Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah
الكاتب الليبي السنوسي بلالة

السبت 6 مارس 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

الخطوط الحمراء... وأشياء أخرى

(2 من 2)

السنوسي بَـلاَّلـَه

(العقيد القذافي .. ما بين المطلب والشرط)

ماذا قدم سيف غير الوعود والأحلام وماذا أنجز من وعود وأحلام ؟ 

الواقع أن برنامج سيف (كما يُروَّج له) كان يتضمن تمرير مشروع دستور وإطلاق خطة تنموية اقتصادية بقيمة سبعين مليار دولار، وتحرير الصحافة من سيطرة الدولة وقيام مؤسسات مجتمع مدني قوي، وهو ما جعل كثيراً من المقربين من سيف يقولون نحن الآن في مرحلة تحول تاريخي بمعنى الإنتقال "من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة". إضافة بالطبع إلى تلاعب سيف ذاته بكثير من المفردات السياسية البرّاقة مثل [الدستور والديموقراطية والإنتخابات وحقوق الإنسان والإقتصاد المزدهر] وهي الألفاظ والمعاني التي ما فتئ سيف على تكرار مسمياتها خلال مقابلاته الصحفية في أمريكا بخاصَّة. لا بل إن إهتمام أجهزة ومؤسسات السلطة بأمر الدستور -على سبيل المثال- وصل إلى حدود (انفعالية) عالية مقرونة بالتفاؤل الملحوظ، ما دعا بعض وكالات الأنباء العالمية إلى القول وقتها بأن هناك "... لجنة حكومية ليبية تعكف على دراسة مشروع ميثاق وطني او (دستور) في سابقة في هذا البلد منذ إلغاء الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي الدستور بعد توليه السلطة في 1969م. وقال رئيس هذه اللجنة الحكومية عبد الرحمن ابوتوتة لوكالة فرانس برس "... أُحيل إلينا مشروع الميثاق الوطني الدستور من قِبل لجنة شُكِّلت من خبراء قاموا بصياغة مقترحات عدّة لميثاق وطني للبلاد، وستقوم اللجنة الحالية الآن بمراجعتة وتنقيحه من الناحية القانونية...". وأوضح ان العمل على هذا المشروع انطلق منذ ثلاث سنوات تحت رعاية سيف الاسلام القذافي نجل الزعيم الليبي. وأكد ان عمل اللجنة لم ينطلق من فراغ بل لديها مرجعيات اساسية تتمثل في وثيقة سلطة الشعب والوثيقة الخضراء لحقوق الانسان والكتاب الاخضر للقذافي، الذي تستند إليه ليبيا في نظام الحكم بها. !! 

ورأى بن يمين باربر الاستاذ الاميركي وأحد الخبراء الذين استعانت بهم المؤسسة أن "... مشروع الدستور أمر مهم لليبيا ويجب أن يَبني المشروع على ما هو موجود حالياً وألاَّ يهدم الحاضر، ليكون جسر تواصل بين الحاضر والمستقبل...". واستبعد باربر "... أن يشكِّل مشروع الدستور قطيعة مع النظام السياسي الحالي...".  

الغريب أنه بعد خطاب سيف في 20 أغسطس 2009م. وكثرة انتقاداته لوضعية وتركيبة النظام القائم حدثت مفارقات لافتة تمكن أحد بحّاث مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبريدج ببريطانيا من رصدها ووصفها على النحو التالي: "...عقب الخطاب، جرى تأميم القناة التلفزيونية الفضائية التي كان سيف الإسلام قد أنشأها للتو، وانتقدت آراؤه في وسائل الإعلام التي يسيطر عليها النظام واللجان الثورية. وبعد بضعة أيام، سلك سيف الإسلام بلباقة المسار الوحيد المفتوح أمامه، وأعلن أنه سوف ينسحب من السياسة...". 

