Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الاثنين 13 سبتبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الشكل السياسي... والعبث

(1 من 3)

السنوسي بَـلاَّلـَه 

مقدِّمة:

يشير المسار التاريخي لظهور الدولة الحديثة (بعد الإنتصار على الإقطاع) إلى أن أبرز سمات هذه الدولة هي مركزية القرار في عدد من المواضيع منها: الأمن القومي، الدفاع عن السيادة، احتكار السلاح، سَنّ القوانين المتعلِّقة بجملة أو بكل المسائل الداخلية والخارجية، وإلى غير ذلك من الأمور الهامة الأخرى. ولنا أن نسأل: أين جماهيرية القذافي من هذه الدولة الحديثة ؟ وإذا ما أخذنا موضوع الأمن القومي، على سبيل المثال فقط، لمعرفة موقف "الجماهيرية" منه، لاتضح لنا أن ما هو موجود في ليبيا هو اقطاعية سياسية، مرتبطة بالعقيد وعائلته، ليس إلاَّ، وإذا ما أوسعنا نطاق القول "الواقعي" لأتضح لنا أيضاً أنها ليست اقطاعية سياسية فقط، بل هي أيضاً قوة احتلال داخلي، لديها قوات ردع (مليشيات الأمن والإستخبارات واللجان الثورية)، تمارِس القمع المطلَق ضد المجتمع، بشراً وحجراً. أي أنها تتحكم في مصير "الدولة" بعامّة، لا بل وأن يصل بها الأمر إلى التلاعب باسم البلاد الذي عُرفت به عبر التاريخ، في محاولة يائسة لطمس هذا التاريخ، ولتسويق معنى أن التاريخ السياسي لهذه الدولة "ليبيا" لم يبدأ إلاَّ منذ الفاتح من شهر سبتمبر عام 1969م، تاريخ انقلاب القذافي العسكري. وهذا التلاعب المتعمَّد باسم البلاد وشكلها السياسي والعبث به، هو موضوع بحث هذه الورقة. 

الموضوع:

باستعراض مسار ومآل بعض جوانب السياسة في ليبيا خلال السنوات الماضية، يمكن لنا أن نلحظ بوضوح مدى عمق مخلّّفات العبَث وانعكاساتها على الدولة بصفة عامة. ولو حددنا لهذا الاستعراض أو الجرد جانباً واحداً، يتم اختياره كنموذج للتخبط الذي يعترى مسار السلطة الليبية منذ الأول من شهر سبتمبر عام 1969م. لأدركنا بالفعل مدى خبط العشواء الذي يتقمّص تلك السلطة في مختلف تحركاتها ومواقفها منذ ذلك التاريخ إلى الآن.   

ونخصُ بالاستعراض والتعليق هنا ما يتعلّق بتحديد هوية الدولة والشكل السياسي لها، فنقول بداية أن الدستور هو الذي يحدد شكل الدولة ومؤسساتها، ومن ثم فإن جميع أنشطة الدولة وتحركاتها الأخرى بما فيها، مثلاً، تحديد الهوية والخطاب السياسي والعلاقات الدولية، وغير ذلك من أمور الدولة، يندرج تحت بند تلك الوثيقة القانونية الأساسية والأولى (الدستور) ... فما هو حصاد كل السنوات الماضية على صعيد الهوية السياسية، وبالذات الشكل السياسي للدولة في ليبيا ؟ 

لعله من الأجدر في هذا السياق وقبل الوصول إلى معرفة حصاد السلطة على صعيد ممارستها لتحديد هويتها أو شكلها السياسي، أن نستعرض بايجاز شديد ما تم في هذا السبيل منذ 1 سبتمبر 1969م. وأن نقفز فوق بعض السنين والأحداث مراعاة منا لجانب الحيِّز المتاح لهذه المقالة.   

كانت نهاية شهر أغسطس من عام 1969م. هي نهاية العهد الملكي في ليبيا، وكانت بداية شهر سبتمبر من نفس العام هي بداية العهد الجمهوري، الذي كان نتاجاً لإنقلاب عسكري قام به صغار ضباط الجيش الليبي. وقد حدد الانقلابيون الشكل الرسمي الجديد للدولة من خلال بيانهم الأول الذي ذكر أن ليبيا سوف تصبح منذ إذاعة هذا البيان (الجمهورية العربية الليبية).  وعليه فقد تم إلغاء دستور البلاد (الملكي) على أن يترقّب الجمهور صدور دستور جمهوري جديد يُفَصِّل شكل وتركيبة الدولة.   

