Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الأحد 13 فبراير 2011

عن "مقدّمة" الكاتب العالمي غويتيسولو

إعداد : السنوسي بَـلاَّلـَه 

كنت منذ عقود مضت، وما زلت، أشعر بفخر واعتزاز لكل موقف يحتاج الإشادة والتثمين، يقوم به المثقف، أين ما كان، فالمثقف عندي دائماً هو مرآة مجتمعه وضمبر مواطنيه، وإن لم يكن ذلك كذلك فما هي ماهية المثقف (؟) 

وقد شدني منذ فترة ليست بالبعيدة الموقف المشرِّف الذي اتخذه الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو والذي تمثَّل في رفضه قبول جائزة العقيد القذافي التقديرية ... فقط لأنها، وباختصار، صادرة عن حاكم مستبد (دكتاتور)، رأى فيه غويتيسولو أنه أقل مكانة مِن أن يكافئ كاتب مبدع بقامته ومبادئه. وقد جاء هذا الموقف من منطلق ذاتي وواعز انساني تحكمه معايير سامية، تُختزَل عنده في (الإنسان) بقيمه ومثُله، وأهمها حريته. هذه الحرية التي اعتبرها غويتيسولو مفتقَدَة داخل ليبيا، وعليه فقد رفض جائزة حاكم ليبيا الذي ارتكبت يداه كافة المظالم التي يعاني منها الإنسان، محط اهتمام غويتسولو ومحور ابداعاته الأدبية التي قفزت به إلى العالمية وإلى مصاف الروّاد. 

لقد أوضح هذا الرفض المعلن للجائزة، الموقف الإنساني والأخلاقي الذي تبوأه غويتيسولو في نظر المثقفين بعامة والمظلومين بخاصة، هذا الموقف الذي لم يتم استيعابه، بكل أسف، من قِبل بعض المثقفين وأشباه المثقفين وكتبة السلطة والسلطان، لا بل إن بعضهم زيَّن للسلطة، على جهلها وفي ظل هباتها، موقفها القاصر والمتخلف والعاجز عن فهم الأمور ومعانيها، لا بل وحرّضها على المضي في طعن مَن رَفَضَ قبول عطاياها. 

وانطلاقاً من إدراك خطر ذيوع مثل هذه المفاهيم المغلوطة على نطاق "جماهيرية" القذافي تحديداً، والعمل على حصرها والحد من شيوعها، ومن خلال متابعتي لبعض مسارات هذه القضية، قضية الرفض، ومن خلال الإهتمام الإعلامي والثقافي الذي أحاط بها، فقد رأيت أن أضع القارىء الكريم أمام السياقات التي شكّلت الخلفية الحقيقية والإطار العام لهذا الموقف الذي أصبح في فترة ما قضية "أدبية وإنسانية" جذبت انتباه الناس إليها بشكل لافت. ومن هنا فقد حاولت رصد كم لا بأس به من صور هذا التناول والإهتمام العالمي، وسأترك للقارىء حرية التقويم الذي يراه بشأن إنصاف هذا الموقف الذي قامت عليه هذه القضية/الموقف.      

عن نفسه يقول غويتيسولو: "... أنا كاتب طوال حياتي، ولكن لا تعجبني حياتي ككاتب، وقد انتبهت إلى ذلك مبكراً وإلى ضرورة الفصل بين الكتابة وعملية الإنتاج وسوق الكتابة، بما يتطلبه ذلك من معاناة ومقاومة والدفاع عن الأدب أمام رقابات الدكتاتورية ...". 

يُذكر أن غويتيسولو من مواليد برشلونة باسبانيا عام 1931م. درس الحقوق لكنه لم يكمل دراسته، ترك عائلته عام 1956م. ليعيش في مهجر اختياري بباريس. وساند الكاتب حقوق الشعوب في المقاومة، وله مؤلفات عدة، لكنه اشتهر في العالم العربي بكتابه "إسبانيا في مواجهة التاريخ.. فك العقد"، ودافع فيه عن الثقافة العربية ودورها في التقريب التاريخي بين الشعوب والأمم. 