وبالفعل، يبدو أنه انكفأ إلى مقعد خلفي خلال العام المنصرم (2009م.) على الرغم من الدعوات التي كانت تُطلَق من حين إلى آخر لعودته إلى الساحة السياسية. لكن كان من الصعب التصديق بأن انسحابه القسري نهائي فعلاً. فقد كان لافتاً، على سبيل المثال، أنه أخذ زمام المبادرة لتنظيم عودة المنتصر لعبد الباسط المقرحي، المدان في تفجير لوكربي، إلى ليبيا بعد الإفراج عنه من السجن في استكتلنده في أغسطس 2009 لأسباب صحية. 

إلاَّ أن تسيير المظاهرات "الحكومية" وإخراج المظاهرات الغوغائية الرافضة لقرار هذا الإنسحاب السياسي والمتباكية عليه، جعلت الكثير منهم يتوقعون عدول سيف عن هذا الإنسحاب المزعوم، حيث تبين مع الأيام أنه كان مشهداً من مشاهد "الفيلم" الذي يجري الإعداد له وعرضه فوق مسرح السياسة الليبية ليس أكثر، خاصّة وأن سيف تراجع إلى حدٍ كبير عن قرار انسحابه من المجال السياسي -بعد استنتاجه لبعض المعاني والتطمينات الأمريكية- بعد جولته في أمريكا خلال العام 2008م. وتبيَّن واقعياً أن تلك الممارسات (أو الإجراءات) في مجملها -بما فيها مداخلات القذافي وأحاديثه وتصريحاته الرعناء بين الحين والآخر- هي إجراءات احترازية يقوم بها العقيد للهروب من الإستحقاقات التي تمليها عليه نواياه المبيتة بشأن تنفيذ مخططه أو مطلبه، لا غير. 

بعد بضعة أسابيع، بدا أن صبر سيف الإسلام نجح وأتى أخيراً بثماره. ففي السادس من أكتوبر 2009م. دعا العقيد القذافي جميع الليبيين إلى إيجاد منصب رسمي لابنه سيف كي يتمكّن من خدمتهم كما يجب. !!! 

...وبالفعل، ففي اليوم التالي، اقترحت القيادة الشعبية الاجتماعية الليبية، وهي هيئة تضم رؤساء القبائل والمؤسسات الاجتماعية، أن يصبح سيف الإسلام منسّقاً للجنتها المنظِّمة، مما جعل من سيف الشخصية الثانية الأكثر نفوذاً في الهرمية الليبية بعد والده. وقد جرى تثبيت تعيينه "وفق طقس أبوي رسمي" بعد عشرة أيام. !!! 

ويرى أحد الكتّاب أنه لا يمكن التقليل من شأن أهمية هذا التعيين. لأنه يُعدُّ في الواقع مصادقة رسمية على تعيين الابن الثاني للعقيد القذافي خلفاً له من خلال آلية الحكم السلالي الجمهوري، مما يضع حداً للتكهّنات التي سادت في الأعوام الأخيرة حول كيفية إدارة آلية الخلافة في ليبيا. لكن من خلال هذه الآلية أيضاً، جرى تدجين سيف الإسلام ضمن المنظومة السياسية الليبية الحالية، على الرغم من كل طموحاته بإصلاحها جذرياً. (...) لكن يبدو أن المراقبين تجاهلوا المضمون الكامل لملاحظات العقيد القذافي في ذلك اليوم المصيري في أكتوبر 2009م. فقد دعا الزعيم الليبي إلى إيجاد منصب لابنه لأنه يريد أن يتفرّغ لأجندة سياسية عالمية (...) ولذلك يجب أن ينأى بنفسه عن الاهتمام بالمشاكل اليومية للسياسة الداخلية الليبية... كما قال". 

