بالطبع على البنية العامة لمعدل أو لمستوى دخل الفرد السنوي، نتيجة ما حدث من خلل وارباك انحط وأوصل المواطن إلى درجة الفقر وما دونها، بحيث أصبح فقر المواطن واحتياجه مادياً ومعنوياً واضحاً للعيان (فالحاجة) أضحت هنا واضحة نتيجة كل تلك السلبيات المذكورة التي انعكست على صعيد حياة الاسرة، حيث فاقت أو تجاوزت مرحلة البحث عن الكماليات المطلوبة، لتصل في كثير من السنوات إلى مرحلة البحث عن الضروريات من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، لكافّة أفراد الأسرة رجالاً ونساءً وأطفالاً.  ومن هنا فإن عدم توفر كل هذه المتطلبات أو الاحتياجات الأساسية بالذات، سيكون هو أحد عوامل أو مبررات التغيير والتطلع للتغيير نحو الأفضل، والتفاعل وفقاً لذلك مع كل الإنتفاضات والتحركات الوطنية المتوقَّعة، والإسهام فيها، إن لم يكن أخذ المبادرة في التعبير عنها أو في القيام بها أصلاً، حيث ثبت للمواطن بالبرهان الساطع واستناداً إلى الواقع المحسوس، أن معظم ما تقوم به السلطة تحت عنوان المشاريع والإنجازات، لا يخرج عن كونه "مشاريع دعائية" لا تخدم - من المنظور الشعبي – سوى برامج الدعاية لشخص العقيد القذافي، ولا تخدم مصلحة الجماهير على الإطلاق، ولا تفي بأي مطلب من مطالبها أو حاجاتها الضرورية (الاساسية) التي تكفل آدمية الإنسان وقدرته على مواصلة مشوار حياته في هذه الدنيا. تأتي هذه الصورة القاتمة التي تقطِّر فقراً مدقعاً لتعبّر عن حياة المواطن الليبي، الصاحب الحقيقي للثروة الوطنية، في الوقت الذي يتمتّع فيه القذافي وذريته وبقية السرّاق بثروات الوطن المنهوبة، والتي تذهب وتضيع هباءً منثوراً دون حسيب أو رقيب. 

# تنظيمات المعارضة الوطنية: ونهدف إلى الإشارة هنا إلى أهمية العمل النضالي بأطره التنظيمية المختلفة داخل وخارج ليبيا. وبما أننا أشرنا في موضع سابق من هذه الورقة إلى وجود وفاعلية وصمود هذه القوى الوطنية المعارِضة على ساحة المواجهة مع السلطة، وإلى أهمية قيام هذه التنظيمات بالأدوار النضالية المنوطة بها، إلاَّ اننا نعود هنا لنركز الحديث على أهمية أو ضرورة وجود الأثر النفسي أو القيمة المعنوية للعمل النضالي المنظَّم داخل الأنفس والضمائر، لما لذلك من تأثير كبير يحفز المواطنين والمناضلين من جهة، ويثَبط عزائم رموز السلطة وأجهزتها من جهة اخرى. 

لقد قامت تنظيمات المعارضة الوطنية بنفسها – اعتماداً منها على الرصيد الوطني لرموزها ومنتسبيها – ببعض الجهود والتحركات الطيبة داخل وخارج ليبيا، كما سبق أن المحنا، وعلى الرغم من أن التفاعل الشعبي مع الأحداث كان وقتها متواضعاً أو نسبياً في مراحل تلك الفترة النضالية الماضية، وعدم امكانية استثمار رصيد كل تلك التفاعلات بدرجاتها المختلفة من جانب تلك التنظيمات، إلاَّ ان استثمار رصيد مثل تلك الجهود محلياً وعالمياً، في الحاضر والمستقبل، سيكون له ولا شك الصدى الكبير في نفوس الجماهير التي بذلت وستبذل مختلف أوجه الدعم المادي والمعنوي لهذه المسيرة المناضلة، وسيطرح امامها الدلائل الأكيدة على وطنية – مواقف وابعاد وأوجه – العمل المناضل المنطلِق  والمستمَد من معاناة الشعب ومن شرعية تطلعاته نحو الثورة الشعبية، ما سيكون له بالتالي الأثر الطيب القريب على مختلف اصعدة العمل المناضل بعامّة. 

