Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah

الخميس 16 اكتوبر 2008

الجبهة... والمطلَب الدّستوري

السنوسي بلاّلَه

اللافت في قضية الدستور بعامّة أن المطلب الدستوري كان منذ بداية التاريخ السياسي لليبيا الحديثة مطلباً هاماً ورئيساً للمقاومة والمعارَضة، سواء داخل أو خارج الأرض الليبية، بدءاً من تطلعات الجمهورية لطرابلسية في 16 نوفمبر من عام 1918م. ومروراً بإعلان تأسيس (حزب الإصلاح الوطني) في 30 سبتمبر 1919م، برئاسة أحمد بك المريِّض الذي كان أحد أعضاء المجلس الجماعي الذي ترأس الجمهورية الطرابلسية. ومروراً أيضاً بـ (المؤتمر العام) في شهر نوفمبر من عام 1920م. الذي أصدر بعد انتهاء جلساته قراراً جاء في بعضٍ منه ما يلي: (إن الحالة التي آلت إليها البلاد، لا يمكن تحسينها إلاَّ بإقامة حكومة قادرة، ومؤسَّسَة على ما يحقق الشرع الإسلامي، بزعامة مسلم يُنتخَب من الأمة، لا يُعزَل إلاَّ بحجَّة شرعية وإقرار مجلس النواب، وتكون له السلطة الدينية والمدنية والعسكرية بأكملها بموجب دستور تقرُّه الأمة بواسطة نُوابها...). كما كان "من بين التجمّعات الليبية المهاجرة النشطة، تجمّع الليبيين في سوريا، فقد تمكن هؤلاء في عام 1928م. من تأسيس [جمعية الدفاع الطرابلسي والبرقاوي بالشام] (1) وكان مقرُّها دمشق، وانتُخِب بشير السعداوي رئيساً وعمر فائق شنّيب سكرتيراً للجمعية. وقد وضعت الجمعية عام 1929م. الميثاق الوطني للشعب الطرابلسي البرقاوي، وتضمَّنت (النقاط الثانية والثالثة من) موادُّه:
ـ دعوة جمعية تأسيسية لسنّ دستور البلاد.
ـ انتخاب الأمة مجلساً حائزاً على الصلاحية التي يخوله إياها الدستور.
هذا وقد قامت [جمعية الدفاع الطرابلسي والبرقاوي بالشام] بفتح فرع لها في تونس عام 1930م. برئاسة محمد عريقيب الزليتني.(2) ما يشير إلى تنامي الوعي بالدستور لدى المواطنين الليبيين وفي مختلف أماكن إقامتهم أو تواجدهم.
ولا شك أن مواقف هذه الكيانات، تعدّ بتقويمنا الحاضر لها، فكراً متقدّماً على عصره ورؤية سابقة على زمانها. وكما أشرنا فإن الغرض من هذا العَرض الوجيز هو ملاحظة كيف أن الدستور كان منذ القديم مطلباً وطنياً مشروعاً وغاية يُراد تحقيقها عبر الكفاح والجهاد الذي جسَّده الآباء والأجداد، وكيف استطاع هؤلاء رغم شتى الحواجز وبمختلف تسمياتها، الوصول إلى مثل تلك الوثائق التاريخية التي سطّروها خلال نضالهم الطويل. فالمطالبة بالدستور ليست بالشيء الجديد على شعبنا بكافة قطاعاته داخلاً وخارجاً.
وبقيام انقلاب سبتمبر عام 1969م. ووصول معمر أبو منيار إلى السلطة وإلغاء الدستور وتعطيل القانون، وضُحت نوايا الحكم الفردي وتجلت نوايا التسلط من خلال تمييع قضايا الدستور والقانون ذاتها، لا بل وتسفيه قيمها المعنوية السامية. وقد عمل القذافي في هذا السبيل على استصدار العديد من القرارت والتوجيهات التي قصد من ورائها التسويف والإلتفاف حول المطلب الدستوري على وجه التحديد. ولعل أبرز هذه الخِدع إصدار ما عُرف بالإعلان الدستوري (11/12/1969م.) الذي جاء أصلاً لقطع الطريق على كل الأصوات المنادية بوجوب وجود دستور وبروز شرعية دستورية للبلاد، ولذا فقد أشار الإعلان الدستوري في ديباجته وفي المادة 37 منه (3) ، إلى الوعد بإصدار دستور دائم للبلاد، إلاَّ أن المادة 18 من الإعلان الدستوري (4) ذاته كانت قد أعطت مجلس قيادة الثورة صلاحيات سيادية وتنفيذية وتشريعية كاملة دون حق لأحد في الإعتراض أو النقض. !!!
وقد انتبهت شريحة المثقفين والسياسيين الليبيين –منذ الفترة المبكِّرة- إلى خطورة بقاء البلاد دون دستور، ولذا فقد ارتفعت أصوات هنا وهناك تلفت النظر إلى هذا الأمر وتطالب بالإنتباه إليه، ولعل المواقف -المدنية- الأبرز في هذا السياق هي مواقف الأستاذ (الصحفي) محمد عبد الرازق منّاع رئيس صحيفة (الثورة) ومقالات الدكتور عمرو النامي التي تجسِّد رأي المثقفين، الذين كان النامي أحدهم، بشأن أهمية بل ضرورة وجود الدستور على رأس الهرم السياسي للدولة. وتحت غطاء مواد الإعلان الدستوري وفي ظل تمتع معمر القذافي بالسلطة المطلقة، سادت البلاد موجه من الإرهاب السياسي المنظَّم أحاقت ظلماً بالعياد وأعاثت في الأرض الفساد، ما حال بين المواطن وبين قدرته على ممارسة حرّياته المختلفة التي لم تعد تكفلها أية ضوابط دستورية أو قانونية على الإطلاق. وهو ما يقودنا منطقياً إلى استيعاب قضية صعوبة العمل الوطني المناهض داخل البلاد وانتقال امتداداته وفروعه إلى خارج الوطن، حيث كانت المعارَضة في الخارج في أصلها انعكاساً لإرهاصات وتفاعلات وطنية في داخل البلاد، أُحيطت بجدران أمنية وسياسية قامعة لحريات التعبير المختلفة، ما دفع هذه القوى الوطنية المعارِضة للتحرك تنظيمياً في أفق أو فضاء أرحب ألا وهو الأفق الممتد خارج أرض الوطن.