وبعد انتظار لم يدم طويلاً صدر في 11 ديسمبر 1969م. ماعُرِف آنذاك (بالإعلان الدستوري) الذي اعتبره الشعب مقدمة ومدخلاً مقبولاً للدستور، في حين أن السلطة كانت تعتبره بديلاً دائماً لدستور لم تكن تنوي طرح مشروعه أصلاً، ناهيك عن إصداره أو إقراره رسمياً. وقد نصت المادة (37) على أن "يبقى هذا الإعلان الدستوري نافذ المفعول حتى يتم إصدار الدستور الدائم، ولا يُعدَّل إلاَّ بإعلان آخر من مجلس قيادة الثورة إذا رأى ذلك ضرورياً وفق مصلحة الثورة". ومن هنا فقد ظلت قضايا وأمور كثيرة جداً، ومتشابكة إلى حدٍ مزعج، معلَّقة بحبال الوهم التي غلَّف بها الانقلابيون أمل الشعب في صدور الدستور الدائم للبلاد. ولعلَّ أهم تلك الأمور وأكثرها حساسية هي موضوع القانون والقضاء بابعادها المختلفة.  

ومن هنا، أيضاً، أصبحت البلاد تُدار بواسطة قرارات ما عُرف (بمجلس قيادة الثورة) عوضاً عن نصوص ومواد الدستور الذي كان مأمولاً. ومن البديهي إذا عُدنا للتذكير بأن الهوية السياسية للدولة، حتى هذا الوقت الذي نستعرض أحداثه لم تُحدَّد رسمياً بعد – أعني من خلال دستور – حيث ما زال شكل الدولة هو الشكل الجمهوري الهلامي، غير محدَّد المعالم، وفقاً لما جاء بالبيان الأول للإنقلاب، الذي لم يكن الإعلان الدستوري أكثر فصاحةً منه في هذا الخصوص.  

وحتى ذلك التحديد أو البند المائع الذي أُريد له أن يسد خانة التعاطف الشعبي حينها (1 يناير 1977م)، من خلال الإعلان عن أن (القرآن الكريم هو شريعة المجتمع الليبي)، نجد أنه لم يستوعب وظيفته أو ما حُدد من أجله واقعياً، حيث ظل شعاراً باهتاً، لا يُسمن ولا يغُني من جوع، حيث كانت السلطة بكل المعايير بعيدة عن أن يكون القرآن شريعتها ناهيك عن أن يكون دستورها، حيث إن حديثها عنه أصلاً، أو توظيفها له، اعتُبر في واقعه توظيفاً قاصراً وخائباً، فلا السلطة أعلنت أن نظامها إسلامياً بالكامل، ولا هي أعلنت أنها علمانية بالكامل. فقد اتضح أن المسألة هي فقط لعب على حبل العموميات والطروحات الغائمة أو المبهَمة التي قد تستعصي على البعض مغامرة المزاودة عليها، مما يكسبها بالتالي شيئاً من الغموض الذي يمكن تفسيره بأشكال عدة، تنال السلطة فيه غالباً جانب حظوة ذوي النوايا الطيبة (من الناس والحكومات) وبخاصة على الصعيد الإسلامي، محلياً وإقليمياً وعالمياً. 

ظلت الأمور على ما هي عليه، وتُعالَج بالكيفية المشار إليها أي بواسطة وصْفات مجلس (حكماء) الإنقلاب الذي تخصَّصَ في معالجة الحالات الطارئة والمستعصية التي أفرزها إلغاء الدستور وغياب القانون، وما استتبع ذلك من تناقضات ومفارقات تدعو إلى الخجل في كثير من جوانبها، على جميع أصعدة تحرك ونشاط الدولة، والتي تَنُم في أبسط صورها عن