ولما كان مسعى التنظيمات الوطنية المعارِضة منطلقاً من مبدأ الثقة بالجماهير والاعتماد على دعمها ودفعها، لاعتقادها بأن الفوز بثقة الجماهير هو العنصر الفيصل في حسم المعارك عبر العصور، فإن هذا الاعتبار يمكن أن يقود إلى التكهن بأن العلاقة ما بين التنظيمات الوطنية وشرائح الشعب المتطلّعة للثورة والتغيير يمكن لها أن تقوى وتتصلب لتكون وسيلة أو اداة وطنية ضاغطة في مواجهة السلطة الحاكمة، يُعتَمَد عليها في التأثير على الشارع وتوجيهه نضالياً من أجل التغيير، وليصبح التفكير بقيام عمليات التمرد العام والعصيان المدني، والتفاعل الشعبي معها، امراً وارداً وخاضعاً إلى حدٍ كبير لمباديء العمل (المنظَّم).

# المؤسسة العسكرية: على الرغم من الصورة السيئة المشوهة التي اعطاها الإنقلابي معمر القذافي عن نوعية الحكم العسكري، وصبغهِ المؤسسة العسكرية بصبغة الإرهاب والتسلّط، واعطائه الإنطباع المنحرف عن الكثير من العسكريين بأنهم عبارة عن مجموعات من (الجند الإنكشارية) الذين لا هَمَّ لهم سوى التمتع بالإمتيازات والنفوذ، وعلى الرغم من محاولته – شخصياً – الهيمنة على مجريات الأمور، داخل المؤسسة العسكرية، ومحاولته تمزيق وحدتها وتماسكها وتغييبها، نظراً لتوجّسه وخِيفته من صحوتها وانتعاشها ... نقول على الرغم من كل ذلك، إلاَّ ان كل هذه المحاولات لم تنف عن رجالها غيرتهم الوطنية واحترامهم للوطن والمواطنين، وقد تجسَّد ذلك فعلاً من خلال بعض المواقف "العسكرية" الحازمة التي حاولت التصدي لممارسات القذافي السلطوية، وايضاً من خلال محاولات العسكريين الوطنيين الذين قاموا بالتحركات والانتفاضات العسكرية المناهضة للسلطة، والتي لم يكتب لها النجاح حتى الآن. ولعل القذافي يدرك اكثر من غيره ان هذه المؤسسة (المنظمة المسلحة) هي القادرة اكثر من غيرها على إحداث التغيير وعلى الاحاطة بحكمه متى تهيأت لها الفرصة المناسبة.

واذا أمْعَنا النظر في مستوى أو درجة ولاء هذه المؤسسة للسلطة الحاكمة – في هذا الوقت بالذات – لرأينا مدى اتساع هوة الخلاف الفاصلة بين الإثنتين، هذه الهوة التي أخذت تزداد اتساعاً بازدياد حدّة الصراعات بين مختلف مراكز القوى (القبلية والعشائرية والعسكرية) الحاكمة في البلاد.

ولعل القوة المحركة المتبقية (والمتوقعة) داخل اطار هذه المؤسسة – وفقاً لشواهد التاريخ – هي قوة رد الفعل المضاد، حيث إن حالة البؤس والمرارة والاحباط، والروح الانهزامية، التي اصابت وتقمّصت المؤسسة العسكرية في الكثير من الاوقات والمواقع، بسبب سياسات القذافي، لا بدَّ لها - يوماً ما - من ردّ فعل طبيعي متوقع، موازٍ لقوة تأثيرها ووقعها على نفوس الوطنيين الأحرار من ابناء ومنتسبي هذه المؤسسة، يثأر لكرامتها وسمعتها، ويقود إلى توجيه الضربات والسهام جميعها إلى سبب ومحور تلك النكبات والإحباطات المتمثِّل في السلطة الحاكمة ذاتها. 