وفي تعليق ساخر على وقع هذه الدراما السياسية السمجة كتب د.حمزة زوبع في مجلة (اليوم السابع) المصرية، بتاريخ الأحد 11 أكتوبر 2009م. بسخرية لاذعة تحت عنوان [البحث عن وظيفة لابن الزعيم]. قائلاً: "... يا لها من مهمة شاقة وصعبة وتكاد تكون مستحيلة حتى إن الرفيق الأخ العقيد قائد الثورة رئيس الاتحاد الأفريقى ورئيس القمة العربية ورئيس كل ما يمكن ترؤسه بالمال والنفط والمعادن الثمينة بدا مسكيناً ومتواضعاً وهو يناشد الشعب الليبى أن يمنح ابنه وفلذة كبده وظيفة رسمية بعدما أثبت الولد (الوطنى) أنه مهموم بهموم الوطن ومشغول بقضايا أمته وأنه مفطور على خدمة أبناء شعبه وكل ما يطلبه هو وظيفة من تلك الوظائف التى لا تبلى بمرور الوقت ولا تفنى مع الزمن. !! 

العقيد حدد الوظيفة بكونها وظيفة تسمح للولد بالعطاء المستمر دون مدة محددة ودون مراقبة أو محاسبة.. وظيفة تسمح للشاب المجتهد أن يستمر فى اجتهاده لصالح ليبيا اليوم وغداً وإلى أبد الآبدين...". 

كما كانت نفس المجلة (اليوم السابع - 5 اكتوبر 2009م.) قد تناولت هذا الموضوع من زاوية أخرى فقالت: "... بعيداً عن وسائل الإعلام عقد الزعيم الليبى معمر القذافى (مساء 6 اكتوبر 2009م.) اجتماعاً كان قد دعا له، ووصفه بالسرى، مع القيادات الليبية وأعضاء المؤتمرات الشعبية والقيادات المحلية والثورية الذين جاءوا لحضور الجلسة الاحتفالية لمؤتمر الشعب العام إحتفالاً بمرور 50 عاما على الحركة الثورية، وطالب خلال الاجتماع بمنصب دائم لنجله سيف الإسلام, لكي يتمكَّن من تنفيذ برنامجه الإصلاحى فى ليبيا. !! 

وصرح مصدر ليبى مطلع لليوم السابع بأن القذافى طالب خلال الاجتماع أعضاء المؤتمرات الشعبية بتمكين سيف الإسلام من القيام بواجبه تجاه ليبيا، من خلال صيغة تكفل له الاستمرار فى المنصب، مشيراً إلى أن أمانة اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الحكومة) مدتها أربع سنوات، وكذلك أمانة مؤتمر الشعب العام، وهى مناصب محددة بزمن لا تمكِّنه من تنفيذ برامجه لصالح ليبيا، مشيراً إلى أن سيف الإسلام يواجه مشكلة كونه لا يشغل منصباً في. الدولة الليبية وهو ما يربك عمله لصالح ليبيا. 

وأشاد القذافى بما يبذله نجله من أجل ليبيا، وقال إن سيف الإسلام رجل مخلص ويحب ليبيا. وقد لاقى اقتراح القذافى قبولاً واسعاً بين المشاركين فى الاجتماع. وقد اعتبر بعض الحضور بحسب المصدر، أن القذافى بهذه الخطوة يكون قد بدأ عملياً فى تنفيذ عملية التوريث أو نقل السلطة المتوقعة إلى نجله سيف...". 

وعلى صعيد آخر من التناول السياسي للحدث فقد ذكرت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في بيان صادر عنها بتاريخ يوم 7 اكتوبر 2009م. "... أن الأنباء الصادرة من ليبيا تشير إلى أن القذافي يقوم بالضغط من أجل تمرير مخططه الرامي إلى توريث السلطة في ليبيا إلى أبنائه، وتعزيز سيطرتهم على كل المفاصل المهمة في البلاد، فقد طالب القذافي باختلاق منصب دائم في الدولة لابنه سيف بما يُمكِّنه من تجاوز كل الهياكل القائمة سواء من ناحية الصلاحيات أو الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه. 