بعد مضي شهرين من تسلُّم الكاتب والمفكِّر الأسباني (والعالمي) خوان غويتيسولو، المقيم بمدينة مراكش المغربية، لجائزة "الدون كيخوته دي لامانتشا" عن مجمل أعماله، أُعلن في مدريد عن فوزه بجائزة أخرى تحمل اسم "كيخوته". وعبَّر  غويتيسولو عن سروره بهذه الجائزة، لأنها بحسب قوله: "بلا بروتوكولات وبلا لجنة تحكيم، مما يعني أنها غير خاضعة لمعايير السوق أو أي حسابات أخرى". !! ووصف رئيس جمعية الكتّاب الإسبان خوان مويا زميله الفائز بالجائزة خوان غويتيسولو في حفل التكريم بأنه "... ممن كرسوا حياتهم للدفاع ونشر قيم وقضايا عليا، وذهب بنفسه إلى مناطق الصراع في فلسطين والشيشان وسراييفو وغيرها، كما أنه حرص دائما على الدفاع عن دور المثقف وعن الكتابة الأدبية النوعية". وتحدث أندريس سوريل رئيس تحرير مجلة (جمهورية الآداب) التي تصدرها الجمعية وسبق لها أن خصصت عدداً ممتازاً عن غويتيسولو، فقال "... إن خوان لا يبحث عن الجوائز وليس ممن يسيرون خلفها وإنما يسير وراء أسئلته وقناعاته ومبادئه، ومن أجل أن يبقى الأدب وممارسة الأدب حيين دائماً". 

وأيده غويتيسولو نفسه في ذلك، حيث سبق له أن رفض تسلُّم جائزة القذافي العالمية كما أشرنا، وبمنتهى التواضع قال: "أنا بالفعل لا أفكر بالجوائز، وأحياناً أفكِّر بأنهم يمنحونها لي لكبر سني، إنه نوع من الخشية من فقدان الآخر والسعي لتكريمه قبل هذا الفقدان". (!!) 

وقد رفض الروائي غويتسولو "جائزة القذافي العالمية للآداب" لأنها تحمل اسم الرئيس الليبي معمر القذافي، وأعلن في مقال اشبه ببيان بثته وسائل الإعلام حول العالم انه رفض الجائزة "... لأسباب سياسية وأخلاقية. وانسجاماً مع قناعاتي ومواقفي المناصِرة لقضايا العدل، قررت رفض جائزة القذافي العالمية للآداب .. بل اعتبر رفضها خطوة في اتجاه البحث الدائم عن التماهي مع مواقفي المناهِضة دوماً للأنظمة الإستبدادية وبرره بأن "المبلغ المالي للجائزة مقدَّم من الجماهيرية العربية الليبية التي استولى فيها القذافي على الحكم بانقلاب عسكري لأكثر من أربعين عاما". ورفض كل محاولات مقرِّر الجائزة (الأديب المصري) صلاح فضل لدفعه لقبولها، وقال له بلهجة حادة قاطعة ان لم نقل زاجرة "أرجوك تفهَّم الأسباب التي دفعتني لهذا الرفض انطلاقاً من احترامي الخاص للعرب وثقافتهم الرائعة ومن انتقادي الدائم للأنظمة والشخصيات الدكتاتورية التي تحكمهم". كما أرسل الى الكاتب الليبي ابراهيم الكوني رئيس لجنة تحكيم الجائزة المقيم في سويسرا "...ان الانسجام مع نفسي انتصَر بشكل كبير على كل اعتبارات الإمتنان والصداقة، فبعد مناقشة داخلية وجيزة بين الرفض والقبول اخترت الرفض فشعرت اني تحررت إلى درجة قصوى من ثقل أمضّني...". !!  

