Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الاثنين 20 سبتبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الشكل السياسي... والعبث

(2 من 3)

السنوسي بَـلاَّلـَه 

في يوم الخامس عشر من شهر أبريل لعام 1973م. ألقى العقيد القذافي خطابه الشهير بمدينة زواره – بغرب ليبيا – معلناً فيه الحرب على (الدولة الكلاسيكية) ذات النمط الرجعي!! ومؤذناً بعصر الإنعتاق والتحرر من كل (القيود القانونية)، بل تعطيل القوانين – إلغاءها – وتطهير البلاد من المرضى – سياسياً – (أعداء الثورة)، وإعلان عصر الثورة (الشعبية والثقافية والإدارية)، وباختصار: عصر انهيار كل ما كان قائماً -من أركان الدولة- قبل هذا التاريخ.  

وهنا وقوع في المحظور مرة أخرى، فالبلاد إذن جمهورية وما هي بالجمهورية، بل هي في الواقع في مرحلة (ما بين البينين!!!) عدم تحديد الهوية. !!! وقد كان ذلك الموقف التفجيري (الخطاب) إيذاناً بديمومة الفوضى باسم (الثورة المستمرة) حيث التصعيد المتواصل والتغيير المستمر في الهياكل والأشخاص على كافة أصعدة العمل والإنتاج داخل الدولة. كما أدى تأثير ذلك الموقف أيضاً إلى تعطيل القوانين كشعار وممارسة، وبخاصة في تلك الحقبة من الزمن بالذات. وهو الأمر الذي تسبب في الخلط الواضح بين العملية السياسية والعملية الإدارية الذي جاءت به فكرة الثورة الشعبية، ما أفرغ أُطر الدولة من محتوياتها وأصاب قواها (على صعيد الإدارة والتتكنوقراط) بالشلل التام ثم التآكل الذاتي تدريجياً. ومن جانب آخر فقد نتجت عن ذلك بالتالي صعوبة بل إستحالة المحاسبة والمساءلة الإدارية في ظل فكرة الثورة الشعبية. هذا وقد أدى حرمان الوظيفة العامة من عوامل الإستقرار إلى تدهور قيمها وإنحدار مستوى أدائها وجنوحها نحو الفساد والإفساد، وبخاصة في ظل فقدانها للتدريب والتطوير والترشيد، وإنعدام الحوافز - المادية والمعنوية - وعدم كفاية المرتبات والمهايا، بل وعدم إنتظامها، إضافة إلى التسلط الأهوج للِّجان الثورية على مقاليد الكادر الوظيفي والإدارة بصفة عامة.   

وقد ظلت السلطة لبضع سنوات لاحقة أسيرة حالة اللهاث والمراوحة، وسط دوامة الأسماء والمسميات، وعاجزة حتى عن رسم الخطوط العريضة لشكلها ومسارها السياسي بأية صورة من الصور الواقعية.   

ولا يفوتنا أن نشير على هامش هذه الحالة إلى التغيير المستمر - الذي إتُخِذَ منهجاً لإدارة كافة مرافق الدولة – والذي شمل ليس أسماء الوزارات (الأمانات) ومَنْ يشغلها فحسب، بل أيضاً تقسيماتها الإدارية والعددية، والتراوح بين الدمج التقليص (22 وزارة أحياناً و 13 وزارة أحياناً أخرى ... وهكذا) - إضافة إلى فوضى تقسيمات الحكم المحلي (التقسيمات الإدارية المحلية)، حيث تراوحت هبوطاً وصعوداً بين 10 بلديات ثم 140 بلدية ثم 488 بلدية ثم 20 بلدية ثم 7 بلديات... ثم أخيراً – وليس آخراً – ما يزيد عن ألف كميون، ثم 298 كميون... !!! كما سنشير لاحقاً. 

وقد اعترى مثل هذا النمط الشاذ من التفكير والسلوك كافة مناحي الحياة في ليبيا، وظل قائماً بها إلى عام 1975م. حيث تأثرت الحياة بصفة خاصة بحادثة زلزلت أركان السلطة الحاكمة وهدّدت وجودها عندما أُعلن عن قيام (مؤامرة فاشلة) قام بها بعض أعضاء مجلس الإنقلاب الحاكم، بهدف القضاء على (قائدهم) الذي وُصف بأنه سرق الثورة وميّع توجهها، وبهدف العودة بالبلاد إلى الشرعية الدستورية، وتحديد الهوية من جديد. وما كاد (القائد المعلم) كما أُطلق عليه فيما بعد، يقضي على هذه الرِّدة – على حد تعبيره – حتى أُلجم بأول انتفاضة طلابية مناهضةٍ لحكمهِ، وذلك في أول شهر يناير من عام 19766م. ومطالبةٍ، ضمنياً أيضاً، بإعادة تنظيم الدولة وسيادة واحترام القانون والقضاء.   