على الرغم من أن هذا التوجه ليس بجديد؛ فالقذافي كان يسير فيه منذ سنوات، ومارس كل المناورات والحيل، واستخدم كل وسائل الضغط مستعينا بقوى خارجية، غير أنه من الواضح أن القذافي يعمل الآن على التعجيل بتنفيذ هذا البرنامج. ومن المؤكد أن هذا التعجيل راجع إلى أمرين:

أولهما: الفشل الذريع الذي آلت إليه رحلته إلى نيويورك وما واجهه خلالها من مقاطعة وازدراء واحتقار أخذ أشكالا معلنة وعلى مستويات متعددة، ما جعل القذافي يحس بخطر شديد يهدد حكمه.

ثانيهما: ما بات متوافراً الآن من معلومات مهمة عن وجود صراع حقيقي داخلي بين أطراف مهمة في السلطة، وهو غير الصراع الذي يروج له القذافي وذيوله ويزعمون أنه قائم بين أنصار سيف ومناوئيه حول (الإصلاح) المزعوم. لقد بات هذا الصراع الجديد يشكِّل خطراً حقيقياً على حكم القذافي، وتنامىَ بعد أن فشل القذافي في العودة من نيويورك بما كان يأمله، وبعد أن أظهرت أطراف دولية مهمة الرغبة في تجنبه؛ وعلى رأسها أمريكا وكندا وبريطانبا وأسبانيا...". 

وعلى صعيد سياسي داخلي -يبارك الحدَث بطبيعة الحال- ذكرت الصحيفة الألكترونية (أويا) بتاريخ يوم الأحد 11 اكتوبر 2009م. تحت عنوان (سيف الإسلام منسقاً عاماً للقيادات الاجتماعية/مقترَح من القيادة الشعبية بطرابلس: سيف الإسلام منسقاً عاماً للقيادات الاجتماعية)... ذكرت قائلة: "... بادرت القيادة الشعبية الاجتماعية بشعبية طرابلس في الاجتماع الذي عقدته صباح أمس بمقرها بطرابلس، إلى مناقشة ماجاء في حديث القائد في لقائه بالفعاليات الشعبية والقيادات الاجتماعية وجماهير المؤتمرات الشعبية الذي انعقد بمدينة الشرارة الأولى سبها الثلاثاء الماضي. وحضر الاجتماع الذي تم برئاسة منسِّق القيادة الشعبية الاجتماعية طرابلس محمد عريبي ومنسقي القيادات الشعبية الاجتماعية على مستوى المؤتمرات الشعبية الأساسية بشعبية طرابلس وعددها 37 مؤتمراً. 

وخلال هذا الاجتماع تم اقتراح سيف الإسلام معمر القذافي منسقاً عاماً للقيادات الاجتماعية بالجماهيرية لما يمكِّنه هذا الموقع من تحقيق إدارةِ استراتيجياتِ وبرامج وخطط تنموية لبناء مشروع ليبيا الغد، وما تعطيه هذه الصفة من خلال هذا الموقع الرسمي، التصرف في إدارة الشأن الداخلي لليبيا، وفق مطالب جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية ووفق التشريعات النافذة، دون تدخُّل أو عرقلة من أية جهة تننفيذية أخرى ولأي سبب من الأسباب. (!!!) 

وأكد منسِّق القيادة الشعبية طرابلس محمد عريبي أن اختيار هذا الموقع، ليشغله ويسيِّره سيف الإسلام، جاء نتاجاً للثقة الكبيرة في قدرته على العطاء لليبيا من خلال هذا الموقع، وطموحاته التي تَنصب في الرقي بليبيا إلى أعلى المستويات في كافة المجالات. معرباً عن ثقة الجماهير العميقة بسيف الإسلام وحبهم له وعلى رأسهم الشباب الذين يمثلون غالبية الليبيين. (...) 

