Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الإربعاء 15 سبتبر 2010

عمر المختار*

السنوسي بَـلاَّلـَه 

إذا كانت رائعة أمير الشعراء أحمد شوقي بك في رثاء شيخ المجاهدين عمر المختار: (رَكزوا رُفاتَكَ في الرّمال لواء ... يستنهضُ الوادي صباح مساء)، تعتبر فعلاً من عيون الشعر -وليس شعر المراثي فحسب- بما تميّزت به من سلاسة وبلاغة وحسن بيان، ناهيك عن عظمة وجمالية اسلوب تناولها للحدث الجلل ذاته، فإنه على صعيد آخر، أعني صعيد الشعر الشعبي الليبي، نجد أن أبرز القصائد التي قِيلت في تناول ذلك المصاب العظيم هي قصيدة: (عزاه يوم، شايطه فيه نار) لصاحبها المجاهد حمد باشا الباسل.

وفي سياق تناول إحدى إبداعات شعرنا الشعبي المشار إليها، فإنه ينبغي اللّفت إلى أن هذا الضرب من الأدب يمثِّل الأداة التوثيقية والوثائقية الأولى –دون منازع- التي اختصت دون غيرها بتسجيل وقائع أحداث تاريخنا الوطني وجهاد آبائنا العظام، في مواجهة الغزو الإستعماري العسكري في صورته الإستيطانية، وثقافته الغازية. فقد كان الشعر الشعبي، في ظل غياب العلم والتعليم، وتفشي الأمية وعدم توفر وسائل وأدوات التدوين الأخرى بشكل عام ...كان هو الوسيلة الوحيدة أو الأولى على صعيد تدوين وتوثيق مراحل نضال أمتنا في مواجهة عدوها الغاشم. فالشعر الشعبي هو الذي صور لنا مآسي شعبنا وهو الذي جسَّد معاناة أجدادنا، سواء عبر القصائد العظيمة مثل (أحوال حايله) التي قِيلت عام 1913م. أي بعد عامين من بداية الغزو الإيطالي لبلادنا، أو عبر القصائد الملحمية مثل قصيدة (ما بي مرض غير دار العقيله) التي صورت بعين فاحصة شاهدة، معسكر الإبادة الجماعية الذي تمثَّل في معتقل العقيله الشهير. فالشعر الشعبي إذن هو الذي وفّر لنا، بحضوره، المادة التاريخية الموضوعية، التي أصبحت بدورها مرجعاً رئيساً لمختلف الدراسات التاريخية الأكاديمية بطول البلاد وعرضها.

ونعود لنتناول القصيدة التي بين أيدينا (عزاه يوم، شايطه فيه نار) لنشير إلى أن هذه القصيدة لا تتعرّض لموضوع أو غرض الرثاء، أي أنها ليست مرثية من المراثي الكثيرة التي قِيلت في تأبين شيخ المجاهدين، وعددت مناقبه ومآثره، وجهاده الذي قل نظيره، بل هي في الواقع قصيدة تحريضية أو هي منشور ثوري، يطرح برنامج نضال، يحضّ على الثورة ويحرّض على استمرار الجهاد، ويدعو إلى الكفاح والثأر للبطل التاريخي عمر المختار.

ولعلّنا لا نستكثر على قائل مطلع هذه القصيدة إذا عرّفناه، وهو الغني عن التعريف، بأنه هو أحد رجالات الوطن العربي الذي عُرف بالنخوة والشجاعة والإقدام، وعُرف بشخصيته السياسية ومكانته الرفيعة بين مجايليه من الزعماء والساسة، وإلى هذا وذاك هو الوطني الحرّ الذي لم يرض لأهله في ليبيا ومصر حياة الذل والإستكانة، فكافح وناضل من أجل قضايا تحريرهم واستقلالهم، وتحمَّل في سبيل ذلك معاناة السجن والنفي، الذي لم يحُل دون زيادة تحمسّه وكثرة بذله في سبيل مختلف قضايا الحق والحرّية.

وقد شاركه في كثير من مشاعره الوطنية التي تُرجم بعضها في مطلع هذه القصيدة، مجاهدين آخرين يتوفرون على حسّ شعري فيّاض، أبرزهم عبد السلام عبد القادر الكزّه والفضيل موسى المهشهش، ما أضاف إلى القصيدة روعة ومصداقية وحُسن بيان. فهم مجاهدون قبل أن يكونوا شعراء، وهم أصحاب قضية قبل شروعهم في التعبير عن معاناة فصولها، وهم رجال موقفها عند كل محفل.    

