Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah

الخميس 20 نوفمبر 2008

غرائب...

السنوسي بلاّلَه

يقول الشاعر فائز خضُّور (قومي سوري)
في نهاية إحدى قصائده :
"... آه يا زمن العزاءات الرديئةِ
يابسٌ رِيق النهار،،،
ومريرةٌ في الحلق ذكرى الآخرين،،،
وضريرةٌ لغةُ الحوار...".

اطلعت مؤخراً على مقالة لأحد كُتّاب السلطة* تبدو لأول وهلة أنها تفتقد التركيز "ومنهج الطرح"، في مقابل تمتعها بالجراءة وطرق باب المحذورات، حيث تُظهِر هذه المقالة "المضطربة" ما تريد تبيانه تحت لحاف ادعاء الديموقراطية "الشعبية"، وتُبطِن ما تخاف شره في ظل واقع سطوة السلطة، المتمثِّل في شدّة عنفها وقمعها لمخالفيها. وسنحاول العمل هنا على تفكيك معادلة هذه المقالة، بغية الوصول إلى مضمونها الذي اتضح -دون قفز إلى الخاتمة- أنه يتلخّص في اعتبار أن مجمل ما حاول الكاتب نقده من "تغرير" المنتفعين وتوددهم للسلطة الحاكمة -المتمثِّلة هنا في شخص العقيد القذافي- هو نفس ما غاص فيه هذا الكاتب من تعامٍ متعَمَّد عن الواقع أو تغييب كامل له، وهو -على الجانب الآخر- المطبّ الذي أوقع فيه نفسه من خلال ممالئته للقذافي وسلطته على السواء، حيث يدري أو لا يدري، على الرغم من أنه هنا يدري ولا شك، ومع سبق الإصرار أيضاً.

يبدأ الكاتب مقالته بالقول: "ينبغي للعقيد معمر القذافي تجنب وسائل التغرير من المحيطين به والعمل على الاستمرار ثائراً مُصلحاً بالنسبة للأكثرية المتضررة. (ثم يضيف في نفس الفقرة قائلا)ً: ...تجتاز ليبيا مرحلة من أصعب المراحل، حيث أضحى الشعب الليبي أشبه بامرأة تهب نفسها لكل قادر على دفع الثمن؛ ثمن بناء ليبيا الغد".

لقد حاول الكاتب أن يمهِّد لأفكار مقالته بأرضية تعتمد التسليم بقيادة (القذافي) وتطالبه بأن يستمر "ثائراً مصلحاً"، دون أن يرف لهذا الكاتب جفن إزاء مصداقية (هذه الثورة وهذا الإصلاح) أي إصلاح ما أفسدته يدا القذافي نفسه طوال أربعين عاماً من الحكم الفردي (المطلق). محاولاً إيهام قرّائه أن الحاكم القذافي يعمل بنظام المشورة وأخذ رأي البطانة المحيطة به والمنتفعة منه في إطار المنتظَم السياسي للدولة، وهو أمر فيه قولان لا ثالث لهما: الأول؛ قول فصل يكرّس أحادية الحكم وفردانيته. والثاني؛ قول يؤكِّد باطلاق، تراكم زُمَر المنتفعين المستفيدين من فساد السلطة، وطوافهم حول (هُبَل) السلطة ورأسها. وفي مقابل هذا وذاك التجاوز المتعمَّد لبعض ملامح الواقع السياسي المرّ، يورد الكاتب بعضاً مما حاول إخفاءه من مشاعر تدين السلطة، ولو بشكل غير صريح، باعتبارها مسؤولة عن الفساد والإفساد، ليُقِرّ بأن الشعب الليبي "أضحى أشبه بامرأة تهب نفسها لكل قادر على دفع الثمن"، إلاَّ أنه يحاول الإلتفاف على مظاهر هذا الواقع المعيش -وأن يضرب هنا وهناك- من خلال القول (المبطَّن) أن السبب في بؤس هذا الواقع هم من يلتحفون بشعارات "ليبيا الغد" أي سيف القذافي وأنصاره في السلطة الحاكمة. ...فهل ترديد عبارة "ليبيا الغد" هي من نوع الغمز واللمز الذي يوجهه أعضاء اللجان الثورية عادة، وبصورة مبطنة، إلى مشاريع سيف القذافي الدعائية. (!!)

ويستمر الكاتب متماهياً مع أبعاد هذه المعاني، ليصل إلى تقسيم أولئك المغرِّرين والمنتفعين إلى عدة شرائح منفصلة في عدة نقاط، يحاول من خلالها تقسيم المواطنين إلى فئات لا تحتاج منا إلى كثير تحليل بقدر ما تحتاج فئات منها إلى إعادة السؤال بشأن تموضعها في سلم الدولة وبشأن ما آلت إليه أحوالها (حُسناً وقبولاً أو قُبحاً وتردياً) على مرِّ سنوات حكم الفرد وسلطته المطلقة.