وأوضح عريبي أن اختيار سيف الإسلام منسقاً عاماً للقيادات الشعبية الاجتماعية، دون غيره من المواقع، لأنه وحسب ماجاء في توجيهات (الأخ قائد الثورة) بقوله : (ليس هناك أعلى من القيادات الشعبية فهي ترسخ سلطة الشعب وهي المظلة فوق أمانة مؤتمر الشعب العام، واللجنة الشعبية العامة والأمن وكلهم لديهم علم بذلك).. وكما قال قائد الثورة أيضاً في الملتقى الرابع لفعاليات الشعب الليبي بتاريخ 1430/3/2هـ. (في يومٍ ما المنسق العام يصبح بمثابة رئيس دولة من الناحية الشكلية (...) وأضاف: إن القائد قال في حديثه بالملتقى الرابع للقيادة الشعبية الاجتماعية بتاريخ 1427/9/1هـ. قال بالنص: ( أنتم ياقيادة شعبية، أنتم ولي الأمر) أنتم المرشد ، أنتم القائد، أنتم المحكم أمام كل شيء ، أنتم الذين تجعلون هذه القواعد راسخة .. تُحترَم، وتفرضونها على اللجان الشعبية وعلى المؤتمرات الشعبية. وبهذا يستطيع الموقع أن ينتقد أو يعترض على إجراء أو قرار خاطئ تتخذه الجهات التنفيذية الأخرى كاللجنة الشعبية العامة أو إحدى اللجان الشعبية النوعية (...) كما أكد (الأخ قائد الثورة) في توجيهاته للمنسقين العامين في الجماهيرية على ديمومة القيادة الشعبية الاجتماعية وفعالياتها، وبهذا التأكيد والتوجيه يقول عريبي نستطيع أن نؤكد أن من حق سيف الإسلام براحاً واسعاً يمكِّنه من العمل المتواصل والمستمر نحو غدٍ أفضل لليبيا الغد. (!!!) 

(...) وخلال هذا الاجتماع أكد الحاضرون من منسقي القيادات على مستوى المؤتمرات الشعبية الأساسية بشعبية طرابلس على ترحيبهم التام بهذا الاختيار وهذا المقترح ودعوا إلى ضرورة العمل بجدّية والدعوة إلى أن يكون سيف الإسلام معمر القذافي منسقاً عاماً للقيادات الشعبية الاجتماعية بالجماهيرية في أقرب وقت وبصلاحيات أوسع، إيماناً منهم بأهلية سيف الإسلام لقيادة هذا الموقع الذي يعتبر المظلة الوطنية القيادية لكل القوى والهياكل والفاعليات في الجماهيرية على أعلى مستوى. كما طالب بعض الحضور بضرورة تعديل بعض بنود اللائحة الداخلية للقيادة الشعبية الاجتماعية بالشكل الذي يجعل فيها أكثر صلاحيات في إدارة الشأن الداخلى بليبيا. وأشار البعض بأن (قائد الثورة) قد استشف رغبة الليبيين بأن يتولى سيف الاسلام الشأن الداخلي في ليبيا ولهذا أبدى تأييده لهذه الرغبة. وبهذا أقر الحاضرون تأييدهم لهذه المبادرة وتأكيدهم التام باختيار سيف الإسلام معمر القذافي منسقاً عاماً للقيادات الشعبية الاجتماعية بالجماهيرية لمواصلة بناء ليبيا الغد ومكافحة الفساد المالي الإداري والاهتمام بكل جوانب التنمية والبناء في كافة المجالات...". (!!!) 