وعن هذه الجائزة أيضاً نورد هنا بعضاً مما كُتب بشأنها في (المجموعة اللبنانية للإعلام) وعبر موقع (صفحات سورية) – وعبر قناة المنار- وهو على النحو التالي: 

قصة هذه الجائزة بحسب رواية عضو في لجنة تحكيمها، فضَّل عدم ذكر اسمه، بدأت عام 2007م. بإعلان سليمان الغويل مدير مجلس الثقافة الليبي، عن مشروع إنشاء جائزة أدبية باسم "جائزة القذافي العالمية للأداب"، قيمتها ربع مليون دينار ليبي (200 ألف دولار أميركي) وتُمنَح سنوياً "للأدباء والعلماء الذين يسهمون بإبداعاتهم الأدبية وعطاءاتهم في الدفاع عن حقوق الانسان وحاجاته، وقضاياه العادلة وطموحاته ومعاناته، ويحترمون كرامته الأدبية وخصوصيته وهويته، على اختلاف شأنه ومكانه ولسانه ولونه وجنسه". 

وعقد اجتماع اللجنة الأول برئاسة فضل في مدينة طرابلس للتباحث حول قواعد الجائزة وشروطها وأيضاً الإسم المناسب لها خصوصاً انه توجد في ليبيا جائزة عالمية اخرى باسم القذافي تُمنح سنوياً في نفس الموعد وفي نفس المجال (حقوق الانسان). واقترح عدد من الأعضاء، أو قل أغلبهم، ان تحمل اسم "جائزة افريقيا للآداب العالمية" وحذّروا من ان حَملها لاسم العقيد القذافي ربما يمنع العديد من الكتاب المرموقين في العالم من عدم قبولها على الأقل لأسباب سياسية، لكن فضل رفض، وبرر رفضه لأعضاء اللجنة "الأجانب" بان حمل الجائزة لاسم القذافي سيُغري باقي الحكّام العرب بان يحذوا حذوه وينشئوا جوائز أدبية بأسمائهم تُثري الآداب العالمية وتدعِّمها. !! 

والطريف انه كان تقرّر في هذا الاجتماع عقد اجتماعين فقط كل عام للجنة تحكيم الجائزة في العاصمة الليبية طرابلس، واحد لاختيار قائمة المرشَّحين، والثاني لاختيار الاسم الفائز، على ان تُعلَن الجائزة في الأول من سبتمبر الموافق ذكرى قيام (ثورة الفاتح الليبية)، غير ان فضل زاد الاجتماعات إلى أربعة كل عام، وقرر ان يَعقد اثنين في اوروبا: واحداً في لندن والآخر في باريس، واثنين في القاهرة وبيروت، قبل اجتماع اعلان الجائزة في طرابلس. وبالفعل عُقدت الاجتماعات الأربعة في لندن وباريس والقاهرة وبيروت، واُختير الفائز وكان مقرراً إعلانه في احتفال كبير في الأول من سبتمبر 2009م. لكن رفض «خوان غويتسولو» المباغت أوقف كل شيء ووضع الجائزة الوليدة في مهب الريح

وفي دورتها الأولى التي كان مقرراً اعلانها في الأول من شهر سبتمبر 2010م. الموافق للذكرى الاربعين لقيام (ثورة الفاتح الليبية) اُختير الروائي الليبي ابراهيم الكوني المقيم في سويسرا رئيساً للجنة تحكيمها، والناقد المصري صلاح فضل مقرراً ورئيساً فعلياً، وهو تقليد متبع في الانشطة الثقافية والاعلامية وحتى الصناعية في ليبيا، حيث يُعيَّن رئيس أو مدير وطني كواجهة لأي نشاط أو مؤسسة، ويقوم بالإدارة الفعلية واحد من العرب أو الأجانب المقيمين في ليبيا أو المتعاونين معها، وبناءً عليه قام فضل باختيار باقي أعضاء لجنة تحكيم الجائزة من نقّاد أكاديميين يعملون في جامعات أوروبية وأميركية واسترالية، وأضاف لهم ابراهيم الكوني الناقد والمترجِم الأميركي (أليوت كولا)، مترجِم روايته (المجوس) إلى اللغة الإنكليزية. !! 

