Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الثلاثاء 16 مارس 2010

خاطرة حول جدوى الإعتذار!!

السنوسي بَـلاَّلـَه 

شاعت في ليبيا خلال منتصف ستينيات القرن الماضي واقعة قيام وفد أمريكي من رجال أعمال ودبلوماسيين بزيارة ليبيا ومقابلة الملك أدريس بقصره في مدينة طبرق، وأن الوفد طلب من الملك أن تقوم ليبيا بتخصيص جزء من عائداتها النفطية لدعم بعض من دول العالم الثالث –وبخاصَّة في دول أفريقيا- وأن تقوم أمريكا بتصريف وتوزيع هذا الدعم المالي (الليبي) نيابة عن ليبيا، بحجة مناهضة المدّ الشيوعي ودعم حكومات هذه الدول الموالية للغرب. إلاَّ أن الملك إدريس رحمه الله ردَّ على هذا الطلب (الغريب) قائلاً ما معناه أنه يأمل بناء ليبيا (الحديثة) وتطويرها أولاً وأنه لا يستطيع التصرف في ثروة الوطن من لدنه، بل هناك أطر دستورية وقنوات قانونية يبت فيها البرلمان الليبي وحده وبحريته المطلقة ودون تدخل من طرفه (الملك)، ما أزعج أعضاء الوفد الأمريكي وردهم خائبين وناقمين على الموقف "الوطني" للملك. الذي يخشى ضياع ثروة بلاده بسبب أهواء بعض القوى المتكبِّرة في العالم. هذا وقد أشارت بعض الكتابات الليبية إلى فحوى هذه الواقعة عبر صفحات المواقع الألكترونية، ويُنصَح في هذا السياق –ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع- مطالعة المجلَّد الرابع (ليبيا بين الماضي والحاضر/الحقبة النفطية) للدكتور محمد يوسف المقريَّف- الطبعة الأولى 2006م.     

وما نود الخلوص إليه من إيراد هذه الواقعة هو أن الوفد الأمريكي، ومن ضمنه شخص يُدعى لوي هيندرسون "الخبير في تدبير الإنقلابات في دول العالم الثالث" لم ينسَ للملك الصالح إدريس ذلك الموقف الوطني الأمين، حيث بُعيد مرور سنوات قليلة من تلك الزيارة (المريبة) وقع انقلاب أول سبتمبر (المشبوه) في عام 1969م. بقيادة الملازم معمر بومنيار القذافي. 

وكما يُقال عادة أن الشيء بالشيء يُذكر، فقد كان لافتاً للنظر ما جرى من أحداث أو على الأصح مواقف متسارعة ومتقاطعة جرت مساراتها ما بين سلطة العقيد القذافي والغرب على هامش الأزمة الديبلوماسية التي قامت بين ليبيا وسويسرا، وتحديداً عقب "تكفير" القذافي لدولة سويسرا ومطالبة العالم بمقاطعتها وإعلان الجهاد ضدها (!!) ثم دخول أمريكا على الخط السياسي من خلال ما جاء على لسان (بي. جيه. كرولي) المتحدِّث باسم الخارجية الأمريكية، وعُدَّ وقتها تهكماً من طرف أمريكا على تهديدات وتطاولات العقيد القذافي لسويسرا. الأمر الذي أزعج القذافي في المقابل وزاد من حنقه وتهوره، ودفعه إلى التهديد باستعمال سلاح النفط كحجر شطرنج رئيس وورقة سياسية واقتصادية ضاغطة (ووحيدة لديه) يهدد بها حكومات العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية (زعيمة العالم الغربي)، بحيث لم تعد الأزمة بين سويسرا وليبيا فقط بل وفرنسا أيضاً، التي كانت هي الأخرى قد استهجنت تهديدات القذافي لسويسرا. فقد صرح القذافي أنه قد يستعمل ورقته اليتيمة ما لم تعتذر أمريكا عن موقفها من تهديدات وأقوال القذافي المذكورة. "... وردَّت ليبيا باستدعاء السفير الامريكي في طرابلس للاحتجاج ثم حذرت شركات الطاقة الامريكية من أنها قد تعاني ما لم تعتذر واشنطن عن تصريحات المتحدث...". وقد ترك لأحد أزلامه أن يترجم هذا التهديد من خلال ما صرَّح أو هدد به –بطريق غير مباشرة- شكري غانم رئيس مؤسسة النفط الليبية قائلاً أن الخلاف دفع ليبيا للبدء في التطلّع لشركاء جدد في مجال الطاقة. كما وعلى جانب آخر صرح السفير الليبي في روما حافظ قدور مقللاً من شأن تأثير النزاع السويسري على قرارات الاستثمار الليبية، إلاَّ أن قدّور عاد ليقول "... ان ليبيا ستواصل الاستثمار مع الدول الصديقة لها في مناطق تعتبرها محل اهتمام...". (!!)  