وقد أكَّد العقيد القذافي بمدينة سرت يوم 28 يناير 2010م. في كلمة مطوّلة له أمام (مؤتمر الشعب العام) ...أكدَّ من خلالها وجوده وحضوره السياسي، في رسالة واضحة للداخل والخارج ولحسم كثير من "التنبؤات" التي راهنت على غيابه الكلّي أو على الأقل إبتعاده، عن مسرح السياسة الليبية ...عاد ليؤكد تواجده كما ذكرنا، وليعلن بصورة غير خفية عدم رضاه الكامل عن الأدوار التي يقوم بها ابنه سيف على الرغم من أن هذا الأخير أكدّ مراراً وتكراراً، وعلى الملأ وروؤس الأشهاد -من خلال خطب رسمية- أنه لا يقوم ولا يتحرّك قيد أنملة إلاَّ بتوجيه وإيعاز ومباركة من والده "القائد" كما يحلو له أن يخاطبه أو يشير إليه دائماً. وأكدَّ القذافي استمرار دوره السياسي والتحريضي، وأكَّد بكل قوة على قناعاته ومقولاته القديمة وأفكاره السياسية وبخاصة تلك المتعلِّقة بنظام تسيير الدولة والتمكين لما يسميه (سلطة الشعب). وقال إنه يتابع "... من فترة إلى أخرى جلسات مؤتمر الشعب العام، وإذا كان لي أي تدخلات فهي دائما طبعاً لتقوية سلطة الشعب.. كلها من أجل تمتين هذه السلطة وتقويتها، التي لا بديل عنها. (...) فالحزبية تتآكل وأصبحت من مخلفات الماضي، وكل القوالب الإقتصادية والسياسية التي يشتغل بها العالم الآن هي قوالب قديمة من العصور السابقة. والتمسك بها هو سبب الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والأمنية أيضا في العالم الآن، لكن أكيد أن العالم في النهاية سيصل بأن تقوم سلطة الشعب وتلغى الأحزاب وتمثيل البرلمانات والحكومات، ولا يكون هناك حاكم ومحكوم ولا سيد ومسود...". 

ولم يفت القذافي الأب، بعد تأكيده على مقولاته المعروفة، أن يلمز إلى تحجيم دور ابنه سيف ووعوده وتطلّعاته السياسية، حيث أبخس مجمل هذه الرؤى وما يتعلّق بها (وبخاصة حرية الصحافة والإعلام) وحاول -كعادته- تسطيح وتسفيه المعاني بشكل متعمَّد وسخيف حيث قال "... ملاحظة أخرى تتعلق بملكية الشعب لكل الوسائل: ما دمنا نقول (جماهيرية إشتراكية)، الشعب.. المجتمع يملك السلطة ويملك الثروة ويملك السلاح، نأتي للإعلام..إذاعات وجرائد وما إليه، هي أيضا لازم يملكها الشعب. الآن هي ليست مملوكة للشعب. هناك جرائد أو محطات نعتبرها منابر ثورية تملكها ممكن اللجان الثورية، وهناك صحف أخرى ومحطات أخرى تملكها مؤسسات أخرى، وهذا ليس فقط في ليبيا. إذهب للدول الغربية التي تدّعي الديمقراطية لترى الصحافة والإعلام مملوك لمن ؟ قد يقولون لك حرية.. أن أي واحد يستطيع أن يصدر جريدة، أي واحد يعمل محطة إذاعة. لا، لا.. هذا الكلام غير صحيح، غير ممكن، فالطبقة الرأسمالية التي تحكم هي التي تملك هذه الأشياء. يعني المجتمع الرأسمالي هو الذي يملك كل شيء.. يملك الجيش ويملك الرئيس ويملك الإعلام ويملك الثروة. وإذهبوا لتروا الناس التي خارج الطبقة الرأسمالية ما هو وضعها ؟!!

(...) ما نقتنعوش بما ذكروه، بأن لماذا لا تكون عندنا جرائد حرة، أو إذاعات حرة ؟!. أين المكان الذي فيه إذاعات حرة ؟! وما معنى إذاعات حرة ؟!. معناه أن هناك جهة أخرى غير حرة.. معناه أن هناك حكومة، بينما نحن ليس لدينا حكومة.. نحن شعب إستولى على السلطة وأصبح يحكم، إستولى على كل الموجودات. إذن سيعطيها لمن، إلا إذا كان سنعطيها لجهة خارجية ؟!. أما إذا كان لنا نحن الليبيين، فنحن الليبيين سيطرنا على السلطة وألغينا كل شيء كان غير الشعب، إذن كل شيء ملك لنا، ملك لهذا المجتمع الذي سيطر. هذا الشعب الذي أصبح يحكم نفسه بنفسه، يملك كل الموجودات.. يملك الجريدة ويملك الإذاعة، ويملك السلاح، ويملك الثروة، ويملك القرار ويملك إصدار القانون. كل شيء ملك للشعب، كل شيء ملك للمجتمع، ملك للشعب. 