غير أن الفائز الأول الكاتب الاسباني خوان غويتسولو رفضها، وأرسل رفْضَه مكتوباً لرئيس لجنة التحكيم الروائي الليبي ابراهيم الكوني ونشره على العالم اجمع عبر الصحف ووسائل الاعلام، وبالطبع ارتبكت الجائزة وتأجل موعد إعلانها إن لم نقل أُلغي نهائياً، وسارع ابراهيم الكوني بإعلان براءته منها وإن كان في بيان مقتضب مرعوب لم يجرؤ إعلان اسمها "اؤكد نفيي القاطع ترؤسي لجائزة ليبية رفضها الكاتب الأسباني خوان غويتيسولو". ... هكذا تبرأ الكوني من الجائزة والأدق مِن رفضها، وربما من باب الرعب ايضاً تبرأ من الكاتب الاسباني نفسه، وحتى مقدمة خوان غويتيسولو للترجمة الاسبانية لرواية الكوني الشهيرة (التبر) زعم انها ليست مقدمة بل مقالاً نُشر مع الرواية دون الرجوع إليه، بل رغماً عنه، فهو عادةً يرفض تقديم أعماله ويرى "ان خير تقديم للأدب هو الأدب نفسه". !!! 

كما سارع مقرِّر الجائزة ومبتكر اسمها وأيضاً ازمتها الناقد المصري صلاح فضل بنفي فوز أو حتى ترشيح خوان غويتسولو لها، واعتبر مراسلاته معه وحثَّه على قبولها مجرد مداولات لا تعني انه هو المرشَّح الوحيد، وكذلك نفى د. محمد حضيري أمين عام الجائزة، الذي شنَّ هجوماً عنيفاً على الكاتب الاسباني، وصل إلى حد المطالبه بإبعاده من زمرة الأدباء، وقال في رسالة وجهها له ولغيره "ممن تسوّل لهم أنفسهم رفض جائزة القذافي، ان مَنْ يرفض الجائزة التي تُمنح من اموال الشعب الليبي، الذي يحكم نفسه بنفسه منذ قيام الثورة الشعبية التي خطط لها وقادها معمر القذافي وفجرها في الفاتح من سبتمبر سنة 1969م. (!!) فعليه البحث لنفسه عن مكان خارج موكب الادباء الذين سخّروا أقلامهم لمناصرة الحرية والدفاع عنها في أي مكان في العالم". (!!!) 

وفي النهاية لم تُعلَن الجائزة في موعدها المقرَّر في الأول من سبتمبر الماضي الموافق للذكرى الاربعين لثورة سبتمبر الليبية، وتوقّع الكثيرون من متابعيها الغائها نهائياً بعد قنبلة خوان غويتيسولو، غير انها وجدت أخيراً منقذها في اسم د. جابر عصفور الذي قبلها على الفور. !! 

ودعا غويتيسولو إبراهيم الكوني، رئيس لجنة التحكيم، إلى تفهّم دوافع قرار رفْضِه لهذه الجائزة، مشيراً في هذا السياق إلى أنه ليس شخصاً ينساق مع القضايا دون قيود أو شروط. وأوضح غويتيسولو، الوجه المألوف لدى ساكنة الأحياء الشعبية بمراكش، أنه يحترم ثقافات الشعوب العربية، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في انتقاد الأنظمة السلطوية، سواء كانت دينية أو جمهوريات وراثية، التي تحكم شعوبها وتبقيهم في الفقر والجهل. !! 

وألمح غويتيسولو إلى أن رفضه لهذه الجائزة، التي يمولها نظام مثل نظام القذافي، هي بمثابة خطوة في اتجاه البحث الدائم عن التماهي مع مواقفه المناهضة للأنظمة الاستبدادية، وقال في هذا السياق موجهاً خطابه إلى رئيس لجنة التحكيم: "إن الانسجام مع نفسي قد انتصر بشكل كبير على كل اعتبارات الامتنان والصداقة نحو أشخاص يتسمون باستقامة بالغة كتلك التي تطبعك وتطبع بقية أعضاء لجنة التحكيم". ولم يفت خوان غويتيسولو أن يشير في رسالته إلى أنه ليس من الكتاب أو الروائيين الذين يجرون خلف الجوائز، مبرزاً في الوقت نفسه أنه كثيراً ما قبِل استلام بعض الجوائز تحت عامل التأدب مع الجهة المانحة لها وليس بدافع آخر. لكنّه استدرك أنّه هنا أمام حالة لا تترك الخيار. "... أن أقبل جائزة يمنحها القذافي، فإنّ الأمر مستحيل تماماً"، ختم غويتيسولو. 

