Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

الجمعة 7 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

قراءة في كتاب : السنوسية

تأليف مفتاح السيَّد الشِّريف

( 2 من 2 )

السنوسي بَـلاَّلـَه

تحت عنوان (السنوسية كمكوِّن أساسي للحركة الوطنية الحديثة) في مقدم الفصل الأول لكتاب (السنوسية) نلاحظ أن المؤلِّف قد عمد إلى القول بأن السنوسية نشأت كطريقة صوفية، ليدلف بعدها إلى خضم التصوف الإسلامي، وذلك برأيه، لسبرِ غور السنوسية، وتحديد قسماتها في مسيرة الحركة الوطنية. 

وقد قدَّم الكاتب بين ظهراني هذا الفصل عرضاً تاريخياً شيقاً ومركَّزاً وسلساً للصوفية والتصوف، صِيغ باسلوب أدبي جميل مختصر تضمَّن الإشارات إلى تاريخ طويل. كما أبان الكاتب في هذا الفصل بخاصّة، لا بل وفي الكتاب بعامَّة، عن إطلاع كثيف وقراءات غزيرة ومركَّزة لكتابات وومراجع قديمة وحديثة ومعاصرة تتعلَّق مضامينها بالسنوسية، من مختلف الأبعاد، وبشكل أو بآخر.  

وفي الفصل الثاني يتحدث الكاتب عن (عقيدة السنوسية كطريقة صوفية) ويقدّم في هذا الإطار تعريفاً مركّزاً لمعنى عبارة (الطرق الصوفية) يقول فيه: "كانت طرق التصوف منتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، من المغرب إلى الصين ، ومن جزر القمر حتى سوماطرة. وكلمة الطريقة عُني بها في القرنين التاسع والعاشر للميلاد النهج الباطني الذي يقود الفرد عملياً تلبية للنداء الصوفي، وبعد القرن الحادي عشر تطوَّر المفهوم ليشمل جميع المذاهب والرياضة الروحية التي وُضِعت لمختلف هذه المدارس في العالم الإسلامي. ومنذ نشأتها وانتشارها في القرنين التاسع والعاشر للميلاد، أخذت تتفاوت فيما بينها في القوة والسطوة ونطاق الإنتشار، كما أن رسالتها ومحتوى دعوتها كانت متباينة...".  

ويشير الكاتب في تعبير مختصر ومركَّز إلى أن صدام الطريقة السنوسية مع قوى الغزو الإستعماري أكسبها "... مضمون  وطابع حركة سياسية هدفت إلى التحرر الوطني في مسيرتها مع نشرها لرسالتها، ووجدت نفسها من أجل ذلك تتحدى القوى الأجنبية. وكان عليها أن تقاومها بالسلاح كلما اعترضت طريقها أو حاولت اغتصاب مصالحها الإقتصادية والتجارية، أو عرقلتها خلال امتدادها الجغرافي الواسع. وبذلك لا يتطرّق الشك كثيراً إلى صدق الرويات والتحليلات التي دونها عنها المؤرِّخون الأوروبيون. إذ ليس من مصلحة مخططات دولهم إظهار الإنصاف أو العطف على الحركة، والسبب الثاني أن أغلبهم كانوا شهود عيان لبزوغ ونمو السنوسية دعوة دينية وتنظيماً اجتماعياً ومؤسسة سياسية عايشوها، فرووا تجربتهم عنها بدقة كاملة، وإن كانوا يضمرون العداء لها...".  

يلفت الكاتب النظر إلى خلو أدبيات السنوسية من معاني ومضامين التصوف الفلسفي. ويرى أن همَّ قطبَي السنوسية (أي السنوسي الكبير وأحمد الشريف) كان "... التركيز على كسب المريدين والأتباع بحسب مستوى الفهم المتواضع السائد في البيئة المحلية شبه الأمية، وهذا يبرهن على البعدين الإجتماعي والسياسي في الدعوة السنوسية، أكثر من المقاصد الروحانية أو الفلسفية..". 