هم فعلا عندهم طبقة رأسمالية تحكم وتملك كل شيء، ممكن تظهر معارضات ضدها وأحزاب ضدها، وحتى عمل سري ضدها، وإحتجاجات ضدها ومظاهرات، لأن هناك أناساً خارج السلطة عندهم.. خارج الثروة.. خارج الإعلام، لا يملكون. أما نحن، فليس عندنا أحد يكون خارجاً، نحن كل الشعب ملك هذه الموجودات التي فوق الأرض الليبية. تتنازل عن الجريدة لمن ؟!. واحد غريب ليس منا، كيف تعطيها له ؟. وهذه تنتهي بأنكم أنتم مثلما في الكتاب الأخضر، لازم تكون هناك لجنة فيها كل شرائح المجتمع هي التي تملك السيطرة وتسّير الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي. وهذه الفلسفة واضحة جداً، وهذه هي الديمقراطية الحقيقة وهذا هو الشيء الواقع. المجتمع حر سيطر على كل شيء، فكيف يترك إمكانية من الإمكانيات خارج سيطرته ؟! كيف ؟! تعطيها لمن ؟!. أما أفكارنا وكتاباتنا وتصوراتنا، فنضعها في أجهزة الإعلام الخاصة بنا التي نحن نسيطر عليها. إكتب.. كل واحد يكتب، حتى المجنون قلنا إنه يستطيع أن يكتب لكي يعبر. إتركه يعبر حتى يبرر أنه مجنون...". (!!!)

ليس ذلك فحسب، بل إن  العقيد القذافي يمضي في تهوره وعدم مبالاته بطبيعة المرحلة السياسية ووجوده الذي يمثِّل رقماً صعباً داخلها ..يعود القهقرى -للمربَّع الأول- ليعلن أنه مازال يتمتّع ويتعامل متى شاء بما يسميه الشرعية الثورية، حيث يعلن صراحة في نفس الخطاب -وبعد انتهاء الجلسة المغلقة- ليقول بأن: "... هناك تسع حالات أو وقائع محكوم على أصحابها بالإعدام، راجعتها، ورأيت أن هؤلاء يستحقون البراءة، وتحملت المسؤولية بإسم الشرعية الثورية، ووقعت عليهم بالبراءة...".

فماذا بقي لسيف إذن، بعد هذه التجاوزات والتخطّي المعلَن والمتعمَّد -من حيث المبدأ- "للقانون والقضاء" من طرف والده ؟ ... الواقع يقول أن العقيد القذافي لم يكن أو على الأصحّ لم يعد راضياً عن البديل "أو الواجهة" سيف، ولم يعثر على شخص أو طرح آخر بعد، على الرغم من تزكية البعض –إقليمياً ودولياً- لإبنه الآخر المعتصم، مسؤول الأمن، الذي يراه هذا البعض مستنسخ للعقيد القذافي وقابل لتنفيذ خطوات "الطلب والشرط". إلاَّ أن رؤية أخرى تقول أنه ربما يكون العقيد ذاته قد عدل –كعادته- عن تفكيره ومخططه وتمرّد على هذه الوضعية الشائكة التي اختارها أو أوجَد نفسه أمام ضرورة اختيارها، وهي الإنزواء أو التنازل لإبنه مقابل "سلامة رأسه" وعدم المساس به ...نقول أنه ربما تمرّد على هذه الوضعية القلقة بأن وجه صفعة قوية لكل الحالمين بسيف من خلال مفردات ومعاني خطابه المشار إليه، الذي نسف من خلاله كافة ما يُقال عن رؤى وتطلّعات هذا الـ (سيف) في الحكم أو في وراثة أبيه سياسياً. لينهي هذه الوضعية النفسية القلقة من ناحية وليجعل سيف ابنه يكتفي بالمنصب (الفخري/الرسمي) كمنسِّق عام للقيادات الشعبية.. (وزير بلا وزارة). !! 


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home