الجهل والتخلّف الذي طبع الدولة بطابع المكابرة الزائفة المبنية على القصور وعدم تحمل المسؤولية. ولعل أطرف ما يُذكر على هامش هذا المعنى أنه على الرغم من توالي وتكاثر القرارات الصادرة عن ذلك المجلس (مجلس حكماء الإنقلاب) إلاَّ أنه لم يحدث إطلاقاً أن تم إلغاء أي قرار من تلك القرارات لعدم صوابية صدوره مثلاً، أو لعدم قدرته على معالجة ما أُقِر من أجله، بل كان التعامل مع التالف من هذه القرارات يتم من خلال تجاهله وتجاوزه وإقرار البديل الذي قد لا يكون أحياناً أصلح من سابقه في معالجة الأمر الذي صدر لإجله. وللمرء أن يتخيل انعكاسات وسلبيات هذه الوضعية على الإنسان (المواطن) المتواجد داخل إطار الدولة، وسط هذا الكم الهائل من (المهملات القانونية)، وعلى غيرهِ مِن غيرِ المواطنين، ممن يربطهم بهذه الدولة أي وجه من أوجه التعامل أو الإتصال. ناهيك بالطبع عما أصاب دول العالم الأخرى من ارتباك إداري ومراسمي واجرائي نتيجة تغيير السلطة لِعَلمِ أو رايةِ البلاد مرتين، وتغيير النشيد القومي كذلك، وهو الأمر الذي أحرج تلك الدول ووضعها في مآزق لا يمكن معالجتها بالسهولة المتصوَّرة. ومن مظاهر هذه الطُرف أو النوادر إذاعة إحدى الدول الشقيقة للنشيد الوطني (الملكي) عند إستقبال مسؤوليها للعقيد القذافي بالمطار. والأخرى عدم معرفة لقب المخاطَبَة الخاص بشخص القذافي، الذي رفض مناداته بلقب الرئيس. ولعلَّ البعض ما زال يذكر مثل هذا الموقف خلال انعقاد مؤتمر القمة العربي بمدينة الرباط (ديسمبر عام 1969م.) حيث رفض أن يُنادى بلقب صاحب الفخامة، وقام بتمزيق ورمي بطاقة التعريف الخاصة به خلال ذلك المؤتمر إعتراضاً منه على لقب (رئيس الجمهورية العربية الليبية) الذي وُضِع فوق منضدته (بروتوكولياً). إضافة بالطبع إلى ما أصاب اجراءات تبادل مراسلات الدول والمنظمات المختلفة مع السلطة الليبية من إرباك وخلل عقب تغيير إسم الدولة لأكثر من مرتين. وما أصاب كثيراً من الدول العربية والأجنبية من حرج نتيجة تورط عدد من الديبلوماسيين الليبيين في عمليات ارهابية عديدة، وافتضاح هوياتهم الحقيقية وانكشاف اسرار حقائبهم الديبلوماسية في أكثر من مطار من مطارات العالم، حيث كانت تلك الحقائب قد استخدمت كوسائل مضمونة (نتيجة الحصانة) لنقل أدوات وخطط الإرهاب، وبخاصة إبان فترة الثمانينات وبروز ما أطلق عليه القذافي (برنامج التصفيات الجسدية في حق أعداء الثورة) وانتشار مفارز اللجان الثورية هنا وهناك بحثاً عن المعارضين الوطنيين، وتنفيذ حكم (قائد الثورة) فيهم !! 

ولعل أشهر تلك الممارسات (الديبلوماسية) الأرهابية، هي إطلاق النار من مبنى السفارة الليبية في لندن (17 أبريل 1984م.)، على المتظاهرين الليبيين، ومقتل الشرطية البريطانية (ايفون فلتشر) وجرح وإصابة العديد من المتظاهرين. ثم إتهام السلطات الليبية بتفجير طائرة (بان آم) فوق منطقة لوكربي باسكوتلندا عام 19888م. وطائرة (يو تي آ) فوق صحراء النيجر عام 1989م. ما أدى إلى وقوع مئات الضحايا في الحادثتين، وحصر الإتهام في هذه القضايا في أشخاص بعينهم  ومنهم بعض كبار المسؤولين والديبلوماسيين الليبيين المتنفّذين.   

وعودٌ على بدء فإننا نقول أن أغلب الممارسات السابقة للسلطة، وبخاصة في الفترة ما بين أعوام 19696م. إلى 1973م. تمت في إطار دولة الجمهورية ذات (الإعلان الدستوري). وعلى الرغم من ذلك فقد سارت وعُرفت دولياً بهذا الشكل أو المظهر الخارجي (الجمهوري)، وتمت إدارتها عبر أجهزة وقنوات (موضة) أواخر ذلك العصر (التقدمي/القومي) أي عبر ما عُرف بمؤسسات (الاتحاد الاشتراكي العربي) وتم التعامل معها على هذا الأساس وبهذا الشكل (المظهر) الخارجي المعلن.   

وعلى الرغم من صدور قرار (مجلس الثورة) بشأن النظام الأساسي للإتحاد الإشتراكي العربي في 11 يونيو 1971م. إلاَّ أن عدم نضج مفاهيمه على مستوى كافة شرائح الدولة حال دون أن تسير البلاد على هواه أو أن تصطبغ بصبغته، حيث وضح العجز التام عن تفعيل آلياته على كافة أصعدة التحرّك داخل الدولة.

 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home