Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer al-Senousi Balalah

Wednesday, 5 April, 2006

من رموز الإختفاء القسري... ( في ليبيا )

السنوسي بلاّلَه

عانت مجتمعات دول العالم الثالث محنة غياب الحريات الأساسية، وابتليت في معظمها بظاهرة مقيتة أكثر تهديداً وترويعاً لتلك الحريات، ألا وهي الإختفاء القسري، التي ظلت تقضّ مضجع مواطني تلك الدول باستمرار. وعلى الرغم من "تعود" أولئك المواطنين على كثير من ممارسات القمع والإرهاب المختلفة التي تمارسها السلطات في حقّهم، إلاَّ أن موضوعة الإختفاء القسري تظل، في نظرهم كافَّة، هي الأبشع والأكثر معايشة لصحوهم وغفوتهم، بدءاً من ساعة إلقاء القبض على المواطن المعني، وإلى لحظة خروجه إلى النور من جديد، ومعرفة مصيره الذي كان، وإلى ما قبل تلك اللحظة، ما بين الحياة والموت.
المواطن، في ليبيا مثلاً، عانى مثل غيره من مواطني تلك المنظومة الثالثية البائسة، مرارة ظاهرة الإختفاء القسري. وعلى الرغم من محاولة السلطة وضع الكثير من مساحيق "الممارسة" الديموقراطية فوق صفحة خدّها السياسي المواجه للغرب تحديداً، إلاَّ أن الواقع المعيش لرجل الشارع، وبخاصَّة على الهامش السياسي اليومي، يفصح بعكس ذلك تماماً، بل ويمكن قراءته ومعرفة طلاسم خطوطه ليس من خلال شحوب وجوه المواطنين التعساء فقط، بل ومن خلال رصد ومتابعة كافة تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، التي استند معظمها على شهادات شهود عيان من خارج نطاق السلطة، إضافة إلى تقارير الجهود الصادقة للمعنيين من ممثلي تلك المنظمات، التي عانى أفرادها سخافة ونزق رصد مخبري السلطة واعتراضاتهم السمجة، إزاء ما يقومون به من تقصّي ميداني وتحركات مفاجئة، لا بل ومحاولة أولئك المخبرين التأثير على حيدة ونزاهة أعضاء تلك المنظمات واعتراض سبيلهم بمختلف الطرق والوسائل.
نعرض في هذا السياق إلى مأساة مواطنين ليبيين هما السيد عزات المقريف والسيد جاب الله مطر اللذين ذهبا ضحية "ظاهرة" الإختفاء القسري منذ أكثر من ستة عشر عاماً.
نلفت في البدء إلى ما جاء في المادة (14) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أنه:
"... لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى، والتمتع به خلاصاً من الإضطهاد..".
حيث إنه من مضمون هذا المنطلق الدولي، جاء قرار إقامة عزات يوسف المقريف وجاب الله حامد مطر، وأسرتيهما، بمدينة القاهرة بجمهورية مصر العربية، وذلك منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. فأمر الإقامة بمصر كان منذ بدايته، بغرض البحث عن الأمن والأمان، في ظل ما تمارسه السلطات الحاكمة في ليبيا من جبروت وطغيان، وإرهاب وعسف، طاول اللاجئين الليبيين بمختلف فئاتهم، وعلى مختلف ساحات إقاماتهم ومهاجرهم.
ووفقاً للمادة (12) من ذلك الإعلان العالمي، التي تنصّ على أنه:
"لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسّ شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات".... استقر بالإخوة المقام. وظلوا يتابعون قضية بلادهم عن كثب، ويتحركون في حدود ما يسمح به قانون البلد المضيف، فهم على دراية بكافة أصول ومتطلبات الإقامة وفق ظروفهم السياسية، وهم قد عايشوا مثل هذه الظروف (المهجرية) في أكثر من دولة، فلا مزيد على فهمهم ولا تثريب على تصرفاتهم وسلوكياتهم هنا أو هناك، فهم طلاب حق، وروّاد كفاح سياسي، لا همَّ لهم إلاَّ العمل من أجل قضية بلادهم بشتّى السبُل والوسائل الممكنة والمشروعة.
في فجر أحد أيام شهر مارس من عام 1990م. توزعت طَرَقات "زوار فجر" ذلك اليوم على أبواب منزل عزات المقريف وجاب الله مطر. وأمام عجرفة رجال الأمن وتيبّس قلوبهم لم يشفع لعزّات المقريف مرضه (السكري/الأنسولين اليومي، وضغط الدم)، ولم تُفد شيبة وكبر سن جاب الله مطر، في مواجهة صلف أجهزة الأمن ذات الباع والتاريخ المريع في هذا المجال. ...واقتيد الإثنان إلى ما لا يُستدَل على معالمه من مكان. وقِيل لزوجتيهما وأطفالهما، وقتها، إن هي إلاَّ برهة أو هنيهة ويرجعان في الحال. ...ولا داعي للقلق والخوف على مصيرهما، فالأمر مجرد تحقيق. ...وما أدراك ما التحقيق. !!!