ولما كانت السلطة فاقدة لهويتها السياسية، وما تحمله هذه الهوية وتشير إليه من معانٍ وأبعاد مادّية (مؤسساتية) ومعنوية (دستورية/قانونية)، فقد عجزت عن التعامل موضوعياً مع هذه الشريحة الهامة (والمثقّفة) من شرائح المجتمع. لا بل والأدهى والأَمرّ، على جانب آخر، أن يتم التعامل معها بصورة متخلِّفة أساسها التشفّي والإرهاب، وهو الأمر الذي تجسَّد من خلال ردِّ الفعل الذي طواه العقيد القذافي داخله إلى يوم السابع من شهر أبريل عام 1977م. حيث قام بإعدام بعض الطلبة داخل حرمات الجامعات ووسط الساحات والميادين العامة، نكالاً لما قاموا به من ممارسات "مخالفة" لتوجّهات "القائد المعلِّم". !!    

... إلى ذلك الوقت كان الشكل السياسي للدولة، بصورة أو بأخرى، هو (الشكل الجمهوري)، أو يُفترَض أن يكون كذلك، على الرغم من انعدام تحديد المضمون لهذا الشكل. وسعياً من هذا القائد (المفكِّر) لحل مشاكل البشر، وحسماً منه للفصل في هذه الإشكالية المتعلّقة بالهوية أو الشكل السياسي الرسمي للدولة، أصدر العقيد كتابه (الأخضر) الذي كان قد إنتهى من كتابة الجزء الأول منه عام 1976م. والذي يعتبِره، بفصوله الثلاث، هو (النظرية العالمية الثالثة)، نظراً لاشتماله على "الحلول النهائية" للمشاكل البشرية على أصعدة (السياسة والاقتصاد والاجتماع) ...وتأكيداً على معنى "تواضع العلماء" فقد طلب "الأخ القائد" عدم إلزام الناس بالتقيُّد بهذه النظرية الجديدة داخل البلاد، فهي كما يقول دائماً، مطروحة لكل البشر، دون إلزام، وفي كل زمان ومكان... إلاَّ أن هذا الإدعاء وهذه (البراءة) العفوية في الطرح، لم تدم طويلاً، حيث ما لبث (القائد) أن عقد اجتماعاً شعبياً موسعاً في 2 مارس لعام 1977م. بمدينة سبها بجنوب ليبيا، وهي المرة الأولى التي يُعقد فيها مثل هذا الإجتماع الذي أُطلِق عليه اسم (مؤتمر الشعب العام)، والذي تمَّ التحشيد والإعداد له – بشرياً مادياً – بصورة لم تعرفها البلاد من قبل قط. وقد كان هذا الفعل متعَمَّداً من قِبَل القذافي، ليُعلن بنفسه وبمنطقه الخاص المتميِّز الإسم الجديد (والشكل الجديد) للدولة وهو على الصورة الآتية: "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية"، وليؤكد ما عُرف بمقولة (إعلان سلطة الشعب)، وليبدأ الثورة الجديدة المحفِّزة على التقيُّد بمنهجية عمل اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية والمؤتمرات الأساسية، ومؤتمر الشعب العام، واللجان الثورية ـ والأخيرة هي في واقعها أجهزة رقابية ومحاسبية وتحريضية ـ تقوم مقام محاكم التفتيش الاسبانية (!!) وليُلزِم الشعب من هذا التاريخ فصاعداً، بصورٍ وممارساتٍ قسريةٍ مختلفة، تصل إلى حد إسقاط حق التمتع بالجنسية عن المخالفين من ناحية، وتأمر المواطنين بضرورة المشارَكة بفعالية في كافة ملتقيات تلك الأطر السياسية النابعة من الكتاب الأخضر والتي اعتبرها القذافي – جملةً وتفصيلاً – هي السلطة التشريعية والتنفيذية في الدولة، في ظل إنعدام وجود الدستور بالطبع. !! 

ومنذ الوهلة الأولى يدرك المرء أن الإسم المركَّب (الجديد) للبلاد، وهو: (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية) وترتيبه بالصورة التي اقترحها وطرحها القذافي شخصياً –وأمر بإقرارها- يُوحي بعدم عفوية أو تلقائية إختيار وتحديد ذلك الإسم المركَّب بدلالته المعيَّنة وصورته التي أورده بها معمر القذافي، في تلك الجلسة من ذلك المؤتمر، ونادى بإقرارها واعتبارها الإسم الرسمي للبلاد على النحو الذي سبق ذكره. ومعلومٌ أنه بعد ذلك بحوالى عقد من الزمان، تم إضافة كلمة (العظمى) إليه رسمياً (عام 1986م.) بعد الغارة الجوية الأمريكية على مدينتي طرابلس وبنغازي (!!) ليصبح إسم الدولة بصيغته النهائية كما يلي: "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" !! فالواضح تاريخياً أن القذافي قد قام في ذلك المؤتمر بتقمّص الدور الذي يوحي للناس من خلاله عفوية اختياره لهذا الإسم العجيب والغريب، الذي يعجز الإنسان عن الإتيان به متكاملاً على النحو الذي أجاد العقيد تمثيله. 