وبشأن الجائزة أيضاً جاء بموقع صحيفة (الأمة العراقية) عبر شبكة الإنترنيت ما يلي: "...وفي رسالة أخرى، تمنّى الروائي الإسباني الذي اشتهر بمقاومة الـ (فرانكويّة)، على الناقد المصري صلاح فضل عضو لجنة التحكيم "تفهّم الدوافع التي أملت اتخاذ هذا القرار". إذ كتب يقول: "لست شخصاً ينساق وراء القضايا بطريقة هوجاء. لكنّني في إطار احترامي الخاص للشعوب العربية وثقافتها الرائعة، انتقدتُ دائماً، وكلَّما استطعت، الأنظمة الخاضعة لحكم السلالات التي تستبدّ بشعوبها، وتبقيها في الفقر والجهل. (...) لقد حررت هذه الرسالة دون توقف فشعرت بنفسي وقد تحررت إلى درجة قصوى من ثقلٍ مضن...". 

وكان أحد المهتمين بالأدب (مراد زروق) قد أشار إلى (واقعة الجائزة التي لم تُقبَل) عبر أحد مواقع شبكة الإنترنيت  قائلاً: "... عادة ما يغطّ عالم الثقافة شهر أغسطس في سبات عميق، تكسر رتابته بعض الأنشطة المتناثرة هنا وهناك ليكون الحدث البارز في هذا المجال مهرجاناً صيفياً أو معرضاً للكتاب اختار منظموه هذا الشهر الغريب الأطوار، أو جولة غامرت فرقة مسرحية بالقيام بها في عز الإجازة الصيفية. إلاَّ أن الحدث الذي شغل عالم الثقافة هذا الشهر هو القنبلة التي فجّرها الكاتب والروائي الإسباني الشهير خوان غويتيسولو الذي رفض "جائزة القذافي العالمية للأدب" لأسباب أخلاقية وسياسية، حيث لم يكتف غويتيسولو برفض الجائزة، بل كتب رسالة في الموضوع نشرتها صحيفة (إل البايس) الإسبانية (10 أغسطس 2009م.)، فسّر فيها الدوافع التي جعلته يتخذ هذا القرار الذي يبين أن لهذا الأديب ضميراً حياً يمنعه من المتاجرة بمواقفه كما فعل عدد كبير من مرتزقي الثقافة الذين يعج بهم عالمنا في زمن الرداءة هذا الذي نعيشه. 

أول ملاحظة يقف عليها من قرأ الرسالة بالإسبانية هو العنوان الذي يبدو غريباً لأول وهلة، قبل أن يوضح نص الرسالة مدى دقته، رغم أن الكاتب ضحى هنا بالبُعد الجمالي. العنوان الذي يتصدر رسالة غويتيسولو بالإسبانية هو: "لماذا لم أستطع قبول جائزة ؟"، لكن وسائل الإعلام العربية المكتوبة، التي تناولت الموضوع، تداولت ترجمة غير دقيقة للعنوان: "لماذا رفضت الجائزة ؟"، وكما هو بيّن، فالفرق شاسع بين العنوان الأصلي والترجمة؛ لأن الكاتب عندما قال إنه لم يستطع قبول الجائزة فهو أراد أن يظهر للجميع أنه فكر في الأمر ملياً، وتردد وشعر بضيق كبير قبل أن يكتب رسالته -كما قال- دفعة واحدة، ليشعر في الأخير أنه تحرر من حمل ثقيل. ثم إن فِعْل "رفض" موجود في الإسبانية، وصاحبنا أديب كبير يلمّ بشوارد لغته، ومع ذلك لم يدرج هذا الفعل في العنوان. وهناك سبب آخر له علاقة بهذا الاختيار، وهو الاحترام الذي يكنّه خوان غويتسولو لأعضاء اللجنة التي اختارته ليتسلم الجائزة. 