إلاَّ أن التهديد الأقوى (والذي لا يُعدُّ تهديداً مبطَّنَاً) هو ما كان ورد على لسان العقيد القذافي من لعب بورقة (القوة الصينية الضاربة)، حيث يُفهم من بعض سياقات حديثه -الذي ورد في مقال نشره على موقعه الألكتروني (القذافي يتحدث) على الانترنت، (يوم 7 مارس 2010م.) والذي رأى فيه أن أميركا تسعى إلى مواجهة غير مباشرة مع الصين من خلال اعتمادها على سياسة ترتكز على خلق (روادع اقليمية) حتى لا تكون بكين في (مواجهة مباشرة) مع واشنطن. وأكد "... ان الحقيقة هي ان الصين منافس عالمي خطر جدا، وأشد خطورة من الاتحاد السوفيتي على أميركا، في الماضي...". ونبَّه إلى أن الصين أصبحت "منافساً من نوعٍ آخر"، فهي الى جانب قوتها الاقتصادية الصاعدة والبشرية والنووية بدأت (التسلل والتوغل) في كل مكان من العالم بمداخل (لينة عكس أميركا التي اختارت بغباء المدخل الخشن العسكري). وأوضح أن "... الأفريكوم يعد مثلاً سيئاً للتدخل الأميركي الفظ في الشؤون الداخلية باسم الديموقراطية وحقوق الانسان...".  

وقد أعطت هذه التصريحات في مجملها الإنطباع الكامل لبعض الراصدين لتطورات الشأن السياسي الليبي أنه من الممكن جداً لسلطة العقيد القذافي أن تفتح مع هذه القوة الصينية آفاقاً سياسية واقتصادية أكبر وأوسع مما هي عليه الآن، وبخاصة إذا ما أخذته حدة تطرّفه إلى حدّ المقاطعة الكاملة للغرب والإرتماء في حضن التنين الإقتصادي الصيني. 

ومن هنا فليس غريباً أن تتناقل وكالات الأنباء العالمية، بعد مضي حوالى يومين على هذه التصريحات والمزاعم، خبر إعتذار الخارجية الأمريكية "الرسمي" الذي جاء على لسان (بي. جيه. كرولي) -في واشنطن يوم الثلاثاء 9 مارس 2009م.- مخاطباً الصحفيين قائلاً: "... أدرك ان تعليقاتي الشخصية فهمت كهجوم شخصي على الرئيس...". وأضاف "هذه التعليقات لا تعكس السياسة الامريكية ولم يقصد بها الاهانة. أعتذر إذا كانت فُهِمَت على هذا النحو". وليس غريباً في المقابل أن تعلن سلطة القذافي -عبر وكالات الأنباء العالمية- أنها قبلت هذا الإعتذار قائلة: "اطلعت اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي بارتياح على تصريح المتحدث باسم الخارجية الامريكية بي.جيه. كرولي، وتعلن انها قبلت الاعتذار والاسف الشديد اللذين أبدتهما الخارجية الامريكية وكذلك التوضيح الذي قدمه المتحدث باسم الخارجية الامريكية...". (!!!) 

ويبقى لنا أن نتساءل: هل بمقابل، أم بدونه، يُعطى القذافي مزيَّة هذا الموقف المتمثِّل باختصار في رفض الهيمنة الأمريكية على أنظمة الحكم في العالم؟ 

فمن، وما الذي أخضع أمريكا وركّعها لتقبل القيام بتقديم اعتذارها لشحص من وزن معمر القذافي؟ هل هو اللوبي الصهيوني؟  أم هل هي جماعات الضغط المتصهينة؟ أم هي شركات النفط الكبرى وصاحبة الإستثمارات العملاقة في ليبيا؟ أم هل عرف القذافي حقيقةً كيف يمسك بزمام الجامحين ويركّعهم بوسائله وخبراته الخاصة، وبمعرفته بقوانين لعبة المصالح؟ وإذا لم يكن ذلك كذلك، فمن ذا الذي شجعه على اتخاذ هكذا مواقف، وعمل على ترويض الإدارة الأمريكية وساعد على تركيعها أمام سلطته؟ ولمصلحة مَنْ -غير القذافي- تخنع أمريكا (ولماذا) أمام جبروت المصالح بهذا الشكل المهين والمخجل؟ ومن ذا الذي يدعِّم مواقف العقيد المتعنتة هل هو اللوبي الصهيوني؟ وإذا كان هذا موقف قذّافي صِرف فهل ينسى له الأمريكيون ذلك، أم أن هذا جزء من سيناريو ختام مسرحيته السياسية التي دامت لأربعة عقود عجاف؟ أم أن الأمر لا يتم إلاَّ بوجود "خبير" على شاكلة (لوي هيندرسون). ؟؟؟


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home