وقد كانت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا إحدى هذه القوى الوطنية التي عملت على التحرّك داخل وخارج الوطن، والتي أولت قضية الدستور اهتماماً بالغاً وهاماً، ووضعتها على رأس أولوياتها ومطالبها، وبرامجها وأهدافها التي تناضل من أجل تحقيقها. فقد ضَمَّنت الجبهة -مثلها في ذلك مثل غيرها من فصائل المعارَضة الوطنية الأخرى- بيانها التأسيسي ومختلَفِ برامج تحركها النضالي، معاني الدستور وضرورة وحتمية الكفاح من أجل إقراره. فقد جاء في بيان الجبهة التأسيسي (يوم 7 /10/1981م.) حول الدستور، في النقطة الثانية من البيان (خلال مرحلة ما بعد سقوط القذافي)، ما يلي: "... الدعوة والسعي إلى تشكيل مجلس رئاسة وحكومة مؤقتة تتولى تسيير دفة الأمور خلال الفترة الإنتقالية التي لا ينبغي أن تتجاوز بحال من الأحوال سنة واحدة. ويكون من واجباتها اتخاذ كافة الترتيبات والإجراءات الإنتقالية التي تكفل سرعة وسلامة ونزاهة قيام حكم وطني دستوري، ومن هذه الترتيبات:
* إجراء انتخابات عامة خلال ستة أشهر من تشكيل مجلس الرئاسة والحكومة المؤقتين لاختيار جمعية وطنية تأسيسية يكون من بين مهامها وضع دستور دائم للبلاد، يُطرح للإستفتاء العام.
* إجراء انتخابات عامة لاختيار رئيس للدولة في ضوء الدستور الجديد بعد إقراره من الشعب في استفتاء عام.
* نقل كافة السلطات إلى المؤسسات الدستورية المنتخَبة أو المشكَّلة في ضوء الدستور الجديد.
* تهيئة كافة الظروف التي تساعد على عودة الحياة العامة إلى أوضاعها الطبيعية في أسرع وقت معقول ممكن، بما في ذلك إجراء مصالحة وطنية عامة، ورفع كافة صور الظلم التي وقعت على المواطنين خلال حكم القذافي، وإجراء الإنتخابات التشريعية العامة.
* الدعوة والسعي، من خلال الشعب الليبي بكافة فئاته، إلى إقامة نظام حكم وطني دستوري ديموقراطي يستلهم عقيدة هذا الشعب وقيمه، وتاريخه، وتراثه الحضاري، يتحقق من خلاله ما يلي:
ـ حماية كافة الحرمات والمقدسات، وكفالة كافة الحريات لجميع المواطنين، مع التأكيد على تأصيل قيم الحق والعدل في المجتمع، وترسيخ الممارسات والتقاليد الديموقراطية فيه.
ـ توظيف كافة الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة بالبلاد توظيفاً شاملاً وراشداً ومتطوراً، يكفل النماء، ويحقق العدل، ويمنع الإستغلال، ويعود بالخير على كافة أبناء ليبيا وعلى جيرانها وعلى أشقائها وعلى البشرية جمعاء.
ـ العمل على إزالة كل ما علق بوجه ليبيا في الخارج من تشويه خلال حكم القذافي، والحرص على إقامة علاقات متينة، وبناءة مع كافة الدول المجاورة لليبيا ومع بقية الدول الشقيقة والصديقة على أسس من الإحترام المتبادل. ...". وقد عبّرت الجبهة عن هذه المعاني السامية وأمثالها من خلال البيانات المشترَكة الصادرة عن لقاءات ضمَّت مختلف فصائل المعارَضة، التي ساهمت الجبهة في فعالياتها المختلفة، حيث تركَّز جوهر هذه البيانات حول (إقامة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون) والعودة إلى كنف (الشرعية الدستورية) وتعهُّد هذه الفصائل بالدعوة إلى (أن يتضمن مشروع الدستور الدائم الذي تضعه الجمعية الوطنية) جميع ما ورد سالفاً من نقاط.
كما عبّرت الجبهة من خلال أطرها التنظيمية وملتقياتها المختلفة، وكذلك عبر مجلتها (الإنقاذ) وبقية أدبياتها ومنشوراتها المختلفة، وعبر إذاعتها المسموعة (صوت الشعب الليبي، صوت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا) عن تطلعاتها نحو الدستور، الضامن الحقيقي للحريات. وأكدَّت الجبهة كذلك على ربط الدستور بالإطاحة بحكم القذافي بالكامل، أو بعبارة أخرى: إنهاء المنتظَم السياسي القذافي، كمقدِّمة ضرورية لإقامة البديل الوطني الدستوري الديموقراطي.
وكي لا تبقى هذه الرؤى والتطلعات أسيرة الأحلام فقط، قد بُذِلَت الجهود عملياً، عبر السنوات الطويلة الماضية من أجل تجسيدها في صورة أو رؤية واقعية يتم العمل على تنفيذها فعلياً، قدر المستطاع، وذلك عبر التنسيق المحكم ما بين فصائل المعارَضة الوطنية، وترسيخ خطوات العمل الجماعي، والقناعات المشتَرَكة والوعي بالدستور –كقيمة عليا- والإصرار على أن يكون (هذا الدستور) موضوعاً مِن قِبل ممثلي الشعب وليس مِن قِبل أشخاص (أفراد) أو حكّام يسيرون وفق أهوائهم وامزجتهم وفرديتهم.
________________________________________________