ووفقاً لتنامي المد الشعبي، وتصاعد العمل الوطني المناضل على مختلف الاصعدة داخل وخارج ليبيا، فإن التحرك العسكري المناهض للسلطة، سيكون في تلك اللحظة بمثابة الشرارة الأولى أو نقطة البدء فقط في الصراع مع السلطة، حيث ستكون الخطوات الهامة والحاسمة التي تتلو ذلك، من نصيب مختلف قطاعات الشعب، التي تهيأت بالتجهيز والتعبئة لاستقبال هذا الحدث، ومواصلة تحمل اعبائه ومسؤولياته والسير به إلى الأمام، وذلك لأن الكفاح الشعبي أصلاً هو العامل الحاسم – إن لم يكن المباشر – في التغيير، بمعنى أن أية عوامل أو قوى مساهمة في هذا التغيير، تكون هي نفسها قد حسمها الكفاح الشعبي (الثورة الشعبية)* طوال مراحل النضال الماضية.

# الرأي العام العالمي والعلاقات الدولية: لقد كان مجمل ممارسات العقيد القذافي الإرهابية في حق الإنسان بعامّة، أحد الأسباب المكوِّنة أو العاملة على بلورة رأي عام عالمي يدعو لإزاحة سلطة حكمه من فوق الخارطة السياسية للعالم. وقد مهدت بعض الأسباب الأخرى مثل عُزلة السلطة الحاكمة – وغرائبية تصرّفاتها وردود أفعالها – في ازدياد معدل النقمة السائدة تجاه هذه السلطة، حتى من الدول المتعاطفة معها، حيث أصبحت هذه السلطة عاجزة في كثير من الأحيان والمواقف عن تقديم الجديد النافع على صعيد العلاقات الدولية، إضافة الى قصورها البيِّن داخلياً، بشأن إجراء أية محاولات حقيقية وجادة لإصلاح أو ترقيع ما أفسدته اياديها الآثمة. وقد كان سوء مسار العلاقات الدولية في ما بين (جماهيرية القذافي) ودول العالم، دافعاً وسبباً رئيساً في ما تعانيه السلطة في ليبيا حالياً من انعدام بيِّن للقبول الدولي، وتجنّب حذر تمارِسه مختلف الدول إزاء علاقتها "الديبلوماسية" بها، والتي بكل أسف تظل محكومة أولاً وآخراً بالمصلحة، "النفط"، فقط لا غير. ويأتي ذلك "التفهّم" الدولي لمدى خطورة الأدوار والأفعال الشائنة التي يمارسها العقيد القذافي من ناحية، وتنعكس بالطبع "والضرورة" على دوائره السياسية وأجهزته الديبلوماسية القاصرة، على مسار العلاقات والتفاهمات الدولية التي تحكم مختلف أوجه التعاملات بين دول العالم، في مختلف المواقف والظروف السياسية.

وانطلاقاً من هذه الوضعية المحرجة والمخجلة التي تحياها السلطة، فقد أصبح وجودها على صفحة الخارطة السياسية الحالية للعالم، وبخاصّة في ظل انتهاء عصر الحروب الباردة، أمراً غير مقبول، نظير ما سلفت إليه الإشارة ونظير قيام عهد التكتلات الدولية (القارية وغيرها) ومساعي دول العالم إلى إرساء مبدأ التعاون والتكاتف بين الدول والشعوب من أجل الخير والنماء، ولمواجهة ما أصاب ويصيب البشرية من كوارث ومآسٍ، تستلزم تكافل الشعوب وتقارب الحضارات وتمازجها من أجل نشر الطمأنينة والأمن والتقدّم والإزدهار، ومحاولة تعويض ما تم تضييعه من ثروات عظيمة في ما لا طائل من ورائه. وهذا ما يدفع إلى الإعتقاد بتعاطف العالم ومؤازرته وتفاعله المتوقَّع، أو على الأقل، المحتمَل مع أية بوادر حقيقية تهدف إلى القيام بثورة شعبية تسعى إلى إقصاء الحكم القذافي، وتعمل على إقامة حكم وطني يشارك الإنسانية أحلامها وأهدافها في الوصول إلى مجتمع دولي يسوده العدل والإخاء والتعاون.