حاول الكاتب في الفصل الثالث، ومن خلال عرض تاريخي مركّز أو مختصر، أن يقوم باستعراض الظروف والمتغيِّرات والأحداث التي كانت (تتناوب العالم الإسلامي). وركّز على هذه المتغيرات وتأثيراتها المختلفة من خلال أوضاع مصر وتونس والجزائر والسودان وتأثير هذه الظروف أو الصراعات السياسية والأطماع الأوروبية عليها، ليعطي للقارىء نموذجاً للمعطيات (السياسية) التي كان الإمام السنوسي يتحرّك من خلالها، أو يتحرّك -كما قال- ضمن شروطها، وانعكاساتها على تلك الساحات. 

وعلى صعيد التنظيم، يقول الكاتب أن الزاوية كانت هي "... أُسّ التنظيم الذي ارتكزت عليه الطريقة الإخوانية. وهيكل هذا التنظيم بسيط يتلاءم مع الطبيعة البدوية التي نشأت فيها وحياة الرُّحل والرعاة في دواخل البلاد ونواحيها القبلية. وكانت (الزاوية) تُشيَّد في مركز الناحية أو وسط نجوع القبيلة، وتتكون من ثلاثة أقسام: المدرسة أين يقيم الإخوان بالتدريس وتلقين النشء، وبيت للضيافة مخصص للزوّار وأيضاً لعابري السبيل والمساكين، والذين يستطيعون الإقامة لمدة ثلاثة أيام كضيوف في الأكل والشرب (...) أما القسم الثالث فهو مقر إقامة الإخوان الذين يقودهم الشيخ أو المقدّم وهو إمام الجماعة، ثم الوكيل وهو المشرف والمسؤول الإداري للمنطقة، وفوق الجميع هناك طبعاً شيخ الطريقة (...) وإجمالاً للقول فإن هذه الزوايا انتشرت أينما حلَّ مؤسس الطريقة، ومن خلالها انتشرت الدعوة بشكل واسع...".  

ويستشهد المؤلِّف-في سياق التعريف بالزوايا وأهميتها- بما قاله عنها المؤرِّخ إيفانز بريتشارد الذي ذكر أنها "... كانت مدارس ومحطّات لخدمة القوافل، ومراكز تجارية، ومرافق اجتماعية وحصوناً، ومحاكم، ومصارف، ومخازن تموين، ودُور إيواء للفقراء، وملاجئ، وأماكن لدفن الموتى، بالإضافة إلى تلقّي التبريكات ودعوات المغفرة". (كما يصف المؤرِّخون الإيطاليون كيف أصبحت الزوايا بهذه الهياكل والمرافق والمنشآت المستقرة سلطة مستقلّة، وشيئاً فشيئاً تحولت إلى حكومة شكلاً ومضموناً، في تنظيم حيوي ومنضبط، يكتسب باستمرار جموع المنتسبين الأوفياء).  

ويصل بنا المؤلِّف بعد ذلك إلى النقطة الأهم في رأيه بشأن السنوسية وما يمكن اعتباره إيذاناً وإعلاناً عن قيام الدولة، وهو ما أشار إليه وأختتم به الفصل الثالث قائلاً: "... وما ان انتقل مؤسس الطريقة وناشر لوائها إلى جوار ربِّه عام 1859م. حتى غدت منظَّمة واسعة الأرجاء ثابتة الأركان، على أهبة الإستعداد لمواجهة قوى الإستعمار والتوسُّع الأوروبي الذي بدأ زحفه في اتجاه قلب القارة السوداء، مكوِّنة بذلك طليعة الكفاح الوطني الليبي".  

بعد ذلك ركَّز المؤلِّف حديثه عن حركات التنوير الحديث وتيارات التجديد الإسلامي، فتحدّث عن رواد هذا التيار أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمَّد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي. وحاول أن يوضِّح وضع الحركة السنوسية داخل منظومة تيارات السلفية والإصلاح. وليقول بأنه "... مع التسليم بأن التأثير السياسي لهذه التيارات على أجهزة الحكم كان قوياً إلاَّ أنها تبقى دائماً بناءً فوقياً رهناً لأهواء الحكام وابتزازهم، بعكس الحركات الإصلاحية التي اتخذت طابع التغيير الإجتماعي، وأثّرت في حياة الجموع الواسعة من السكان بوسائل أخرى (ماديّة)، وشيَّدت على الأرض بنيات للعمل الإجتماعي والإقتصادي، تحوَّلت إلى مواقع للنشاط السياسي والمقاوم عسكريّاً للتغلغل الإستعماري الأوروبي في موجاته العصرية، مقاتلة بالسلاح مثل الحركة السنوسية".  