كتب الروائي الإسباني في رسالته التي برّر بها موقفه أن الدولة التي تُسلِّم الجائزة قامت بعد انقلاب قاده القذافي عام 1969م. لكن الانقلاب ليس هو سبب رفض الكاتب للجائزة، فهو يعتبر الأنظمة العربية غير شرعية جملة وتفصيلاً، لذلك تكلم في رسالته عن أصل الإشكال عند العرب والمتمثِّل في رأيه في "فساد النخب الحاكمة والديكتاتوريات التي خلّدت نفسها في السلطة، والخديعة الإنتخابية التي تتكرر تقريباً في كل دول الجامعة العربية". 

يمكن أن نقول في هذا الباب إن الأنظمة العربية فقدت على الأقل معركة واحدة من تلك المعارك التي كانت تربحها بفضل أوراق الدولار الخضراء التي يسيل لها لعاب بعض السياسيين والمثقفين الغربيين الذين لهم ضميران، ضمير تمويهي في بلدان الصقيع يملي عليهم خطاباتهم المزركشة بالدفاع عن المبادئ والقيم الإنسانية المثالية، وضمير متعفن لا يمنعهم من وضع أنفسهم في خدمة أعتى ديكتاتوريات العالم من أجل حفنة من الدولارات. مع مرور الزمن يجب أن يقتنع القادة العرب أن صورتهم الشخصية وصورة أنظمتهم أصبحت قضية خاسرة لا يمكن الدفاع عنها لا في الداخل ولا في الخارج رغم كثرة أبواق الدعاية وإلزام الصحف باستعمال العبارات التبجيلية. ولا داعي لإنفاق المزيد من الأموال في سبيل تنظيف واجهة البيت قبل تنظيف البيت نفسه، وهذا ما تنبه له غويتيسولو الذي انتقد أيضاً زواج المصلحة القائم على الاستثمارات والمال والأعمال بين الدول الغربية ودول الخليج. وهذا إشكال آخر يجب الوقوف عليه، ذلك أنه باسم الواقعية السياسية يمكن لأغلب رؤساء الحكومات في الدول الغربية أن يصفوا أي دولة عربية تربطهم بها مصالح اقتصادية بالدولة الديمقراطية والمعتدلة والمحورية في الخليج أو في الشرق الأوسط أو المغرب العربي، ليعودوا بعقودٍ يزايدون بها على معارضيهم. إلا أن البغاء السياسي الذي يتعاطى معه بعض السياسيين في الدول الغربية لا يجب أن يُنسي القادة العرب حقيقة صورهم وصور أنظمتهم في مخيلة المواطن الأوروبي والأميركي، وهي صور لن تمحوها الابتسامات الصفراء ولا إنقاذ الشركات العالمية التي توجد على حافة الإفلاس ولا كل أنواع التودد والانبطاح. 

وفي آخر الرسالة ذكر الكاتب الإسباني الذي يعيش في مراكش منذ ربع قرن تقريباً مشهد الفراغ والعجز العربي خلال الحرب على غزة، وهو ما أثار استنكاره، وهذا أمر لا داعي للرجوع إليه لأنه قيل في الدول العربية خلال الحرب على غزة ما لم يقله مالك في الخمر. ومع الأسف، لم نسجل مثل هذه المواقف للغالبية الساحقة من المثقفين العرب الذين يهرولون لتسلم جوائزهم دون تحكيم المبادئ التي طالما تشدقوا بها في منتدياتهم وكتبوا عنها، وهم في ذلك ينسحب عليهم قول الفرزدق: ما قالَ (لا) قطُّ إلا في تشهُّدِهِ .. لولا التشهدُ كانت لاؤُه نَعَمُ". 