فقد اتضح بعد ذلك، وبكل أسف، أن التحقيق معهما قد ابتدأ في القاهرة فعلاً، ولكنه انتهى وأُغلِق محضره في أحد المعتقلات الرهيبة داخل ليبيا. فقد انتهى أمر التسليم والاستلام (!!) ما بين أجهزة الأمن والاستخبارات الشقيقة، في سرعة خيالية. !!
مثل هذه السرعة في التعامل (وفي التسليم والإستلام) ما بين الأجهزة الأمنية، هي التي تلبسَّت حالة الإختفاء القسري للمواطن الليبي منصور رشيد الكيخيا أيضاً. ...منصور عضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان، الذي اختفى في القاهرة ليلة الحادي عشر من شهر ديسمبر عام 1993م. عقب حضوره اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة بالقاهرة، حيث تم تسليمه هو الآخر إلى أجهزة الأمن الليبية.
وقبل عزّات وجاب الله ومنصور، تعرَّض الدكتور عمرو النامي –داخل ليبيا- لعميلة اختفاء قسري ما زالت تكتنف مصيره إلى الآن، على الرغم مما تعرَّض له قبلها، عدة مرّات، من عمليات اعتقال وتعذيب، إنتهت في بشاعتها إلى معاناة الإختفاء القسري ذاتها، تلك المأساة التي عانى ويعاني مرارتها أيضاً، عشرات الليبيين وغيرهم في داخل الأراضي الليبية، بمن فيهم ضيوف البلاد، الذين من أبرزهم الإمام موسى الصدر.
يحدث ذلك في الوقت الذي "...تؤكد فيه المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان، أن الأعمال التي تؤدي إلى اختفاء الأشخاص قسراً وضد ارادتهم، هي انتهاكات واضحة لحقوقهم الأساسية، فالمادة رقم (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصَّت على أن:
"لكل فرد الحق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه". وقد أشارت إلى ذات الحق المادّة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة (6) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. والمواد (3)، (4) من مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي.
ولا يوجد شك في أن الإختفاء القسري هو انتهاك لهذه الحقوق الأساسية الليصقة بالإنسان، ولهذا السبب اعتبرت الأمم المتحدة في قرارها رقم 47/133 الصادر في 18 من ديسمبر 1992م. أن ممارسة الإختفاء القسري يُعدّ بمثابة جريمة ضد الإنسانية، حيث إنه يقوّض أعمق القيم رسوخاً في أي مجتمع ملتزم باحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان. [أنظر الملف الخاص بحقوق الإنسان الذي اصدرته الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا عام 1999م. تحت عنوان: (انتهاكات حقوق وحرّيات الإنسان الليبي في ظل النظام الإنقلابي [سبتمبر 1996م. – ديسمبر 1998م.] الجزء الأول (الحقوق القضائية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية)... تحت عنوان (خامساً: حالات الإختفاء القسري للأشخاص)].
وفي هذا السياق، وختاماً، نشير إلى ما كان ذكره د. أحمد صدقي الدجاني في مداخلة له، خلال إحدى الملتقيات الفكرية التي نظّمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا (منتصف التسعينيات)، حيث قال: "...جاء خطف منصور الكيخيا ليلفت الأنظار بقوة، إلى خطورة الظاهرة (ظاهرة الإختفاء القسري)، وليدعو جميع العرب، المعنيين بالذود عن كرامة الإنسان والدفاع عن حقوقه، إلى التكاتف معاً لمعالجة هذا الموضوع. (...) ولعل أكبر خطر يواجهه موضوع (الإختفاء القسري) في الاجتماع الإنساني هو (النسيان) وسط مشاغل الحياة اليومية وتتابع الأحداث. ويراهن مختطفو جريمة (الخطف) على (النسيان)، فيعمدون إلى التعتيم على الموضوع، لينتقل إلى دائرة الظل فيُنسى. ومن هنا تأتي أهمية التذكير المستمر بالظاهرة، لأن ثمن النسيان باهظ ، يدفعه الضحية وأسرته والمجتمع ...".
وتماهياً مع هذا المعنى، واستناداً إلى حالتي الإختفاء القسري، المشار إليهما، حمّلت مختلف المنظمات العربية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، الحكومة المصرية مسؤولية إجلاء مصير المختَطَفين، بحكم مسؤوليتها عن أمن المقيمين على أراضيها. كما حمّلت مسؤولية مماثلة للحكومة الليبية، بحكم مسؤوليتها عن مواطنيها. وانطلاقاً من المفهوم القانوني "إن جريمة الإختفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم"، فقد ظلت تلك المنظمات والروابط،إلى اليوم، في مطالباتها العادلة من أجل إجلاء الحقيقة، ومعرفة مصير المختَطَفين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home