يقول حمد محمود الباسل:[1]

عَزاه يوم، شايْطه فِيه نار             عمر المختار                 الفارِس اللّي كان رَيِّسْ أدْوار 

          يقول الباسل باشا أن الحديث عن عمر المختار في هذا الظرف لا يستدعي التأسي وتبادل التعازي بين المعزّين، بل إن الأمر يستلزم دخول معركة كبرى يتم فيها الإنتصار لقائد ألوية الكفاح عمر المختار. والباسل هنا لا يلجأ في معالجته الشعرية إلى تسلية النفس بالتمني ولا يستدعي أسلوب التمني في سبيل تمرير وجهة نظره أو ما يتمناه، بل هو كما ألمحنا يقرر أن لا سبيل للتعامل مع موقف شنق عمر المختار سوى محاربة أعداء هذا القائد والثأر له. 

ويضيف عبد السلام الكِزَّه:[2]

نَلْقَانَّه العزَا فيه يِنْدار يوم            يْجنَّه هجوم                 جيوش رَيمْهِنْ كيف رَيم الغْيوم

ومقاوِيدْهِن مِن شْداد العْزُوم         فكّاكِةْ الثار                 جَيّابِةْ الفخَرْ يوم ضَربِ العْيار

هَذاك هُو اللّي إن كان يَطْرَنْ خْشُوم يْحِيد الْمعَار                ويِبْرِي قلوب مِ الغَيظْ راحَنْ دمَار

حجايجِ الورَقْ ما بْهِنْ شِي لْزُوم     وْلا بْهِن اَفْخار              واَيشْ فايدةْ قَولْهِن صارْ صارْ .       

يؤكد الكِزّه على محاربة العدو للأخذ بثأر الشيخ، لا بل إنه يمضي في توصيف خطة هجوم الجيوش، وتحديد نوعية الرجال الأشداء، الذين لا يهابون الموت، في سبيل تحقيق مبدأ الأخذ بالثأر من الأعداء، ونيل الفخر وتخفيف حمل معاناة قلوبهم ورفع الغبن عنها. هذا هو مبتدأ الأمر عنده، أما تناول موضوع الثأر عبر التمنّي والخطب الرنانة والكلمات المطوَّلة، فهو في نظره حديث أجوف لا يحقق فخراً ولا يُنجز شيئاً.  

ويضيف الفضيل المهشهش:[3]

نَلْقَانَّه عزا سِيد سِمْحِ النّبات         ماو بْكاء بنات              وْلا حَجايْجاً في ورَقْ بَايزات

يْجَنَّه طوابِير مِتْناغْرَات               قبالَه اَجْهار                 في القايله، عِزّ وَسطْ النهار

ويْتمَّن عَ المعركه نازْلات             ويْدِيرَنْ مِدار               ما عمرَه طْرِي في حرب صار. 

ويتماهى المجاهد المهشهش مع رأي رفيقه، ويستطرد في استعراض باب القوة التي ينادي بها للأخذ بثأر أبا الخيل وسيّدها، رافضاً الإستكانة والقبول بالضيم في صورِه المختلفة، سواء في صورة نحيب النساء أو إصدار البيانات وتدبيج المراثي. والحل الناجع لمواجهة هذا الحدث الجلل يكمن في نظره في مواجهة العدو علانية، والتصميم على تحديه على رؤوس الأشهاد، دون خوف أو وجل، تحقيقاً للثأر وانتصاراً للحق، في صورة جهادية قلَّ نظيرها.  

وتلتقي معاني أبيات الكِزَّه والمهشهش في هذه الرؤية مع أبيات أخرى مجهولة القائل، لتوضِّح على صعيد آخر التماثل الإيجابي في مستوى ارتفاع الروح المعنوية لكافة المجاهدين، باختلاف مواقعهم ومهامهم وحجم مسؤولياتهم الجهادية، ما يعبِّر بوضوح عن صدق مشاعرهم وأحاسيسهم، وتوحُّد إرادتهم وصلابة مواقفهم، وتصميمهم على دخول معركة الكرامة والإنتصار للشهداء الأبرار، وعلى رأسهم شيخ المجاهدين عمر المختار.  