ويبدو أن لهذا التغيير في الشكل متطلباته الخاصة (التي لا يتكامل إلا َّ بها) حيث بعد فترة من الزمن لم تطل كثيراً تمَّ،   وبأمرٍ وتحريضٍ من العقيد القذافي شخصياً (خلال أعوام 1979م/1980م) الزحف والسيطرة على السفارات الليبية في الخارج بواسطة أعضاء ما يُسمى اللجان الثورية، وتم استبدالها بما اُطلق عليه المكاتب الشعبية الليبية، وتمت إدارتها عبر لجان عملٍ قاصرة أُطلِق عليها اللجان الشعبية. ثم بعد ذلك تمَّ رسمياً تحويل السفارات الليبية في الدول العربية إلى مكاتب أخوَّة والسفارات الليبية في الدول الأخرى إلى مكاتب شعبية وهي المكاتب "الديبلوماسية" التي لعبت دوراً فاعلاً وقذراً في القيام بمهام وعمليات التصفية الجسدية في حق الوطنيين من مناهضي السلطة بالإضافة إلى العمليات الإرهابية الأخرى. 

ونعود لنقول أنه بقدر فجائية صدور وإقرار ذلك الإسم وصدمه – أنذاك – لعقلية المواطن الليبي ذاته، فإنه يمكن لنا، على جانب آخر، أن نقيس وقعه على صعيد الإدارات السياسية لدول العالم، وبخاصة تلك الدول ذات التقاليد السياسية والديبلوماسية العريقة. فقد رفضت كثير من تلك الدول قبول أو إعتماد البعثات الديبلوماسية الليبية التي انعكست عليها آثار تلك التسمية وذلك الشكل السياسي، فتغيرت أسماؤها ومسمياتها، كما أشرنا، وأصبحت مقار تلك البعثات أوكاراً

وملاذاً لممارسي الإرهاب ورموزه في كثير من دول العالم، وأصبح أعضاؤها أدوات منفِّذة للإرهاب ومتستِّره عليه، في ظل ما كانت تتمتع به بعض تلك الرموز من حصانة ديبلوماسية أُسيء إستخدامها، ما دفع كثير من دول العالم، بالتالي، إلى قطع علاقاتها مع (الجماهيرية) درءاً لشرور وأخطار التعامل معها.   

ومن خلال استعراض تلك السلوكيات الغريبة والشاذة للحاكم الفرد، ورصدها على مختلف أصعدة التحرك السياسي والديبلوماسي بالذات، تتضح محاولات القذافي المستميتة من أجل تهربه من المسؤولية، بل ومحاولاته المستديمة التنصّل منها وخلعها على الآخرين، وإصراره على التصريح، في شتى المناسبات، بعدم مسؤوليته عن كل ما يصدر عن السلطة من تصرفات، ونعني بها بالطبع تلك غير المحمودة، وهي كثيرة، حيث يتّضح لنا سبب إصراره حتى الآن على عدم إصداره للدستور وعدم احترامه للقضاء والقانون، لا بل وعدم تحديده للشكل السياسي الثابت والرسمي للدولة، حيث ثبت بالتجربة أن مجمل تلك الأمور تُعد بالنسبة إليه من المعوِّقات التي تحدد تحركاته وتضبط سلوكياته وتحاسب تجاوزاته.  

وقد كان من الطبيعي لهذه الفوضى (الرسمية) من أن يوجد لها على الدوام مَنْ يعارضها ويناهضها بشتى السبل والوسائل العلنية والسرية. ومن هنا فقد كان من الطبيعي، أيضا، في المقابل، من أن تطفو فوق سطح المجتمع كثير من ممارسات القمع والإرهاب التي تم برمجتها لتكميم أفواه المواطنين – وقتلهم متى لزم الأمر – في الداخل، ولتعقّب المعارضين الوطنيين خارج الحدود وممارسة التصفية الجسدية في حقهم تحت سمع وبصر الرأي العام العالمي. ولذا فقد عُرِفت وتوالت مسلسلات القمع والاغتيال في حق المواطنين في الداخل والخارج عبر السنوات، مع توالي تصريحات القذافي بأن تلك الممارسات ليست مسؤوليته بل هي ممارسات يقوم بها الشعب – عبر لجانه الثورية ومفارزه الإنتحارية – للحفاظ على مكتسباته وحقوقه في الثروة والسلطة والسلاح. !!! 

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home