1. محمد شكري، السنوسية دين ودولة ص 373-375.
2. د. محمد يوسف المقريَّف، ليبيا بين الماضي والحاضر. الجزء الأول.
3. جاء في ديباجة الإعلان الدستوري (الصادر يوم 11 سبتمبر 1969م.): "... يصدر هذا الإعلان الدستوري ليكون أساساً لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديموقراطية، وحتى يتم إعداد دستور دائم يعبِّر عن الإنجازات التي تحققها الثورة، ويحدد معالم الطريق أمامها". وجاء في المادة الختامية 37 (من الإعلان الدستوري): "يبقى هذا الإعلان الدستوري نافذ المفعول، حتى يتم اصدار الدستور الدائم، ولا يُعدَّل إلاَّ بإعلان دستوري آخر من مجلس قيادة الثورة، إذا رأى ذلك ضرورياً، وفق مصلحة الثورة".
4. المادّة الثامنة عشر من الإعلان الدستوري، التي تنص على أنه: "مجلس قيادة الثورة هو أعلى سلطة في الجمهورية العربية الليبية، ويباشر أعمال السيادة العليا، والتشريع، ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب، وله بهذه الصفة أن يتخذ كافّة التدابير في صورة إعلانات دستورية أو قوانين أو أوامر أو قرارات، ولا يجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة من تدابير أمام أية جهة".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home