نَلْقَانَّه عزا سِيد قاصِر القَيْن           وْقادِح العين                نهار شَرّ مِن سِيدي حْسين

يْتمُّوا على المعركه نازْلِين             قبَالَه اصدار                اَزْوار مِ الخيل، تَتْبَع اَزْوار

ما تْبان لَه سَمِسْ مِ الدّخاخِين        مْفَيت كَبِرْ نار              والضَّربْ فيه دَكّ، ماوْ بِالْعيار

 

نَلْقَانَّه عزا الشَّيخ مِير الجهاد       وْعِزّ البْلاد                  جْيُوش رَيمْهِن كيف رَيم الجّراد

يْلِزَّنْ جْيُوش الْعَدُو مِ الِبْلاد          ويْفكَّنْ الثار                ويْهدَّنْ كما هَدّ مَوْج الَبْحار

نين قوة الطّليان تبقىَ رماد         ويْرِيحُوا دمَار                أولادْ طالْيا، كْبَارْهِمْ والصّغار.

 

عَزاه يوم شايْطه فيه نار           عمر المختار                 الفارِس اللّي كان رَيِّسْ أدْوار.

 

*  عن (ديوان الشعر الشعبي) المجلد الثاني. إعداد الدكتور علي سليمان الساحلي وسالم حسين الكبتي. منشورات جامعة قاريونس. بنغازي. الطبعة الأولى 1993م.

[1]  هو حَمَد (باشا) محمود محمد الباسل، من زعماء الحركة الوطنية ضد الاحتلال الإنجليزي في مصر، يعود أصله إلى قبيلة الرماح الليبية المعروفة، وُلِدَ سنة 1871م. وتوفي بالقاهرة يوم الجمعة 9 فبراير 1940م. ودُفن بالفيوم حيث تقيم أسرته. له مواقف وأعمال مشهورة، وقد كان من ضمن قادة ثورة سنة 1919م. وقُدِّم للمحاكمة مرّات عديدة صدر في إحداها ضده حكم بالإعدام من الإنجليز مع سعد زغلول ثم خُفض الحكم ونُفىَ مع سعد إلى مالطا. ويُذكر أنه عندما نُفِّذ حكم الإعدام في عمر المختار في 16 سبتمبر 1931م. حاول إقامة حفل تأبين ضخم على نفقته الخاصة في الفيوم دعا إليه العديد من الشخصيات السياسية والأدبية في العالم العربي، ولكن تأثير الإنجليز والطليان في ذلك الوقت حال دون ذلك. ويبدو أن هذا الأمر حمله على أن يقول بيتاً من الشعر –على الرغم من أنه ليس شاعراً- أرسله إلى الشعراء الليبيين في المهجر لكي ينسجوا على منواله، وهو:

 (عزاه يوم شايطه فيه نار       عمر المختار         الفارس اللّي كان ريّس أدوار). 

[2]  هو عبد السلام عبد القادر الكزّه، أحد أعلام الجهاد المشهورين. شارك في العديد من المعارك التي دارت حول بنغازي وسلوق والابيار ضد العدو الإيطالي، وأبلى بلاءً حسناً فيهاجميعاً. له شعر مشهور ومساجلات مع بعض الشعراء قبل هجرته وأثناءها، ومن ضمن شعره قصيدته التي رثى فيها ناقته في طريق هجرته إلى مصر مفضِّلاً الموت على البقاء تحت حكم المستعمر الإيطالي، ومطلعها:

(ها المِيتَه يا أم الحنّان       في ها المكان        وْلا سمِينه تحت الطليان).

وقد مدحه عدد كبير من الشعراء المعاصرين له مشيدين بشهامته وشجاعته. هاجر إلى مصر وأقام في المنيا التي توفي ودُفن بها سنة 1940م. 

[3]  هو الفضيل موسى المهشهش، من عائلة المبروك، قبيلة المهاشيش. ولِد وعاش في اجدابيا، ويُعد من روؤساء دور المجاهدين في تلك المنطقة وما حولها إبان فترة الجهاد ضدّ الطليان، ويذكر الرواة أنه ليسر حالته كان ينفق من ماله الخاص على الدور. وهو شاعر مشهور له العديد من القصائد التي سارت بذكرها الركبان مثل مساهمته في قصيدتي (عمري عليه الوطن ما ننهاكن) و (وأحوال حايله). انظر المجلد الأول من ديوان الشعر الشعبي.

هاجر إلى مصر وتوفي بالمنيا أواخر سنة 1939م. حيث دُفن عن عمر يقارب السبعين عاماً.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home