أفرد المؤلِّف الفصل الخامس بأكمله للتعريف بالماسونية والحديث عنها في محاولة منه لإحاطة القارئ علماً -وعلى هامش موضوع الكتاب- بكلِّ ما يمور ويموج به النطاق الإقليمي بالذات في الفترة  أو المرحلة التاريخية المعنية بالدراسة. لا بل إن الكاتب قال إن قصده من هذا العرض هو "... وصف كيف تسللت (الماسونية) إلى حركة التجديد والإصلاح في المنطقة العربية مع تيّارات وموجات التحديث التي وفدت مع الغزو والإستعمار الغربي لها"، ويُستثنىَ منها بطبيعة الحال الواقع الليبي كوطن والسنوسية كحركة دينية وسياسية "وطنية".  

وفي إطار علاقة السنوسية والطرق الأخرى بتركيا (العثمانية) والقوى الغربية، حاول الكاتب النأي بالسنوسية عن كثير من الممارسات والطقوس التي تقوم بها بعض الطرق الأخرى، بعلم السلطة التركية (وبتغاضيها). وفي ذلك يقول أنه على الرغم من "... تتلمذ مؤسس السنوسية على أئمة بعض هذه الطرق إلاَّ أن تواجدها على أرض الواقع واحتكاكها بالمجتمع والعوامل والظروف المؤثّرة فيه، أظهر تبايناً واختلافاً عن السنوسية في توجُّهاتها ومناهجها، لا سيما إزاء القوى الأجنبية الدّخيلة. فبخلاف السنوسية، كانت أغلب هذه الطرق نوادي وحلقات ذكر وشعائر وطقوس شعوذة أكثر من أي شيء آخر. وقد استغلّتها قوى الغزو الإستعماري لتحقيق أغراضها، حتى أنها أنفقت عليها الأموال والهدايا وقرّبتها إليها (...) وفي هذا الصدد يستشهد المؤلِّف بقول الشيخ محمد رشيد رضا: (... استطاعت دولة فرنسا إفساد بأس جميع الطرائق المتصوّفة في إفريقيّة واستمالة شيوخها بالرشوة إلاَّ الطريقة السنوسية)...".  

في بداية الفصل السابع يشير الكاتب بإيجاز شديد إلى عهد السيَّد المهدي السنوسي، ثم يتحدّث باسهاب -تحت عنوان البدايات الأولى- عن الواقع الجغرافي والإجتماعي الأفريقي الموغل قدماً في تاريخ المنطقة، وما تميَّز به من علاقات بين قبائله المختلفة. ثم يشير الكاتب أيضاً إلى مسيرة التغلغل الأوروبي في أقاليم الجوار الجغرافي عبر رحلات المستكشفين والمغامرين الأوروبيين، ويحاول أن يربط بعض ملامح ذلك الواقع الأفريقي بقيام وتحرُّك الطريقة السنوسية فيما بعد. وقد تحدّث الكاتب في هذا السياق بالتحديد عن أقاليم: الواداي، والباجرمي، وكانم وبرنو، ثم احتلال كانم لفزّان. 

ويُورِد الكاتب عقب ذلك مباشرة جرداً سريعاً ومكثّفاً لعدد من رحلات الجغرافيين والمستكشفين الأوروبيين في الصحراء والسودان الغربي، (ولتاريخ رحلةِ كل بعثة وما جرى لأفرادها) بدءاً من حوالى عام 1789م. إلى عام 1885م. وبعد ذلك يقول الكاتب أن ما يهمّه في هذا البحث هو "... التركيز على الأقاليم السودانية جنوبي ليبيا، وهي (الواداي) و (كانم) و (بورنو)، لأنها ستكون مسرحاً للصراع الطويل بين شعوب تلك الأقاليم، تقودها حركات وطنية أبرزها السنوسية، وبين قوات الغزو الإستعماري الفرنسي...". 

وفي الفصل الثامن، وتحت عنوان ليبيا وتجارة الرقيق، يناقش الكاتب بعض العناوين الهامة مثل: الرقيق عبر القرون وفي نظر الأديان السماوية. وتطوّر عمليات إلغاء الرِّق. وقضية الرّق في ليبيا. وهجرة أولاد سليمان وتأثيرهم في حياة تشاد.