ويرى الكاتب في "رؤية" فاحصة أخرى (!!) لواقع البلاد المزري، أن المجموعة المنتفعة "والمغرِّرَة" الأخرى هي "مجموعة من القائمين على ما بات يُعرف في ليبيا فقط (بأجهزة السلطة الشعبية)"؟ إلاَّ أنه يتجاهل -عن عمد مجدَّداً- ذِكرِ المسؤول عن اختيار وتعيين هؤلاء "المسؤولين المتنفّذين"، ووفق أية معايير تمَّ ويتم اختيارهم غير معيار ما يُعرَف بـ (الولاء للقائد وللثورة). !! ويبدو أن الكاتب من خلال ما سلف بالذات، يتظاهر بأنه لا يعرف طبيعة حب القذافي اللامتناهي لتقمص دور المرشد وأن يُشار إليه بالبنان على أنه هو الذي يحرك دمى السياسة داخل جماهيريته الفريدة، وأن كل صور الأخطاء والقصور في الممارسة السياسية هو بسبب جهل المواطنين الذين لم يستوعبوا فكره المتقدم.

ويستمر الكاتب في عرضه ليُلحق الفئة السابقة بفئة أخرى -بنفس المقاييس- وهي فئة "أغنياء ما بعد الثورة" التي يعطيها هنا نفس المواصفات السلبية التي تنسحب على أغلب الفئات التي أخضعها لمبضع التشريح السياسي قيد البحث، مضافاً إليها فئة أخرى، مادية صرفة برأيه، أَلاَ وهي فئة "أساتذة جامعات وأطباء" التي قال عن منتسبيها أنهم: "يقسِّمون أيامهم قسمة عادلة بين محاضرات الدوام الرسمي بالجامعات الحكومية، ومحاضرات الدوام غير الرسمي بالجامعات الأهلية، وبين المستشفيات العامة والعيادات الخاصة، والدافع طبعاً، الحرص على الموارد المادية وليس المثابرة من أجل صقل العقل وبناء الجسم". (!!)

ويستطرد الكاتب في تقاسيمه ليشير بتهكُّم إلى فئة أخرى من بطانة السوء بحسبه وهي فئة "زعماء كلام بدون ماضٍ سياسي"، ليقول أن لا هَمَّ لهذه الفئة سوى التشبث بحبال السلطة والنفوذ، شأنها في ذلك شأن الفئة الأخرى التي تضم "جبهات حزبية تضع مصالحها فوق الجميع". ولا يبتعد هذا التصنيف والتحذير عن تحديد مَنْ أسماهم بـ "دعاة مذاهب"، وفقاً لتصانيف القذافي المبدئية لهم، ويعني بهم تحديداً كل مَنْ يمكن أن يمتّ في تحرّكه السياسي إلى الدين بصلة، من أتباع المذاهب والتوجهات الدينية، وفق تعريفه ومفهومه الشخصي، الذي هو في الأصل مفهوم القذافي لتيار الإسلام السياسي، الذي قد يؤثِّر بنظره في عقول المواطنين بشكل أو بآخر، وهي هنا -في المقابل- إشارة تذكير مباشرة للعقيد القذافي شخصياً بما كان قطعه من عهود ووعود رسمية بشأن قطع شأفة هذا المفهوم ومن ينتمي إليه.

ولم تسلم من سياط هذه التصنيفات اللاذعة حتى الفئة (المسالمة) برأيه، التي يعتقد أنها "قلة تدعي الوطنية الشريفة ولا تكاد تظهر في أحشاء الكثرة، تتخذ من عالمها المتعفف برجاً عاجياً، وما هي بوطنية". ليلتفت بعدها قائلاً: "وأخيراً عامَّة ناس مستجدية، ناقمة، يغمرها غليان في النفوس، تعيش حالة من الضيق والألم والحيرة، استولى عليها اليأس واصطبغت حياتها باللامبالاة والسلبية المستميتة".