ونقلاً عن موقع (أمل الأمة) - الموقع الرسمي للإخوان المسلمين بالأسكندرية – يوم الأحد 23 أغسطس 2009م. وتحت عنوان (كاتب إسباني يرفض جائزة ليبية احتجاجاً علي ديكتاتورية القذافي) نقرأ ما يلي: "... كان الروائي صنع الله إبراهيم قد رفض جائزة الدولة للإبداع الروائي في موقف مماثل منذ سنوات قليلةحيث فاجأ لجنة التحكيم والجمهور خلال الاحتفال الذي أقيم بدار الأوبرا، برفض استلام الجائزة من فاروق حسني وزير الثقافة المصري. وألقي (صنع الله) كلمة قصيرة من علي المسرح قال فيها للحاضرين: إنه يرفض استلام الجائزة احتجاجاً علي قمع الحريات وغياب الديمقراطية.  

كما أكد الأديب يوسف القعيد أن من حق القذافي عمل جائزة تمنح للأدباء ومن حق (خوان غويتيسولو) أن يرفض الجائزة وبدون إبداء سبب، وهو موقف يتفق مع ما يؤمن به من أسس ومبادئ، وهو أمر حدث من قبل عندما رفض(جان بول سارتر) و (برنارد شو) جائزة "نوبل". ويرى القعيد "... أن موقف غويتيسولو برفض الجائزة هو أمر يُحرِج ويعرّي الأمة العربية بأكملها ...".  

كما أبديحافظ أبو سعدة (الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان) سعادته بغويتيسولو لرفضه الجائزة لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية. وأضاف سعدة "... ما فعله غويتيسولو يعتبر شكلاً من أشكال الإحتجاج وله أثر كبير علي المستوي السياسي والوعي العام، مثل طرح قضية احترام شعور الإنسان، وأن تراعي الأنظمة التي ترغب في تلميعنفسها مثل ذلك...". وأشار سعدة "... إلي أن ما حدث يُعدُّ مؤشراً للمثقفين والمجتمعات، وله أثر مهم، وضرب مثل بإدانة المثقفين في هوليوود للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، مما أثّر على شعبيته وأدّي إلي ظهور أفكار مناهضة لسياسته...". 

وتحت عنوان (غويتيسولو وأخلاق المثقف) كتب (الياس خوري) -  (ملحق النهار 30 آب 2009م. – قائلاً: "كسر غويتيسولو حاجز الصمت الذي يحجب حقيقة بعض الجوائز الأدبية. فخلف حجاب لجان تحكيم تتمتع بالصدقية والقيمة الثقافية، تأتي بعض الجوائز كي تغطي انتهاك القيم بمبلغ مالي كبير يُدفع الى احد أعلام الثقافة العربية أو العالمية. (...) كشفُ الحقيقة والإنحياز إلى المضطهَدين يحتاج إلى شجاعة ساراماغو ونبل غويتيسولو. كما ان ادانة الاحتلال الاسرائيلي ودعم الفلسطينيين كانا في حاجة الى جذرية جان جينيه وليس إلى تردد جان بول سارتر. أما رفض جائزة عربية، من كاتب اختار ان يعيش في مراكش، الى جوار جامع الفنا، فيحتاج الى موقف اخلاقي. غويتيسولو الذي اختار العالمين العربي والاسلامي كي يعلن انشقاقه عن الثقافة الأوروبية، يرفض جائزة عربية، ويقدم إلى المثقفين العرب، وخصوصاً إلى أعضاء لجنة تحكيم جائزة القذافي درساً في أصالة المثقف

(...) فالرجل الذي قاوم الفرنكوية، ولم يتسع له الحزب الشيوعي الاسباني، ولم يستطع ان يخفي نقده للتجربة الكوبية، لا يحب ان يصنَّف، او ان يدّعي انتماءً قومياً. انه من سلالة الهامشيين التي تصنع لنفسها وطناً من كلمات. ليس فقط أهم كاتب اسباني حي، بل قد يكون اهم كاتب عربي حي، على رغم انه لم يكتب كلمة واحدة باللغة العربية. 