ويورد الكاتب في بداية هذا الفصل مقدّمة أو مدخلاً مركَّزاً وكثيف المعلومات حول الرقيق وتجارته عبر العصور والحضارات والقارّات، وبين مختلف الأمم وعند الأديان المختلفة. 

في الفصل الحادي عشر ناقش الكاتب: (بذور التكوينات الحزبية والثورية، ثم أول حزب سياسي سرّي في طرابلس. ثم ثورات غومه ثم ميلاد الحركة الليبرالية في تركيا). وفي بداية هذا الفصل يقول الكاتب أنه قدَّم في الفصلين الأولين عرضاً مختصراً "... لتوسّع النفوذ السنوسي في السودان الأوسط، ومقاومته الطويلة للغزو الفرنسي للإقليم، إلى أن استطاعت القوتان الفرنسية والإيطالية من الهيمنة عليه وعلى ليبيا وجوارها المغربي. ومما لا شكَّ فيه أن الكفاح المسلَّح الطويل الذي خاضته القبائل الليبية بقيادة السنوسية، على الرغم من أنه لم يحقق الإنتصار الدائم لها بسبب عدم التكافؤ في أدوات الصراع، إلاَّ أن هذا الكفاح أكسب القيادات الليبية الممثَّلة في الزعماء والشيوخ، تجربة ومراناً على فنون القتال والمناورة، سنجد أنها استفادت منهما في مواجهتها للغزو الإيطالي الذي اجتاح أراضيها، فأذاقت الغزاة معاناة وأهوالاً في حرب ضروس لم يكونوا يتوقَّعونها. 

ولقد كان حديثنا منصباً على تلمّس التكوينات الأولى لتبلور حركة وطنية تمثِّل السكان وتقودهم في معترك الصراعات الدولية التي أحاطت بالبلاد عشية إنهيار الإمبراطورية العثمانية، ونعني بها السنوسية التي بدأت كطريقة صوفيَّة متفتّحة، لتتحوّل بفعل الظروف وتطوّر علاقات القوى، إلى حركة وطنية جامعة انغمست في النشاط السياسي. وكان مجال هذا النشاط موجّهاً في الدواخل، ومنطلقاً منه إلى الجوار الأفريقي، لأن الإدارة العثمانية ركَّزت تواجدها في المدن على سواحل البلاد الليبية المترامية...".  

ويعود الكاتب لحوصلة مجريات معظم عناصر هذا الفصل (الحادي عشر) وليقول "... إن الفترة التي انبثق فيها هذا الحراك السياسي ذو التوجهات الإصلاحية (أوائل عام 1882م)، كانت متزامنة مع حركة اليقظة العربية في المشرق العربي (جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده 1882م. – 1885م.) وفي الجوار الليبي احتلت فرنسا تونس (1881م.) واحتلت بريطانيا مصر (1882م.) بينما كانت السنوسية تخوض الكفاح المسلَّح ضدّ التوغل الفرنسي في السودان الأوسط...".  

وأما في الفصل الثاني عشر فقد استعرض الكاتب -بصورة مكثّفة وسريعة- الأوضاع السياسية والتظيمية والإعلامية (الصحفية بخاصَّة) التي واكبت وأعقبت الحدث الهام الذي تمثَّل في أصدار مدحت باشا للدستور في أغسطس من عام 1908م. هذا الدستور الذي جاء في أواخر عهد السلطان عبد الحميد. وفي شهر أبريل من عام 1909م. أُطِيح – عبر انقلاب عسكري- بالسطان عبد الحميد، وأعتلى محمَّد الخامس العرش، ومن ثمَّ استولى حزب تركيا الفتاة (الإتحاد والتّرقّي) على السلطة بشكل نهائي. 