الغريب واللافت أيضاً أنه على الرغم من كل هذه التداعيات بل الإنكسارات السلبية وهذه الجرائم البشعة على كافة أصعدة الوطن (المادية والبشرية) التي لا تبعد أوزارها وانعكاساتها ونتائجها الوخيمة عن القذافي قيد أنملة، فإن الكاتب الثورجي لا يفتأ التذكير بأن كل ما سلف من اسقاطات في هذا الصدد لا ينبغي أن يمت إلى القذافي بصلة، لا بل إن الكاتب يمعن في تنـزيه العقيد القذافي عن كل ما أصاب ليبيا من إنهيارات وبشاعات أصابت الأخضر واليابس، ويُمعن في تملّقه لرأس السلطة (معمر القذافي) ناصحاً: بأن عليه تجنب وسائل التغرير والعمل على الاستمرار ثائراً مُصلحاً بالنسبة للأكثرية المتضررة، التي تتمنى أن تشاهده مشاركاً جهاراً نهاراً في مناظرة وطنية استرشادية مع الفعّاليات السياسية الليبية غير الرسمية الداخلية والخارجية عبر الأقمار الاصطناعية، حتى يعيش الشعب الليبي حقيقة المصلحة الوطنية من خلال استبدال مبدأ الشفافية بمبدأ اللعبة السياسية".

ولنا أن نسأل الكاتب، أو على الأصح، هل سأل هذا الكاتب نفسه يوماً: مَنْ الذي أوصل البلاد إلى هذا الوضع البائس والمنهار -على جميع الأصعدة- بعد أربعين عاماً من الحكم الشمولي المتخلّف؟ أليس هو القذافي بدون منازع (!!) وما المحيطون به من المنتفعين والمفسدين، وممن صنّفهم التصنيف آنف الذكر، إلاَّ أدوات فساد تأتمر بأمره، لا أكثر ولا أقل.

الغريب أن الكاتب يدّعي (باصرار) أن ما هو سائد الآن -وراء كواليس السياسة وأمامها- هو لعبة سياسية مهادِنة خانعة تمارسها فئات قاصرة من المسؤولين من جانب، ومن المواطنين العاديين من جانب آخر، وينبغي استبدال هذه الممارَسة السياسية المترهلة وغير الخلاّقة بشفافية (ديموقراطية) حقيقية، دون أن يشير ولو على استحياء لمسببات هذه السياسات القاصرة، ودون أن يجرؤ على التعبير بما يمكن أن يُفهم منه أن الذي ابتدع هذه السياسات وما زال يسيّرها هو العقيد القذافي شخصياً. ألا يبدو ذلك غريباً بالفعل من شخص بحجم "أستاذ جامعة". ومن حقنا أن نتساءل إذا كان هذا هو تقويمه للأوضاع والحالة السياسية التي وصلت إليها البلاد تحت حكم صاحب فكرة الفوضى السياسية المدمرة (!!) فماذا يمكن أن نتوقَّع مِن تقويم مَنْ هو أقل درجة علمية منه في سياق عرضحال الأوضاع السياسية السائدة وانعكاساتها، على نفسية الوطن والمواطن؟ وعلى ذِكر الفوضى، في هذا السياق، نقول أنه إذا لم يكتف الكاتب بالفوضى السياسية المعيشة، وما آلت إليه أمور البلاد جرّائها، فإننا ننبهه إلى أن عقيده قد أعلن رسمياً عن فوضى قادمة قال أنها "خلاقة"، ستسود البلاد إذا قُيِّضَ له البقاء لسنوات قادمة. !! فهل هذه ستدخل بدورها ضمن متطلّبات الشفافية التي ينشدها، وبخاصَّة أنها صادرة عن العقيد القذافي نفسه؟

وبعد... فهل ما ذكره الكاتب وأشار إليه، هنا وهناك، هو جهل وقلة معرفة بعقلية القذافي ومزاجيته المتخلفة، وتصرفه الأرعن وغير المسؤول، أم هو تزلّف وتملّق لأعتاب السلطة (ومازوشية حمقاء) تتلذذ بجلد ذاتها، نتيجة عجزها واحباطاتها النفسية التي تنحو إلى الإستكانة والخمود وتكره الإنعتاق والحرية.

لعله من نافلة القول ختاماً، إن مثل هذه العينة من (المواطنين) الكَتبة، في أية دولة وُجِدوا، هم الذين ساعدوا على تعمية الحقيقة، لا بل وعملوا على طمس ملامحها بالكامل ليزداد الحاكم تغولاً ويزداد المواطن بؤساً، إلاَّ أن التاريخ علّمنا أن زوالهم الفوري مرهون بزوال المنتظم السياسي الذي أوجدهم وجعلهم أداة من أدواته وصنائعه المتعددة الأشكال والمواقع، وإن كان يجمعهم دائماً هدف واحد فقط هو الهتاف والتصفيق لسيدهم وراعيهم.
________________________________________________

* د. عامر رمضان أبو ضاوية ( في ليبيا، استبدال مبدأ الشفافية بمبدأ اللعبة السياسية في عملية المصالحة الوطنية). نقلاً عن الموقع الألكتروني [ميدل إيست أونلاين]. 22 اكتوبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home