وختاماً: فإننا نقول أنه على الرغم مما يبدو من مظاهر نجاح القذافي في شراء ضمير قادة كثير من الدول في أوروبا وأفريقيا والعالم العربي والإسلامي، إلاَّ أننا نؤمل أن تؤدي الحقائق السابقة إلى تعاطف العالم ومؤازرته وتفاعله مع حركة الشعب الليبي المتطلِّع للحرية والإنعتاق. هذا التطلّع الذي بدأت بعض إرهاصاته وبوادره في البروز بين الحين والآخر من خلال بعض المواقف الرافضة لتوجهات السلطة مثل أحداث مدينة بنغازي يوم 17 فبراير عام 2006م. (التي تصاعدت فيها حدة الإشتباك ما بين المواطنين وأجهزة الشرطة والأمن، وراح ضحيتها حوالى أحد عشر مواطناً)،  وموقف "الرفض والعصيان" الذي تمثَّل في رفض معظم المواطنين ومخالفتهم لتوجه السلطة، وتدخلها السافر في شؤونهم وشعائرهم الدينية عام 2009م. التي كان من بينها محاولة تقديم يوم الوقوف بجبل عرفات، على غير ما تم بشأنه ومارسه حجاج بيت الله الحرام ذلك العام. وقيام المواطنين في ليبيا بممارسة طقوس عيد الأضحى على غير رغبة السلطة والهيئة العامة للأوقاف، وبخاصّة عقب اللغط الذي أثاره "إعلان اللجنة الشعبية العامة بشأن مواعيد العطلة الرسمية، دون الإشارة إلى ميعاد العيد بشكل مباشر، كما جرت العادة عبر وسائل الإعلام الرسمية". ومن الأمور الهامة الأخرى التي تشير إلى التبشير بقرب ساعة القصاص الشعبي هي تعاطف الرأي العام الليبي مع ضحايا مجزرة سجن بوسليم والتضامن مع مطالب أهلهم وذويهم العادلة، حيث أصبح الحديث علنياً بشأن هذه الجريمة البشعة التي ارتكبتها السلطة عام 1996م. في حق مواطنيها (وراح ضحيتها 1200 مواطن رمياً بالرصاص)، ونالت المطالَبة بالكشف عن خلفيات هذه الجريمة البشعة الدعم الشعبي المطلوب في داخل وخارج ليبيا، كما أدى الضغط الشعبي والدولي بشأنها إلى رفع مستوى الإهتمام بمتابعة وكشف حقيقة هذه الجريمة النكراء التي ما تزال السلطة تتحفّظ في الكشف عن ملابساتها وتخشى إعلان مسؤوليتها عن ارتكابها، ما قد يعجِّل بالإنتفاضة والثورة الشعبية ضدها.

وعلى الرغم مما قد يبدو على السطح حالياً من تردد أو تأخر في حسم الأمور بشأن هذه "الإنتفاضة المرتقَبة"، إلاَّ أن الشعب الليبي اختزن قراره وموقفه الحاسم بالنسبة لهذه السلطة، في انتظار لحظة الإنفجار الشعبي المتراكم في النفوس، وعندها لا نستبعد أن العالم سيشهد فوران شعبي غير مسبوق يفاجيء الجميع.


*  نيكوس بولنتزاس: (مصدر سابق).

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home