وفي الجزئية الخاصة بما أسماه الكاتب (الصراع الحزبي في بنغازي عشية الغزو الإيطالي) استشهد الكاتب بالتقرير الذي وضعته الإدارة العسكرية الإستعمارية الإيطالية غداة احتلالها للبلاد. ويكشف هذا التقرير لأول مرة عن حراك سياسي داخلي لم يتطرَّق إليه المؤرِّخون -بحسب قول المؤلِّف- وقد جاء هذا التقرير تحت عنوان: (حكومة برقة/المكتب السياسي العسكري/نقاط حول الظروف السياسية في برقة وقت سقوط النظام العثماني العتيق وتداعياته). واختتم الكاتب هذا الفصل -والكتاب أيضاً- بإشارة سريعة عن السنوسية -قبيل الإحتلال الإيطالي لليبيا- جاءت تحت عنوان: الرأي الإيطالي الرسمي في السنوسية)، واستند فيه إلى فقرات مقتطَفة من تقرير سرّي مطوَّل رصده وزير المستعمرات الإيطالي (مارتيني) تحت رقم 246 بتاريخ 12 يونيو 1915م. وجاء فيه: "... وإذا ما أخذنا السنوسية كمثال، فسنجد أن المحتوى السياسي يزكو على المحتوى الديني الصرف، وسواء حللناه مذهبياً أو لاهُوتياً ، فإن هذا المحتوى يغفل القاعدة المشترَكة للشطحات العدمية الإسلامية أو ما يسمى بالصوفية. وإذا ما طرحنا جانباً الطقوس والتصرّفات التقليدية الخاصّة، التي تُفرَض على الأتباع، ولتي لا تكتسي إلاَّ قيمة مظهرية ذات هدف انضباطي مميَّز، فإن هذه الفِرق لا تختلف في الأساس عن المضمون والشكل الخاص الذي تتسم به الإخوانيات المسيحية المختلفة. غير أن الطهرة الإسلامية الأصلية التي تدعو السنوسية إلى العودة إليها، لا تنطوي في واقع الأمر على أي نوع من العلاقات الدوغماتية (اللاهوتية المتشددة)، فما تعتنقه السنوسية من مُثل النقاء والتطلُّع إلى الإصلاح، والتعمّق في المبادئ السياسية والتشريعية لإسلام يرنو إلى عهد الرسول، وما ورثه عنه الخلفاء من سلطة مدنية، وما تتسم به تلك السلطة من شرعية للمؤسسة الساسية الدينية. إن هذا المحتوى السياسي الجوهري الغالب عند السنوسية، يفسِّر لماذا استشعرت في نفسها القوة الكامنة بضرورة خلق منظمتها الذاتية التي جعلتها تتجلّى في (دولة داخل دولة)، وذلك خلافاً لغيرها من إخوانيات إسلامية مماثلة، ما عدا الوهابية التي تتبع السنوسية في الواقع منها. إن هذا أشاع الإعتقاد أنه من العبث إمكان أو تصور فصل الزمني عن الروحي في بلد إسلامي، وفي حالة السنوسية بالذات فالأمر سيكون طوباوية ضارة...".  

وفي الختام يقول الكاتب إنه "... سيلي هذا الإصدار كتاب يصوّر بالوثائق الرسمية مرحلة الإستعمار الإيطالي لليبيا والمقاومة الوطنية المسلّحة ضدّه ابتداءً من غزوِه للبلاد سنة 1911م. إلى أن اندحر في الحرب العالمية الثانية. وثمة مرحلة الصراع الذي خاضته الحركة الوطنية الليبية، ممثَّلة في أحزابها وزعاماتها من أجل الإستقلال، والتي ستصدر قريباً في كتاب يتضمَّن وثائق وأحداث تُنشَر لأول مرة...".  

ولا يتبقى لنا في نهاية هذه القراءة (السريعة) لكتاب السنوسية لمولِّفه الأستاذ مفتاح السيَّد الشريف إلاَّ أن نقول إنه كتاب جدير بالقراءة والإهتمام، نعايش من خلاله ومن خلال ما سبقه، وما سيليه، من كتب وإصدارات لكثيرٍ من أبناء ليبيا، مرحلة توثيق الليبيين لتاريخ بلادهم. حيث إن توثيق تاريخ ليبيا بأقلام وأحاسيس ليبية يعني كتابة التاريخ الحقيقي لليبيا، وهي المهمة والمسؤولية الكبرى التي ينبغي للكتّاب والمثقَّفين -من أبناء الوطن- النهوض بها في هذا الوقت بالذّات، وأكثر من أي وقت مضى، في مواجهة محاولات الطمس والتزييف والإسقاط والتحريف الذي تمارسه السلطة الحاكمة. 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home