ونختم (مقدّمة غويتيسولو) بهذه الحوصلة الأدبية التي نسجها الكاتب (عباس بيضون) – بجريدة السفير 3 أيلول 2009م.) تحت عنوان (اعتـذار غويتسولو) حيث قال: "حين قامت الضجة حول ترؤس المندوبة الليبية للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ردت الجماهيرية بإعلان جائزة القذافي لحقوق الإنسان، واليوم هناك جائزة القذافي العالمية للآداب، كان من اوائل تباشيرها رفض ابراهيم الكوني، الروائي الليبي، ترؤس لجنتها ببيان خجول قال فيه إنه اعتذر عن ترؤس لجنة عربية لجائزة أدبية لأن ليس من عادته أن يدخل في عداد لجان كهذه. اعتذار مهذب ولا نريد ان نذهب في تفسيره الى أبعد، فكفى الكاتب إحراجاً. لا نذهب الى أبعد لكننا نقدر نزاهة الكاتب واستقلاله وترفعه، فمن هو في مكانه لا يستسهل ان يتخذ قراراً كهذا (...) لا نستطيع ان نقول الشيء ذاته عن صلاح فضل الذي يبدو وكأنه متعهد الموضوع او عرّابه. سرعان ما بدا كذلك بعد ان اعتذر الكوني واعتذر - كما سنرى - غويتسولو. بدأت المسألة هكذا باعتذارين. أحدهما حيي لكن حياءه لا يُضعف من دلالته أما الثاني فصريح. 

لكن هذا يجعلنا امام روايتين، أولاهما فورية وثانيتهما منقحة. الأولى تقول إن الكوني اعتذر وغويتسولو اعتذر ايضاً حين اتصل به صلاح فضل (الاسم الوحيد المتواتر في المشروع) وعرض عليه الفوز بجائزة القذافي للآداب، لكن غويتسولو أجاب بأن حبه للعرب ودفاعه عنهم صريحان معلنان، انحيازه للفلسطينيين في صراعهم معروف، انه التزام بالحرية والعدالة لا يخفيه، لكنه للسبب نفسه يرفض جائزة القذافي، لقد أيد العرب والفلسطينيين تأييداً لا يزجيه لديكتاتوريهم ومستبديهم. تقول الرواية إن نقاشاً جرى حول اسم الجائزة وتوصية الى تغييره الى الجائزة العالمية للآداب، لكن صلاح فضل رفضها محتجاً بأن بقاء اسم القذافي في الجائزة سيشجع غيره من القادة على تبني جوائز مماثلة فيستفيد الأدب من ذلك ويستفيد الأدباء. !! 

تلك هي الرواية الأولى التي تبعتها رواية منقحة صاحبها هذه المرة هو صلاح فضل نفسه. تقول الرواية إن صلاح فضل لم يعرض على غويتسولو الفوز بالجائزة ولكن الترشيح لها وإنه اتصل به للحصول على البيانات الضرورية لترشيح كهذا. لا نفهم من صلاح فضل جليّة اعتذار الكوني، لكننا من الاسم الذي ذكره للجائزة نعرف انها الآن الجائزة العالمية للآداب وليست بعد جائزة القذافي العالمية للآداب. جرى إذن تعديل في اسم الجائزة. لا بد ان جواب غويتسولو أثمر. يعرفون الآن ان ما من كاتب يحترم نفسه يرضى بجائزة تحمل اسم القذافي ومبدئياً تحمل اسم أي رئيس. ما بالك مثلا بجائزة تحمل اسم بوش او بن علي او علي عبد الله صالح او... او... اما اذا كان الرئيس هو القذافي فإن السجون والاغتيالات ولوكربي والكتاب الاخضر والنهر الصناعي الكبير وحرب تشاد ودعم الجيش الجمهوري الإيرلندي وتنظيمات أخرى، إضافة الى صفة القائد. هذه جميعها لا تجعل كاتباً صحيح الضمير يرضى بجائزة تحمل اسم القذافي من دون حرج او سؤال. 

(...) إن تصحير مجتمع وثقافة وحياة، يتم بقدر كبير من الاحتفالية والتهريج والإنفاق الاسطوري، والمظاهر الامبراطورية والجوائز العالمية ايضاً. إنه سيرك كبير وقد لا ينتج تاريخنا الحالي، من هذه الناحية، سوى القرود.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home